الجمعة 2 حزيران (يونيو) 2017

مأساة الشمال السوري والحل المنشود

الجمعة 2 حزيران (يونيو) 2017 par علي بدوان

“مصير الصراع على سوريا، يتحدد في تلك المنطقة، وجوارها القريب في ريف إدلب، وفي الجوار الأبعد قليلًا إلى الشرق من مدينة حلب حيث تقع محافظة الرقة وبجوارها محافظة الحسكة التي تكتنز أراضيها الثروة النفطية، والغاز الطبيعي، والمنطقة التي تنتج الغلال من الحبوب والمحاصيل الاستراتيجية كالقمح والشعير والذرة، حيث كانت تنتج تلك المنطقة سنويًّا ما يقارب ثمانية ملايين طن من تلك المحاصيل.”

“مصير الصراع على سوريا، يتحدد في تلك المنطقة، وجوارها القريب في ريف إدلب، وفي الجوار الأبعد قليلًا إلى الشرق من مدينة حلب حيث تقع محافظة الرقة وبجوارها محافظة الحسكة التي تكتنز أراضيها الثروة النفطية، والغاز الطبيعي، والمنطقة التي تنتج الغلال من الحبوب والمحاصيل الاستراتيجية كالقمح والشعير والذرة، حيث كانت تنتج تلك المنطقة سنويًّا ما يقارب ثمانية ملايين طن من تلك المحاصيل.”
الأعمال المُرعبة، والمُدانة في خان شيخون في ريفِ مدينة حماه الشمالي قبل فترةٍ ليست بالبعيدة، وقتل الأبرياء الخارجين من بلدتي كفريا والفوعة في ريف حلب الشمالي الشرقي، ليست مفصولة عما يجري في تلك المناطق من الريف الحلبي الشمالي والغربي، ومدينة إدلب وريفها. فقد باتت مناطق شمال وغرب مدينة حلب، والبلدات الكبيرة الواقعة في تلك المنطقة، كبلدات منبج، وإعزاز، والباب، وعفرين، وجرابلس، وغيرها، مناطق مُلتهبة، تتداخل على أرضها، وحولها مجموعات عسكرية من مُختلف الأطراف، تحمل عناوين مُتعددة، تتقاسم الدم السوري المسفوح، دماء المدنيين الذين لا حول ولا قوة لهم، وكأن سياسة التدمير من أجل التدمير باتت هي السائدة.
تلك المناطق، غَدَت ميدانًا فسيحًا ومفتوحًا، للغارات الجوية العشوائية لطيران التحالف الدولي، والتي طالما زادت من منسوب القتل والدمار الذي لحق بها وبالسكان المدنيين والمواطنين العزل، وقلما أصابت مجموعات مسلحة تَحمِلُ عنوانًا مُعينًا. وكان منها الغارات الأخيرة التي أصابت مدينة الميادين في محافظة دير الزور، وهو ما أسفر عن مقتل 35 مدنيًّا معظمهم من النساء والأطفال وعشرات الجرحى، وسبقها مدينة منبج حيث قُتل نحو 300 مواطن وعائلات بأكملها في لحظة واحدة. ومدينة منبج واقعة تحت وطأة حشود الميليشيات والأحزاب الكردية المُنفلتة، والقوات المُسماة بـ”قوات سوريا الديمقراطية (قسد) حولها، الذين يخوضون حربًا ضد تنظيم الدولة (داعش) للسيطرة على هذه المنطقة في الفترة التي سبقت انتقالهم لمعركة الرقة الجارية حتى الآن، وسط تعتيم إعلامي كبير من قبلِ مُختلف الأطراف على كل الانتهاكات والمجازر التي ترتكب بحق المدنيين العزل في المدينة. وتنبع أهمية مدينة منبج إلى جانب مدينتي الباب وجرابلس الحدودية مع تركيا من كونها من معاقل تنظيم الدولة في محافظة حلب قبل خروج التنظيم منها. ولمنبج تحديدًا أهمية استراتيجية كونها تقع على خط الإمداد الرئيسي للتنظيم بين الرقة معقله في سوريا والحدود التركية.
في تلك المناطق، تتكثف حدة الصراع السياسي، الإقليمي، والدولي، في مسارات الأزمة السورية، وتتلخص أهداف مُختلف الفرقاء، الذين دَخَلَ معظمهم ميدان الاعتراك والصراع الدموي ليس من أجل الشعب السوري ومصالحة الوطنية، ولا لأهدافٍ إنسانية بحتة، بل في سياقات الأهداف والأجندة الموضوعة عند مُعظم الأطراف.
المعطيات على الأرض، تُشير بأن نحو (50) عنوانًا مسلحًا، لجيوش، ومجموعات، وتنظيمات، وكتائب مسلحة، وعصابات … ومرتزقة، صغيرة أكانت أم كبيرة من حيث عددها وعتادها، تستبيح تلك المناطق الواقعة على مساحاتٍ واسعة من تلك الأرياف الحلبية، والإدلبية، والرقاوية، والحسكية، والديرية، التي كانت في أيام عزها، وأمنها، مصدرًا هائلًا للمنتجات الزراعية بالدرجة الأولى، ومحاصيل الحبوب التي وفّرت لسوريا تاريخيًّا “الأمن الغذائي” الذي طالما افتخرت به.
لا مناص هنا من القول، إن الخاسر الأكبر هو أبناء تلك المناطق، من المواطنين السوريين، الذين فَقَدَ مُعظمهم أرضه الزراعية، وبعضهم اضطر لمغادرتها، فيما تشتت شمل معظم سكانها، في هجراتٍ داخليةٍ، بل وهجراتٍ خارجيةٍ لا يَعرِفُ أحد متى ستنتهي، ومتى سيعود أبناء تلك المناطق إليها.
مصير الصراع على سوريا، يتحدد في تلك المنطقة، وجوارها القريب في ريف إدلب، وفي الجوار الأبعد قليلًا إلى الشرق من مدينة حلب حيث تقع محافظة الرقة وبجوارها محافظة الحسكة التي تكتنز أراضيها الثروة النفطية، والغاز الطبيعي، والمنطقة التي تنتج الغلال من الحبوب والمحاصيل الاستراتيجية كالقمح والشعير والذرة، حيث كانت تنتج تلك المنطقة سنويًّا ما يقارب ثمانية ملايين طن من تلك المحاصيل، وخاصة منها محصول القمح السوري بمواصفاته وجودته العالية عالميًّا. كما تُشير المعطيات بأن احتياطات النفط والغاز المكتشفة فقط، في تلك المناطق كبيرة وهائلة جدًّا، ويسيل لها لعاب أطرافٍ دولية مُختلفة، هرعت نحو مصالحها في المنطقة.
إن خطواتٍ ملموسةٍ، وجديةٍ، باتت مطلوبة الآن قبل الغد، من أجل وقف نزيف الدم، وخاصة في تلك المناطق من سوريا، والتي تنزف كل يوم دون توقف، فيما تتواصل الغارات العشوائية للتحالف الدولي، دون أن تصيب المجموعات المسلحة التي تتحدث عنها في أغلب الأحيان، بل تصيب المواطنين والمراكز الخدمية والبنى التحتية كالجسور والعبارات وغيرها القائمة على نهر الفرات ونهري دجلة والخابور، والتي تم تدمير مُعظمها في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة ومختلف مناطق تلك المحافظات. وعلى سبيل الذكر، فقد دمّر طيران التحالف الدولي جسري “الرشيد الجديد” و”الرشيد القديم” داخل مدينة الرقة، وهما جسران تاريخيان، ويُعدان المدخلان الوحيدان لمدينة الرقة، ما يعني أن الوصول إلى المدينة من الضفة الأخرى لنهر الفرات سيكون عبر جسر على بعد 50 كيلومترًا على الأقل من جهة منطقة الطبقة إلى جانب سد الفرات. كما دمر طيران التحالف جسرين آخرين في قريتي “العبارة” و”الكالطة” بريفها الشمالي، وجسرين في بلدة “السلحبية” ومزرعة “الأنصار”.
إن أولى تلك الخطوات المطلوبة من أجل وقف نزيف الدم، والدمار، تتمثل بضرورة وقف إطلاق النار من قبل كل الأطراف، بشكلٍ يتجاوز التهدئة المحدودة، والإيجابية، التي تم الاتفاق عليها في (أستانة 3) إلى وقفٍ شامل لإطلاق النار، في إطار مسعى دولي وأممي فعّال، وصادق، وترك الميدان للعمل السياسي في سياق المعالجات طويلة النفس التي لابد منها من أجل فتح الدروب أمام حل معضلات الأزمة السورية، والتوصل للسلام والأمن في بلدٍ أنهكته الأزمة الضارية الجارية، والخارجية، منذ عدة سنوات.
إن نتائج (أستانة 3) التي عُقِدَت مؤخرًا، كانت إيجابية بشكلٍ عام، لجهةِ إقرار التهدئة في مناطق خمس من سوريا، ولكونها فتحت الطريق أمام إحداثِ تقدمٍ ولو كان محدودًا في (جنيف 6)، حيث وقعت في (جنيف 6) تطورات مهمة لجهة بدء العمل الجدي لإرساء الحل السياسي ولو في خطواته الأولى، وذلك في سياق المساعي الجارية للوصول إلى وضع عربة العمل على سكة الحل السياسي. فالحل السياسي هو المسار الوحيد لتحقيق الحل السوري المنشود، بديلًا عن قرقعة السلاح وسفك الدم، وإغراق سوريا بالسلاح والمجموعات المسلحة من كل صوب وحدب.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 75 / 574248

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع علي بدوان   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010