الاثنين 2 أيار (مايو) 2011

أنا مع الثورة، ولكن الوطن أولاً...

الاثنين 2 أيار (مايو) 2011 par حلمي البلبيسي

(1)

أنا مع الثورة التي تزلزل أركان أنظمة القمع والاستبداد والعمالة للعدو.

أنا مع الديمقراطية الحقيقية التي تمكن كل مكونات المجتمع من المشاركة في الحكم (ليس للإثراء) ولكن لخدمة الشعب ورقيه وتقدمه.

أنا مع حقوق الإنسان، فحق الإنسان في العمل، والتعليم، والطبابة، ومثل هذا وقبله ربما، حقه بالممارسة السياسية دون خوف أو وجل من إعتقال وتعذيب، أو إبعاد وتهجير ...

أنا مع أن يقف أي مواطن في أي ساحة عربية، يقول بأعلى صوته أنه ضد الزعيم ولن ينتخبه مرة أخرى ويعدد أسبابه في ذلك، دون أن ينتهي به الأمر في مستشفى الأمراض العقلية ...

أنا مع محاربة الفساد والفاسدين من رأس النظام حتى أصغر موظف في الدولة ومحاسبة كل من يثبت عليه إستغلال المنصب للإثراء غير المشروع، أو الإستفادة من الموقع لخدمة الحاشية والأقارب وأصحاب المصالح التي يحققونها بالدفع بالتي هي أحسن،...
أنا مع حرية الإعلام والصحافة، فلا يجوز لمن استولى على السلطة أن يستولي على عقولنا وقلوبنا ... فلا يسمح إلا لسمومه ودعايته الكاذبة بالوصول الينا ...

أنا مع حق الجماهير بالتظاهر السلمي لعزل النظام، إن عز ذلك من خلال إجراء إنتخابات نزيهة وديمقراطية، دون إعتقال للمتظاهرين وملاحقة بالعصي وقنابل الغاز ...

أنا مع كل هذا وأكثر ...

[**ملاحظات :*]

غير أني أطرح جملة تساؤلات لا تلغي إيماني بما سبق وإستعدادي للموت دفاعاً عن هذه المبادئ والحقوق :

أ- في الحالتين المصرية والتونسية كنا أمام حراك شعبي شبابي كثيف نزل إلى الشارع بشعارات سلمية، تطالب بالتغيير ... وكان هذا الحشد يزداد رسوخاً وتمسكاً بمطالبه، وأصبحت عشرات الآلاف ... ملايين من المتظاهرين في الشارع، دون أن يفلح النظام في فض إعتصامهم، أو جرهم إلى مواجهة عسكرية ...

وكان لحيادية الجيش بداية، ثم إنحيازه إلى الجماهير فيما بعد سبباً في تعجيل رحيل الطغاة وهروبهم مهزومين مذلولين. وإنتصار الثورة الجماهيرية الشبابية، بأقل قدر من الخسائر ... ولذا كانت النتائج (في تونس ومصر) رائعة وحقق المتظاهرون والثوار علامات ممتازة في هذا الإمتحان .

(2)

ب- في ليبيا إختلف المشهد بعد أيام قليلة من حركة الشارع السلمية للمطالبة بالإصلاح، وهنا حدث أمران جديران بالملاحظة :

1- أن القذافي أعلن الحرب على شعبة في أول ظهور له على الشاشات، وحدد وسائله للتعامل مع هذا الحراك الشعبي السلمي، وهي القتال والتدمير وإنهاء تمرد (الجرذان) بالقوة. وقد تمكن من جر المتظاهرين سلماً إلى مواجهة عسكرية غير متكافئة بكل المقاييس ...

وقد سعى الغرب إلى عدم إعطائه فرصة الهروب جراء إصدار قرارات ملاحقة له ولأفراد عائلته...

2- أن الأمريكان والغرب الأمبريالي، فطن لما فاته في تونس ومصر، فقرر التدخل في ليبيا لمنع الثورة من بلوغ غاياتها ... واستخدم في تبرير ذلك الموقف المخزي للجامعة العربية التي أباحت قراراتها، إنتهاك الأجواء والأرض الليبية ...(نموذج العراق).

غير أن التدخل الغربي تأخر حتى كاد القذافي يجهز على الثوار ... فقد استعادت قواته معظم المواقع التي استولى عليها شباب الثورة ... وأصبحت على مشارف بنغازي .. المعقل الأخير للثوار ... وفي أثناء ذلك كانت تخضع الثوار لشروط نصرتهم وضرب قوات القذافي، وهو ما حدث فعلاً، حيث تم تشويه نقاء وطهارة هذه الحركة الشعبية المشروعة، بدنس الغرب الأمريكي الأوربي، مما أفقدها جزءاً هاماً من التأييد الشعبي الليبي والعربي. فجريمة القذافي في حكم شعبه بالحديد والنار لأربعة عقود، وقتلهم دون تفريق لمجرد المطالبة بإصلاحات مشروعة هي من حق كل الشعوب، لا يتفوق عليها إلا جريمة إستباحة قدسية الأرض الليبية من أعداء الأمة ...

والسؤال المستحق : هل كان لدى الثوار الليبين خيار آخر غير الإستعانة بالأعداء للخلاص من الطاغية ونظامه؟ ..

والجواب نعم ... كان على الثوار أن يتمسكوا بسلمية تحركهم مهما بلغ بطش وجبروت القذافي فما دفعوه من أثمان بعد التدخل الأمريكي الأطلسي، يفوق ماكان متوقعاً دفعه لو بقيت ثورتهم سلمية .. ودون تدخل أجنبي.

ج- أما اليمن .. فهي المثال الأرقى والأروع الذي يستحق الدراسة والإستفادة منه ... فما زال هذا الشعب العربي العظيم يدفع وبسخاء ثمن حريته وخلاصه من الطاغية، ودون أن يستطيع النظام جره إلى السلاح، علماً بأن اليمن وشعبها الثائر لا يعوزه السلاح بكل أنواعه لو أراد الرد على بطش الطاغية بمثل صنيعه .. لكنها الحكمة والرأي .. وهما إمتياز يمني بحت.

ففي حين عزف النظام على مخاوف الشعب من الإنقسام ومن الحوثيين ومن حرب أهلية متوقعة .. لاحظنا أن كل الخلافات تلاشت، وأن الخصوم السياسيين توحدوا في مواجهة هذا النظام المتخلف.

د- تابع الشعب السوري ثورات الشعوب العربية، بإنتصاراتها وإخفاقاتها ... فتحرك فيه حب الحرية والخلاص من قوانين مستبدة عطلت لعقود طاقاته وقدراته على تحويل سوريا إلى مجتمع يليق بعظمة هذا الشعب.

(3)

وللمشهد السوري خصائصه المتفردة عن غيره من المشاهد العربية .. ففي حين كانت ثورة مصر للخلاص من نظام حسني مبارك الفاسد، فرصة للشعب المصري لإستعادة عافيته سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً شكلت وبنفس القدر من الأهمية ضربة مهمة للنفوذ الصهيوأمريكي ... فحسني مبارك ونظامه الفاسد كان حارساً لمصالح العدو الأمريكي الصهيوني وضد مصالح الأمة والشعب المصري، ولم يكن لبعض الاصلاحات هنا وهناك في نظام مبارك أن تعوض عن سقوطه، بسبب علاقاته العضوية بالعدو ...

أما في سوريا، والتي نرى مع المتظاهرين ضرورة تنفيذ إصلاحات شاملة في النظام السياسي، إلا أن الخوف بل الرعب من إنحدار الوضع إلى حالة من عدم الاستقرار قد يؤدي إلى تعويض العدو الصهيوأمريكي عن خسارته في مواقع عربية إخرى بإستعادة دوره في المنطقة من خلال ضرب سوريا، مما يشكل كشفاً لظهر المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق ... وتقديم أوراق للعدو الصهيوني تعزز قوته في مواجهة خندق الممانعة والمقاومة.

مطالب الشعب في سوريا محقة، والمظالم التي يشكون منها بحاجة إلى علاج سريع، وضرورة محاربة الفساد المالي الذي يمثله بعض القريبين من النظام لايمكن السكوت عليه وضرورة إعطاء الحريات السياسية للشعب حق لاتنازل عنه ... إلا إنه وبجانب كل هذا، يجب الحرص على عدم التضحية بالموقف السياسي الوطني لسوريا في مواجهة العدو الصهيوأمريكي، بل على العكس من ذلك لابد من دعم الصمود السوري في الداخل والخارج خاصة ونحن نتابع، جهود صهاينة العرب في بذل الملايين لإسقاط سوريا في مستنقع الرذيلة السياسية من خلال الإضرار بأمنه الداخلي ... فليس كل مانراه في الشارع عفوياً وتحركاً للإصلاح ... فالأيادي الآثمة لا تخفي تشفيها وعبثها في سوريا، ليس خدمة لمطالب الشعب السوري المحقة ولكن ضرباً للمقاومة والممانعة في المنطقة.

وطالما أستعد النظام - وقد بدء فعلاً - لإصلاح ذاته ... فلنحقق ذلك ما استطعنا إليه سبيلا، دون دماء، ودون تضحية بالموقف المقاوم الممانع ...

كما نهيب بالدولة السورية وقف اللجوء للحل الامني فوراً، حيث ثبت انه لم يكن حلاً سحرياً في اماكن أخرى، كما ندعو الجميع الى لقاءات مصارحة ومصالحة لتنفيذ الاصلاحات التي اعلن عنها الرئيس، فلكل حالة نهوض عربية ادواتها، مستحباتها، ومحاذيرها..

سوريا كغيرها من النظم العربية بحاجة لمراجعة جادة لعلاقتها بشعبها، وعلى المحتجين في الشارع استخدام ادوات اخرى لتحقيق الاصلاحات دون التضحية بسيادة الوطن ومواقف النظام الوطنية في مواجهة العدو الامريكي «الاسرائيلي» واعوانه في المنطقة.

فالله وحده اعلم بما سيكون عليه حال المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق إن سقطت سوريا لاسمح الله.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 109 / 575042

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع أعمدة الموقف  متابعة نشاط الموقع حلمي البلبيسي   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010