الخميس 23 تشرين الأول (أكتوبر) 2014

التغيير الحذر.. الطريق إلى بناء دولة صاعدة

الخميس 23 تشرين الأول (أكتوبر) 2014 par سليم قلالة

ذا لم نقم بعمل استباقي مناسب في الوقت المناسب وبالوسائل المناسبة لمواجهة التغييرات المحتملة التي تحيط بنا والتكيف معها، فإن هذه التغييرات ستحدث لا محالة من غير أن تنتظرنا، ولا أن تستشيرنا في الوقت ولا في الطريقة أو الوسائل. لذلك، علينا أن نخرج من دائرة الحذر من التغيير والخوف منه، إلى التغيير الحذر الذي بإمكانه وحده أن ينقلنا إلى مستوى التطلع إلى أن نُصبح دولة صاعدة حقيقةً، بدل أن نبقى نعيش هاجس الخوف من أن ننزل إلى مستوى الدول الفاشلة كما هو حال جيراننا وأشقائنا الذين لم يحسنوا التعامل مع المستقبل ومنعوا كل أشكال التحول الاجتماعي والتحول في السلطة إلى أن حدث ذلك لديهم، بالعنف الذي شاهدناه وبالنتائج الوخيمة التي عرفوها وعلى كافة الأصعدة. إننا نستطيع من خلال استباق الفعل واستحداثه، أي من خلال الاستشراف، أن ننقل بلدنا حقيقة إلى المستوى الأعلى فالأعلى الذي نريد...

منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمن ونحن نعيد صياغة نفس السياسة المعتمدة في هذا القطاع أو ذاك بواجهات مختلفة وأحيانا بتصحيحات جزئية. لم يتمّ إحداث تغيير استباقي في أي من السياسات العامة إن على مستوى الغايات أو الأساليب أو الأشخاص الذين يشرفون على المجال التنفيذي. لقد فضلت السياسة العامة للدولة الإبقاء على الوضع القائم والعمل بنفس المنهجية السابقة سواء فيما يتعلق بأسلوب العمل أو بالقائمين عليه.

وينبغي أن نعترف أن اعتماد هذا الأسلوب كمنهجية للعمل السياسي وإن بدا غير مجدٍ ومثير لحساسيات الرأي العام، فإنه مكَّن من الإبقاء على توازن نسبي في المجتمع تُرجم في الأخير بأن أصبح الناس يُفضِّلون بقاء الوضع القائم على المغامرة بسياسات جديدة قد تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه.

لقد استمرت السياسات العامة في الدولة، لمدة أكثر من عشرين سنة خلت، على الاعتماد على مسلّمة تقول: وما الفائدة من تغيير قواعد لعبة، وفريق لاعبين، إذا كان ذلك يضمن في حدود دنيا الاستقرار اللازم ويجد قبولا وإن كان في الحدود الدنيا أيضا لدى الرأي العام؟ ما الفائدة من الخوض في مسار تغيير يصعب علينا التحكم فيه أو لسنا في مستواه؟

هذه المنهجية التي يمكن أن نطلق عليها اسم "منهجية الحذر من التغيير" هي التي مكَّنتنا من تجنب الكثير من المخاطر وإن لم تُحقق لنا أفضل الأهداف التي نريد، هل بإمكانها أن تصمد؟ أم علينا أن ننتقل في الوقت المناسب إلى منهجية أفضل تقوم على الاستباق التدريجي للتغيير من خلال اعتماد مبدأ جديد نطلق عليه اسم التغيير الحذر؟

يبدو لنا أن السياسات السابقة قد استنفدت طاقتها، ولم يعد بإمكانها تقديم حلول مُبدعة للمشكلات، كما أن القائمين على هذه السياسات الذين أشرفوا على تنفيذها إما اقتناعاً أو طاعة لم يعد بإمكانهم الاستمرار في لعب الأدوار وتحقيق الهدف المطلوب، أي منع الوضع من التفاقم أو التحول إلى الاضطراب. ذلك أن المطلب الاستباقي اليوم ينبغي أن يتجاوز تسيير المشكلات وتأجيلها إلى تقديم حلول مبتكرة لتجاوزها والإبداع في صياغة سياسات بديلة لها تصنع التقدم المنشود.

وهذا يعني الشروع في تغيير منهجية العمل على مستوى السياسات الكلية من شأنها أن تنقلنا إلى بداية مرحلة جديدة في البناء الوطني مُواكِبة للتحولات الراهنة على الصعيد الدولي ترشحنا للانتقال إلى التحول إلى دولة صاعدة مثل دول "البريكس" التي سيكون لها شأن في عالم الغد.

هل يمكننا ذلك؟ وكيف؟

نعم يمكننا ذلك إذا ما اعتمدنا من الآن سياسات بعيدة المدة للتغيير الحذر قائمة على إعادة رسم السياسات بشكل كلي مع تنفيذ تدريجي لها في كافة القطاعات، وذلك وفق قيم جديدة ومقاييس جديدة يشرع في تطبيقها على كل قطاع توفر على الشروط اللازمة لذلك.

وعلى رأس هذه القيم في مستوى أول إعادة الاعتبار للكفاءة والعلم في التسيير، إذ لا يمكن أن تبقى الكفاءة باستمرار في خدمة السياسي رجل الثقة أو امرأة الثقة، وهي ممنوعة من بلوغ مستوى اتخاذ القرار وتنفيذه. هذه مسألة جوهرية ينبغي أن تكون مرتكزا أول للتغيير الحذر المطلوب. لقد ولَّى الزمن الذي كان يُرفع فيه شعار: "العالم يفكر والسياسي يقرر ويحكم". وعلينا أن ندخل إلى الزمن الجديد، حيث أن الذي يفكر هو الذي يقرر ويحكم بقدر قدرته على ذلك.

وفي مستوى ثان، ينبغي أن تعاد صياغة سياساتنا القطاعية على أساس قيمة العمل والقدرة على الابتكار والإنتاج وليس على أساس قيمة الرصيد المالي المخصص لها والمقتطع مباشرة من الريع البترولي وفق قاعدة جديدة تقول: أي قطاع لا يتمكن من إيجاد قيمة مضافة له من خلال العمل ينبغي أن يتقلص، وذلك حتى تصبح المردودية المتوقعة لقطاع من القطاعات هي التي تحكم الميزانية التي تخصص له وليس العكس، حيث تخصص الميزانيات الضخمة لبعض القطاعات من غير أن يُطرح السؤال بشأن ما حققت من مردودية علمية أو فكرية أو معنوية أو مادية. وهذا التحول من شأنه أن يعيد النظر في كل السياسات القائمة لدينا على أساس تقاسم الريع البترولي، ويضع حدا لهدر ملايير الدولارات على قطاعات لا تعرف ما تصنع بها، كما يسمح بترشيد النفقات ونحن على أبواب عسرة بترولية بدأت معالمها تلوح في الأفق. وقبل كل ذلك يُبعد من الساحة أولئك الذين أصبحوا يعتبرون أن هناك إمكانية لتحقيق الثروة في الجزائر بكل الوسائل إلا العمل، أي يتم تصحيح أكبر معادلة خاطئة سادت في مجتمعنا في العقدين الأخيرين من الزمن.

وفي مستوى ثالث، ينبغي إعادة الاعتبار لقيمة العمل السياسي باعتباره أساس إدارة الشؤون العامة والإطار الذي تُصاغ من خلاله القرارات. وهنا تندرج مسألة إزالة الغلق على المجال السياسي، وإفساح المجال لبروز أفكار سياسية جديدة تصب في اتجاه ما أسميناه بالتغيير الحذر الذي يضع ضمن زاوية رؤيته المستقبلية استباق وقوع مشكلات ببلادنا والاستعداد الكامل لأي نوع من الأزمات قد تحدث حقيقة أو اصطناعاً. بمعنى أن الوقت قد حان بالفعل للطبقة السياسية أن تتشكل من جديد على أساس هذه الرؤية المستقبلية من أجل تمكين البلاد من تجاوز هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها بين ضغط بقاء الوضع على ما هو عليه، والخوف من تغيير قادم يصعب التحكم فيه.

وأخيرا في مستوى رابع، يصبح من الضرورات القصوى في ظل هذا الوضع أن يلعب الإعلام دوره الاستراتيجي في مواكبة هذا التطور المرتقب وتهيئة الرأي العام ليتفاعل معه، باعتباره أساس نجاح أيّ سياسة تغيير قادمة. ولا شك أن الجزائر أصبحت لديها شبكة إعلامية جديدة ومتنوعة يؤطرها الآلاف من الشباب الطامح والمستعدّ لاستيعاب مثل هذه الرؤية التجديدية المتطلعة إلى المستقبل أكثر من الحاضر والماضي.

هذه الفئة الشابة من الإعلاميين، بلا شك ستتفاعل مع فئات في نفس مستواها العمري في مختلف القطاعات الأخرى إذا ما اندرجت ضمن مرحلة تغيير استراتيجي يبدأ اليوم بحذر حقيقة، ولكنه سيعرف زخما حقيقيا في المديين القريب والمتوسط يجعل تطلعنا أن نصبح دولة صاعدة ليس وهما أبدا.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 10 / 566411

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع سليم قلالة   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010