الجمعة 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2017

كتَّاب وقعوا في شرك ال«سي آي إيه»

الجمعة 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2017 par محمد الصياد

تشكل الميديا الأمريكية، بكل أنواعها المرئية، والمقروءة، والمسموعة، جزءاً أصيلاً لا يتجزأ من النظام السياسي الأمريكي، ومؤسساته المتفرعة، والمترامية الأطراف. وهي بهذا المعنى مؤسسة قائمة وفاعلة في وضع أصول اللعبة السياسية، واللعبة الديمقراطية، بما في ذلك طريقة انسياب القرار، وتجزئة، وتفرع، وتوزيع الأدوار على كل مراكز القوى النافذة والمحركة لديناميات الحياة الأمريكية، السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية.
وفي خضم هذا التشابك المعقد للمصالح، والمؤطر قانونياً ومؤسسياً، يُروى الكثير من القصص المثيرة حول علاقة أجهزة الميديا، خصوصاً المقروءة منها، بالمنظومة الأمنية المتشكلة من سبعة عشر جهازاً أمنياً، وتحديداً منها الأقوى شوكة، والأكثر عراقة، وهي وكالة المخابرات المركزية الأمريكية «سي.آي.إيه». وفي شهر مارس/آذار الماضي أجرى روبرت شير رئيس تحرير موقع «تروث ديج» الأمريكي مقابلة مع جويل ويتني الكاتب الأمريكي، وأحد مؤسسي مجلة «جورنيكا» حول كتابه الجديد «المخبرون: كيف خدعت ال»سي.آي.إيه» نخبة كتَّاب العالم». لقد تحدث مؤلف الكتاب باستفاضة عن أسماء كبيرة لامعة اعتبرها من أفضل العقول التي خرّجتها الجامعات الأمريكية العريقة، مثل هارفارد وييل، ممن أغوتهم «السي آي إيه» واستدرجتهم، سواء بالمال أو بالدعم، للمشاركة بأقلامهم في ما أسمته معركة كسب العقول والأفكار مع الشيوعية إبان الحرب الباردة. وشمل ذلك كبريات الصحف والمجلات الأمريكية، والبريطانية، والفرنسية العريقة. وفي معرض حديثه يروي جويل ويتني كيف أن البريطاني كريستوفر مونتاجو وودهاوس، الرأس المدبر للانقلاب على محمد مصدق في يونيو/حزيران 1953، كان يعمل لمصلحة وكالة المخابرات الأمريكية في مجلة «إنكاونتر» اللندنية التي تملكها الوكالة والتي وظفت البريطاني ستيفن سبندر الذي كان يقبض سراً من الحكومة البريطانية، فيما كان الأمريكي إيرفينج كريستول يقبض بصورة غير مباشرة من السي آي إيه. وقامت الوكالة بتعميم تجربة مجلة «إنكاونتر» في باريس وروما وعديد العواصم الأوروبية، ربما كانت أشهرها «باريس ريفيو» التي استقطبت العديد من الكتاب، من بينهم عملاء سابقون للسي آي أيه، مثل جورج بليمبتون الذي نجح في تأمين مخصصات إنفاق «السي آي أيه» على هذه المطبوعات من خلال الكونجرس عبر نافذة ما سمي آنذاك «دعم الحرية الثقافية».
المقابلة حافلة بالأحداث المثيرة والأسماء الصحفية اللامعة التي وقع خداعها أو إغوائها للانخراط في ما سُمي برنامج «عملية موكينج بيرد»، حيث استقطبت بموجبه ،السي آي إيه، نحو 3 آلاف من الكتّاب، ورؤساء تحرير الصحف، والناشرين، ووضعتهم على كشوف مرتباتها. وقد قاد عملية التضليل الإعلامي فيليب جراهام الكبير، الناشر السابق ل«واشنطن بوست» أيام الحرب الباردة. بل إن الكاتبين الأمريكيين جيفري كلير، وألكسندر كوكبيرن، يشتبهان في دور وشاية قامت به الصحيفة تواصلاً مع السي آي إيه، أفضى لتدمير حياة الصحفي والكاتب الأمريكي اللامع جاري ويب في عام 1996 (بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة افتراضاً)، بسبب تحقيقاته المثيرة حول تورط «السي آي إيه» مع ميليشيات «الكونترا» اليمينية المسلحة في تجارة المخدرات لتمويل حرب «الكونترا» في ثمانينات القرن الماضي، والرامية لإسقاط نظام «الساندينيستا» في نيكاراجو. حيث أدت حملات التسقيط التي شنتها «واشنطن بوست» على غاري ويب الى تحطيم مهنته، ودفعه الى الانتحار في 10 ديسمبر/كانون الأول 2004. والمثير أنه رغم إقرار المحقق العام في السي آي أيه، فريدريك هيتز فيما بعد بصحة تقارير الكاتب والصحفي غاري ويب، إلا أن الصحيفة لم تعتذر عما اقترفته من جريمة قذف وتسقيط بحق أحد أعظم وأجرأ الكتاب الصحفيين الأمريكيين.
وفي عام 1996 حين تسلم جورج بوش الأب إدارة السي آي إيه من سلفه وليم كولبي، أعلنت الوكالة رسمياً ما يلي: «اعتباراً من الآن وفوراً، لن تدخل السي آي أيه في أية علاقة مدفوعات مالية، سواء بوقت كامل، أو عمل جزئي، مع الصحفيين المراسلين المجازين من خدمات الأخبار الأمريكية، والصحف، والدوريات، والراديو، وشبكات ومحطات التلفزة»، في وقف مفاجئ لممارسة دأبت عليها الوكالة منذ عام 1947. فهل تم العمل بهذا التعهد وهذا التوجيه فعلاً؟


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 31 / 574389

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع محمد الصيّاد   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010