الاثنين 13 تشرين الأول (أكتوبر) 2014

المنهاج الدراسي والتطرّف

الاثنين 13 تشرين الأول (أكتوبر) 2014 par د.عبدالله السويجي

ظل الطالب محور العملية التعليمية لفترات طويلة، انشغل فيها التربويون والمخططون الإستراتيجيون بدراسة المناهج المناسبة لتربية الأجيال الصاعدة، انطلاقاً من واقع كل دولة وخصوصيتها . وبناء على مخرجات السنوات السابقة التي تزيد على ثلاثة عقود، رأينا التوجهات مجسدة لدى الجنسين في كل مكان، تراوحت بين جيل ليبرالي وآخر متدين وثالث متطرف، وتلعب البيئة المجتمعية والأسرية أدواراً متباينة في تغذية التوجهات، وأحياناً، في حالات قليلة جداً، لا يكون التوجه (خاصة المتطرف دينياً) ناتجاً عن المنهاج الدراسي أو الأسرة أو البيئة الصغيرة أو الكبيرة، وإنما نتيجة الاختلاط بأشخاص أو حضور جلسات يسمونها (الدروس الدينية)، تؤثر بشكل جذري في الشخص، وتحوّله من اتجاه إلى آخر قد يكون نقيضه .
وقبل سنوات قليلة، لم يعد الطالب وحده يشكل محور العملية التعليمية، وإنما أصبح المدرّس يشاركه في الاهتمام ذاته، بصفته الشخص المسؤول عن توصيل المنهاج التعليمي، والمرجع الموثوق والقدوة التي تُحتذى، ويستطيع بشخصيته وعلمه وثقافته التأثير في عدد من الأشخاص، حتى يصل في مرحلة من المراحل إلى أن يصبح (شيخهم أو أميرهم)، أو يصل إلى مرحلة يكون فيها معلمهم وصديقهم وموجههم، وكل ذلك يتم في إطار المدرسة، ولهذا سعت المؤسسات التعليمية في العالم إلى العناية بالهيئة التعليمية، واختيار أفرادها وفق توجهات المنهاج والسياسة العامة للدولة والمجتمع .
دول الخليج العربية ليست بعيدة عن هذه المراحل التعليمية، ولا نبالغ في القول إن مدرّس مادة التربية الإسلامية هو الشخص الأكثر تأثيراً في الطلاب، كون مادته ذات صلة بالأخلاق والمبادئ والقيم والسلوك والجزاء والعقاب والحسنات والسيئات والدنيا والآخرة، أي كل ما هو مرتبط بالعقيدة السمحاء، وعقلية الطالب غالباً ما تكون مستعدة لتقبّل الأفكار وتصديق المعلومات، ناهيك عن أن المدرس يعمل في مجتمعات محافظة، وبالتالي فإن حديثه وتعليماته وثقافته لن تواجه بالرفض كونها مستقاة من السياق العام للمجتمع، لكن اختياره لنوعية الثقافة الدينية التي يغرسها في هذا الجيل، عبر إضافات يضعها على المنهاج، والتي غالباً ما تتعلق بالمظهر وليس بالجوهر، أي بالسلوك الهامشي وليس بالإيمان الداخلي، هي التي تغير من توجهات الطلاب والطالبات . وحين يكتشف أولياء الأمور بعض السلوكيات الجديدة في أبنائهم، ويبدأون في توجيه أسئلة إليهم من نوع (لماذا)، على سبيل المثال، لماذا تلحسون رؤوس أصابعكم بعد كل لقمة، فإن الإجابة التي يقدمها الأبناء غالباً ما تكون على لسان مدرس الدين أو المدرسة، من أنها من (السّنة)، وهذا مثال على الاهتمام بالإيمان الشكلي وليس الجوهري، الذي يتعلق بالتعامل بين الناس وإشاعة الرحمة والتآزر ومد يد العون للمحتاج والبعد عن الأذى، وغيرها من القيم التي تعزز مبادئ التسامح والتعاون بين أفراد المجتمع .
ونتيجة للحوارات المقطوعة والأفكار غير القابلة للنقاش، تدخّل بعض أولياء الأمور وتواصلوا مع المدرسين أو الإدارة لمناقشة التعليم الذي يتلقاه أبناؤهم في المدارس، وفي حالات أخرى، لجأ البعض إلى نقل أبنائه إلى مدارس أخرى، وربما مدارس خاصة، كي يتخلص من التعليم المتزمت، الذي وجده كثير من أولياء الأمور، يؤثر في التحصيل العلمي في المواد الأخرى، ناهيك عن التأثير في سلوكياته التي تطال أفراد الأسرة .
لقد قامت العديد من المدارس الدينية ومراكز تحفيظ القرآن في الدول العربية وغير العربية بتخريج متطرفين ومتزمتين (طالبان وغيرهم)، واتضح فيما بعد أنه كلما ازداد الإنسان تطرفاً كلما ضاقت مساحة قبوله للآخر، وبالتالي يصبح تكفيرياً ورافضاً لكل ما لا يشبهه، ويصحب هذه الأعراض تراجع في قيم التسامح والرحمة، ويتحول إلى عدو لكل من حوله، فتزداد عدوانيته، ولا يجد غير القوة والعنف سبيلاً لمواجهة الآخرين، فتسهل لديه إراقة الدماء وقطع الرؤوس والرجم والذبح وغيرها، ويصبح الآخر سلعة لديه، يستبيحها ويبيعها ويشتريها ويضمها إلى ممتلكاته، ولعلنا نرى هذه النماذج متفشية الآن في العديد من دول المنطقة العربية والإسلامية، وهي نماذج لا تمثل الإسلام ولا مبادئه وإنما تتمسّح به وتنتهزه .
نحن لسنا على خلاف حول وجود مادة التربية الإسلامية في المنهاج التعليمي، بل هي مادة مطلوبة طالما تعرّف الطالب بجوهر دينه، وتحسّن من سلوكه الفردي والمجتمعي، وتغرس في قلبه مخافة الله والرحمة، وتقبّل الآخر والاعتراف بحقه في عبادة الله بالطريقة التي يمليها عليه دينه أو مذهبه، إذ لا إكراه في الدين، ولكننا قد نختلف بشأن المستوى العلمي لبعض مدرسي مادة التربية الإسلامية، ومستوى فهمهم لموضوع التدين والتمسك بما جاء في الكتاب والسنة، وتفسيراتهم للسور والآيات المفصلية في القرآن الكريم، لاسيّما تلك التي تظهر منهج التعامل مع الآخر والموقف منه، كما قد نختلف بشأن مستوى تزمّت أفكارهم وتطرفها، كتلك الخاصة بنظرتهم لدور المرأة في الحياة .
يجب تغيير مجموعة من المعايير الخاصة باختيار مدرسي ومدرسات مادة التربية الإسلامية وآليات مراقبة أدائهم، من حيث التوجهات والانتماءات والرؤى، ومن حيث الالتزام بتدريس المنهاج دون غلوٍ أو إضافة، باستثناء تلك التي توسع مدارك الطلاب وتنقي قلوبهم وتزيد من مساحات المحبة في نفوسهم، والاحترام للآخر في سلوكهم، وفي هذا الإطار، لا بد من التأكيد على أن مفهوم المواطنة لا يتعارض مع مفهوم الالتزام بما جاء في الكتاب والسنة، وأن حب الأوطان وترابها وأناسها يقع ضمن القيم الدينية الأصيلة . فنكران هذه الفكرة والمفهوم لدى الأشخاص المتطرفين يسهل عليهم تنفيذ الأفكار الهدامة، إذ يخسر الوطن قداسته ومعنوياته العالية، ويتحوّل إلى قطعة أرض تشبه أي قطعة أرض أخرى في العالم ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة في حب الوطن .
قد يختلف البعض معي في هذا الطرح، وهذا حقهم، ولكن اختلافهم يجب أن يكون نابعاً من استيعاب ما طرحت، وأن يأخذوا بعين الاعتبار المرحلة المفصلية والتاريخية الجديدة التي تمر بها بلادنا ومنطقتنا، والتي تتطلب المزيد من الوعي والتعاون والابتعاد عن الغلو والفتن . نحن اليوم بأمس الحاجة إلى تجاوز الذات والتكامل والتبادل في الأدوار، وتغليب مصلحة الوطن على ما دونها من مصالح، ووضعه على سلم الأولويات حفاظاً على كيانه، بهذا نكون نرد جزءاً من الجميل لهذا الوطن، وطن الخير والعطاء . حفظ الله الإمارات من الفتن ما ظهر منها وما بطن .


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 190 / 575053

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع عبدالله السويجي   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010