الاثنين 4 أيار (مايو) 2015

فرحة “إسرائيل”

الاثنين 4 أيار (مايو) 2015 par د.عبدالله السويجي

تناقلت وكالات الأنباء خبراً يوم الجمعة الماضي أن "الجيش الإسرائيلي" يستعد لإجراء مناورات موسعة في غور نهر الأردن، لم يعلن عنها من قبل، ودفع بأعداد كبيرة من الدبابات وقطع المدفعية وناقلات الجند إلى المنطقة . ونقل قطعاً هندسية إلى موقع المناورات على جسور متحركة، وأقام غرف عمليات ميدانية للإشراف على سير المناورات التي لم تعلن مسبقاً أو يكشف عن الهدف منها . الأمر الذي يدل على أن حجم المناورة كبير والهدف منها مهمّ للغاية، ولاسيّما أن منطقة غور الأردن تشكل 28% من الضفة الغربية، وهناك اختلاف واضح بين مسؤولين عسكريين وحكومة بنيامين نتنياهو الرافض للانسحاب منها . وقد بدأ "الإسرائيليون" يهتمون بالمنطقة أكثر، من حيث إنها أثارت جدلاً واسعاً، في أعقاب الكشف العام لماضي، عن الخطوط العامة لمقترحات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري لحل الصراع، والتي تتحدث عن انسحاب "إسرائيلي" من الغور بعد عشر سنوات من البدء بتطبيق التسوية . والجدل يدور في نقطة واحدة، حيث تبرر "الحكومة الإسرائيلية" رفضها فكرة الانسحاب من المنطقة، بالقول إن الاحتفاظ بها يساعد "إسرائيل" على حماية نفسها في حال عادت الجبهة الشرقية، وتعرضت لهجوم بري واسع من الشرق، بينما يرى جنرالات "إسرائيليون" أن "احتمال عودة الجبهة الشرقية قد تراجع إلى حد كبير بعد تفكك الجيشين العراقي والسوري"، وأن الجيش الأردني "الصغير" لا يمكنه أن يشكل تهديداً إستراتيجياً ل"إسرائيل" .
ويكتسب هذا الخبر أهميته من أمرين، الأول، أنه وعلى الرغم من معاهدة السلام المبرمة بين المملكة الأردنية والكيان الصهيوني، فإن الحكومة "الإسرائيلية" غير مطمئنة للجبهة الشرقية، وتضع سيناريو، ولو ضعيفاً، بإمكانية إحياء هذه الجبهة، وهو احتمال ضعيف جداً، إن لم يكن مستحيلاً في ظل الظروف الراهنة التي تشهدها المنطقة، أو الظروف التي تعيشها المملكة سياسياً واقتصادياً، بل وعسكرياً أيضاً، حيث الجيش الأردني ينتشر على الحدود مع سوريا لمنع تسرب المسلحين إلى أراضيه .
أما الأمر الثاني، فإن الكيان الصهيوني سيقوم بمناورات ضخمة خوفاً من إحياء الجبهة الشرقية، رغم أن وسائل إعلامه تنقل تقارير "مفرحة" عن انهيار عدد من الجيوش العربية . فقد نقلت صحيفة "معاريف" العبرية يوم الاثنين الماضي تقريراً أشارت فيه إلى حالة الرضا والسرور التي تنعم بها "إسرائيل"، بسبب انهيار الجيوش العربية . وأوضح التقرير أن "العقبة المتبقية أمام الدولة العبريّة هو الجيش المصري" . كما نقلت الصحيفة عن مصادر رفيعة في تل أبيب أن "استهداف سوريّا لم يسقط يوماً من الاستراتيجيات الصهيونيّة، منذ وجود "إسرائيل" هنا على أرض فلسطين، والآن، تمّت إضافة الجيش اليمني، واحداً من الجيوش العربيّة، التي في طريقها إلى الانهيار" . وأشار التقرير صراحة إلى أربع دول في منطقة الشرق الأوسط في طريقها إلى التفكك، والدول هي: العراق، وسوريا، وليبيا، واليمن . ويتحدث التقرير عن الجيش المصري فيصفه بالجيش الوحيد الذي يقف أمام "إسرائيل"، وهو الآن يواجه معركة شرسة وخطرة مع الإرهاب في شبه جزيرة سيناء، والمتمثل بالحركات المتطرفة، وفي مقدّمتها تنظيم أنصار بيت المقدس، الذي قام بمبايعة تنظيم الدولة الإسلاميّة، إضافة إلى ذلك، فإن "الجيش المصريّ بات مُنشغلاً جداً في مواجهة حدود مصر من جهة ليبيا" . ولهذه السباب كلها، كما يقول التقرير فإن "إسرائيل" يمكنها أن تشعر أنها دولة عظمى في الشرق الأوسط، وليس ذلك فحسب، بل إنّ الهدوء يحيط بحدودها" .
وفي الواقع، فإن ما جاء في التقرير الذي نشرته صحيفة "معاريف" صحيح بقدر كبير، من دون أن تنسبه إلى مصادر مطلعة أو جهات أمنية، فالجيش العراقي تم تدميره منذ عام ،2003 وحتى الآن لم يستطع الوقوف على قدميه، على الرغم من صفقات الأسلحة الأمريكية المتتالية، وإنه يقف عاجزاً عن تحرير مناطق عراقية شاسعة من أيدي مقاتلي "داعش"، الذين احتلوا الموصل خلال ساعات قليلة، دون النظر إلى طريقة الاحتلال، إن كانت خيانة أو استسلاماً أو حرباً، فالنتيجة واحدة، والجيش العراقي لا يستطيع التحرك إلا بغطاء جوي أمريكي، ودعم لوجستي من خبراء الولايات المتحدة . والجيش الليبي شأنه شأن الجيش العراقي، منقسم ومنحل ولا يستطيع السيطرة على بلاد مزقتها الميليشيات المتصارعة . والجيش السوري أصيب بانشقاقات كبيرة، ويواجه حرباً ضروساً مع عشرات التنظيمات المسلحة، من بينها تنظيمات متطرفة مثل "داعش" وجبهة النصرة وغيرها، وهو يفقد السيطرة يوماً بعد يوم عن مناطق في سوريا، أما الجيش اليمني، فهو في حالة انشقاق أيضاً ويتعرض لتدمير وسيصل في مرحلة ما إلى انهيار تام، نتيجة المعارك الطاحنة التي تودي بحياة جنوده، إن كانوا مع الحوثيين أو مع الحكومة الشرعية، وتساعد ضربات "عاصفة الحزم" في القضاء على الجزء المنضم للحوثيين .
ولم يبق في مواجهة "إسرائيل" سوى الجيش المصري، وهو منشغل فعلاً بحرب قاسية مع الإرهابيين في شبه جزيرة سيناء، وفي حراسة حدوده مع ليبيا من تسلل الإرهابيين أيضاً .
بعد كل هذا، أليس من حق ما يسمى "جيش الدفاع الإسرائيلي" أن يشعر بالراحة! وألبس من حق "الحكومة الإسرائيلية" أن تشعر بالسرور والسعادة، والأكثر من ذلك، أن تشعر بأنها دولة عظمى في الشرق الأوسط، فلا جيوش تهددها (وإن لم تخض تلك الجيوش حرباً معها منذ أكثر من أربعين عاماً)، ولا توجد هناك أي إشارات يمكن أن تستشف من خلالها أي تهديد . فلماذا إذن الخشية من الجبهة الشرقية الميتة منذ أكثر من خمسين عاماً، ولماذا المناورات في غور الأردن؟
هل يستعد الجيش لمواجهة خطر قادم من الجيش الأردني، الذي يصفه الجنرالات "الإسرائيليون" بالجيش الصغير؟ أم أنه يستعد ويتدرب لإعادة احتلال الضفة الغربية كلها، في حال أقدمت السلطة الفلسطينية على حل نفسها؟
إن الإجابة عن السؤال الأول تكمن في نفي أي خطر قد يشكله الجيش الأردني الآن، على الأقل، بسبب اتفاقية السلام، كما أن الإجابة عن السؤال الثاني تكمن في كونها مجرد هاجس أمني يعكس الكثير من الخوف من تغييرات مفاجئة ومحتملة، وفق التفكير "الإسرائيلي" . أما احتمال إعادة احتلال الضفة الغربية، فهو الأكثر احتمالاً في نظر الساسة "الإسرائيليين"، ويعكس آفاق الحل السلمي المسدودة، أو يعكس النّيات "الإسرائيلية" نحو الضفة الغربية، أو السلطة الوطنية الفلسطينية . ويبدو أن "إسرائيل" تضع سيناريوهات معقولة وأخرى غير معقولة، لاعتقادها أنها تعيش في زمن اللامعقول، الذي دمر أربعة جيوش عربية، إلا أن المفكرين الإستراتيجيين لا يدعون احتمالاً، حتى لو كان ضعيفاً جداً، وغير معقول أبداً، إلا ويضعونه .
بقي أن نقول أو نسأل: ما هي الإستراتيجية العربية في ظل تعاظم الإرهاب في المنطقة؟ ولماذا بدأ صوت الحديث عن قوة مشتركة لمواجهة الإرهاب يخفت؟
إن الأزمات التي يعيشها الوطن العربي يجب أن يُنظر إليها رزمةً واحدةً، وإستراتيجية مواجهتها يجب أن تكون واحدة، يرافقها إصلاحات كثيرة، فالواقع لن يعود إلى الوراء، ولا بد من مواجهة التحديات المستجدة، وهي أخطر مما تظهره قشرتها . فلا تجعلوا "إسرائيل" تفرح أكثر من كل هذا الفرح .


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 533 / 565081

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع عبدالله السويجي   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010