الجمعة 8 نيسان (أبريل) 2016

العروبة … أو “البدون”!

الجمعة 8 نيسان (أبريل) 2016 par عبداللطيف مهنا

بلاهن، ثلاثتهن، مصر، والعراق، وسوريا، ورابعتهن فلسطين، العروبة تغدو تهمةً، والمقاومة إرهابًا، والمبادئ هرطقةً، والتضحيات عبثًا، والأحلام مروقًا، وثوابت الأمة ومسلَّماتها لغةً خشبيةً… تغدو الفتن والتطييف والفرقة واختلاق الهويات البائدة بديلًا ومسارًا ومآلًا… وما يختلقونهن سيبتن هن الأصليات، أما نحن فأغراب وافدون، أو غازون مستوطنون، أو من “البدون”!
قبل ما جرى في بروكسل وباريس وبعده، وما سبقه من مثله في غيرهما، علينا، ومع إدانته، قولها، وبالفم الملآن، لا، وألف لا، لا من علاقة، ولا ثمة من وشيجة، لقيمنا ووجداننا، وإنسانيتنا وطبائعنا، ومواريثنا وتواريخنا، وأخيرًا مصالحنا، بمثل طارئ هذا التوحُّش العبثي المريع والمريب. هذا الملصق بنا، والذي تصيبنا دواهيه، ويشوِّه طهر قضايانا العادلة، وعقابيله البادية الآن في حاضرنا ستظل على موعد مع مستقبلنا… وكله، قبل، وأكثر، وأفدح، مما أصاب أو سيصيب طائش رذاذه المدان غيرنا…
لا، وما دخلنا نحن، وهم الذين عولموا القهر وعمموا الكراهية، وجرَّموا مقاومة عدوانيتهم، ومنعوا تعريف الإرهاب، فتعولم الغضب واستولدوا منه التوحُّش، فاكتووا مع المكتوين، ونحن قبل الجميع، بما صنعته أيديهم… حُجتنا، أنه، أولًا، وثانيًا، وأخيرًا، ما من مبرر له، ولا من حصاد، إلا أذانا، وما يوفُّره من ذخيرة لبيادر غيرنا، لهذا الكاره تاريخيًّا لنا، المتربص دهورًا بتوقنا، والحائل ما استطاع قرونًا دون انعتاقنا… هو له اليوم درقة يخفي بها خبثًا، وذريعة يؤنسن بها فجورًا ويستر بها بغيًا… وهل ما هو أفضل مما استولدوه حداءً لراهن بيارق فزعتهم العالمية التي مكَّنتهم من سوق عالم بكامله يلهث من خلفهم… عالم مثقل باختلافاته ومختلف أجنداته وتناقضاتها، إلى حيث بلادنا المستباحة النازفة، وباسم ماذا؟ محاربة توحُّشنا!!!
ما ذنبنا نحن، وهو بعض مزج من قهر تعتَّق بجهل بائس مقيم، أضاع البوصلة، فما كان من بعده إلا ما يراد له، وهو العماء، ومهاوي التطييف والتفتيت ورزايا الفتن… خليط زعاف اعتصرته من أوجاعنا المزمنة أصابع غريبة على معانينا وليست من أيدينا وإن شبَّه بها. اعتصرته أصابع لا يضيرها أن تتسلى بدمنا، وأن تسقينا علقمية لحظتنا، وأن تكبِّدنا فداحة ما تتيحه عبثيتها المجنونة من فرص لكل الطامعين، وهم كثر، وكل الساعين، وهم بدأوا، لتمزيق عرانا وإذلال أجنَّتنا وتدجين آجالنا، وكل بلايا راهن جلجلتنا التي نساق إلى دروب آلامها وشراك هاوياتها.
إنما نحن إزاء وبال غشي تليد تسامحنا الذي لطالما فاخرنا به الأمم، ودنَّس نقي أنسنتنا ونصوع توجهاتها، ومهَّد الدروب لمزوري التواريخ للعبث برسالية تواريخنا، وموالاة السطو المتذرِّع بغموض هذا التوحُّش على جغرافيتنا… حربهم على هويتنا، ووجداننا، وحقيقتنا، وحقائقنا، والخيِّر الثر من مواريثنا، والعريق من تليد حضارتنا، وكله، باسم الحرب على الإرهاب… باسمه جاءوا ليحتفلوا بمرور قرن على مكيدة سايكس ـ بيكو. جاءوا وبمجيئهم في بلادنا الآن تدور رحى حرب كونية ثالثة بامتياز، لا نسمع إلا قرع طبولها، ولا نرى سوى أشباح الراقصين على مزاميرها… لم تعد الأقوام تتناهش أطراف جسد أمتنا فحسب، بل باتت تعبث بأحشائها، وتستبيح أكبادها وتزري بأقداسها… جسدها المثخن الذي تتكسر فيه النصال على النصال ومعها نصالنا، ويريدونه اليوم سايكوسبيكوات كثيرة تتجزأ وتتناسل وتتكاثر… وكله لمصلحة إسرائيلهم، لتكبيرها، وتثبيتها، ومركزتها بين حطاماتنا…
وإذ هذا هو الحال، ففي بلادنا اليوم يصدق المثل الشعبي “غاب القط العب يا فار”. غيَّبوا ركائز نهوض الأمة وعمائد الذود التاريخية الثلاث عن حياضها. مصر أسيرة كامب ديفيدها، والعراق النازف المُدمَّر، وسوريا الذبيحة، وسحبوا فلسطين، القضية المركزية، الجامعة المانعة، والبوصلة الهادية الفاصلة بين الصديق والعدو، فأصبح الاستقواء بأعداء الأمة حصافة، والتقاطع، إن لم يك التحالف، معهم بعد نظر، والتخلي عن السيادات استقرارًا… وبلا هاته الثلاث اللائي قد غيِّبن، مع السليبة التي قد نحيت جانبًا، تطرح علينا موضوعية واقعنا تساؤلها، ومن هم العرب؟! من ذا الذي سيواجه عدوًّا، أو يحول دون اندلاع فتنة، أو يدرأ طارئ توحُّش، أو يفرِّق بين الإرهاب والمقاومة؟!
…بلاهن، ثلاثتهن، مصر، والعراق، وسوريا، ورابعتهن فلسطين، العروبة تغدو تهمةً، والمقاومة إرهابًا، والمبادئ هرطقةً، والتضحيات عبثًا، والأحلام مروقًا، وثوابت الأمة ومسلَّماتها لغةً خشبيةً… تغدو الفتن والتطييف والفرقة واختلاق الهويات البائدة بديلًا ومسارًا ومآلًا… وما يختلقونهن سيبتن هن الأصليات، أما نحن فأغراب وافدون، أو غازون مستوطنون، أو من “البدون”!
لكنما، ونحن لا نبرئ نفسنا من مسؤولية ما نحن فيه، هناك ما لا بد لنا من قوله، وهو، لا، ليس كل شيء في راهن هذه الأمة العريقة البادئ تاريخها مع بدايات التاريخ هو مسوَّد مدلهم. لسنا هنودًا حمرًا، إنما هي مخاضات قيامتنا المؤلمة والعسيرة، مخاضاتنا التي لا بد وأن يتبدى قبيل انبلاج وعود ما بعدها ويسبقه كل متعتق عورات زمننا الرديء. زمننا الذي من جحوره يخرجون علينا في راهننا ما اختبأ في عتمتها من فتن، وفي عتمته الغاشية يستخرجون لنا من كهوف التاريخ موميات الهويات الآفلة لتجوس على راحتها في مرحلة وبيل فتن… فتن زوابعها هي الأنسب لبعث رميم ما يستخرجونه في راهن مقيت هو الأبعد عنا وعن معاني الحياة.
…كما ولا، ليس كل شيء في راهن مثل هذه الأمة منحدر بائس ومعتم مدلهم… فهي أمة إذ القيامات من ديدنها، فعروبتها عماد قامتها وفيها وحدها خلاصها وقيامتها، والعروبة هنا ليست يوما وما كانت ولن تكون أيديولوجيا، ولا هي بدعوة تبشيرية تستحضر فتعمم أو تترك فتنبذ، وإنما هي جيواستراتيجيا… حقيقتنا التي لا تطفئها أفواه الفتن العابرة ولوثات التوحُّش المدان، بل هي متعدد حقائق تاريخ ومواريثه، ومن لزوميات جغرافيا وقدرها. هوية، وعصرنة، وعروة وثقى، وضرورة مصير، وواجب وجود. بلاها لا يعني سوى اندثار أمة بكاملها، بمختلف تلاوينها وغني متعددها، أو كل ما عنته معانيها الثقافية والحضارية… بلا العروبة لا من بديل سوى التشرذم والتفتت والتمزُّق والتشتت والتوحُّش والتبعية والتسوُّل وحتى الانقراض… هي ملجؤنا الأوحد ونحن لسنا بدونها إلا “البدون”!


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 11 / 574615

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع أعمدة الموقف  متابعة نشاط الموقع عبداللطيف مهنا   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010