الأحد 12 تموز (يوليو) 2015

جرحُنا النازف في غرداية

الأحد 12 تموز (يوليو) 2015 par حسين لقرع

طيلة قرون عديدة، كان سكان غرداية يعيشون جنباً إلى جنب دون أي حساسيات أو خلافات تؤدي إلى حدّ الصدام بينهم، كان كل طرف يُحسن فن التعايش مع الآخر وقبول اختلافه عنه، واحترامه، ولم يكن يرى في اختلاف مذهبه أو عِرقه عنه ما يثير حساسيته ويدفعه إلى معاداته وقتاله...

اليوم أدار الجيلُ الجديد ظهره لتعقّل الأجداد وتسامحهم وقبولهم للآخر، وأصبح يجنح إلى العنف ويستسهل القتل والتخريب، فما الذي تغيّر لتتحول غرداية من مدينة للتعايش والتسامح عبر تاريخها، إلى بؤرة للعنف والاقتتال بين السكان!؟

سؤالٌ نفضّل ترك الإجابة عنه للباحثين وعلماء الاجتماع وحتى للوسطاء بين الطرفين المتنازعين، والذين يحاولون فهم ما يجري في غرداية منذ ديسمبر 2013 إلى حدّ الساعة، وتحديد أسباب الفتنة المُنتنة التي بدأت تأخذ أبعاداً خطيرة تهدد وحدة الوطن والشعب، وتضع البلد تحت مجهر الباحثين عن التدخل بحجة "حماية الأقليات" وغيرها من الذرائع...

ليس مقبولاً البتة أن يقدم مسلم جزائري على قتل أخيه في العقيدة والوطن بدم بارد وفي شهر الرحمة والغفران، أو يحرق بيته ومتجره ونخيله وأملاكه ويشرّد عائلته.. هذا المسار الإجرامي الخطير يجب أن يتوقف، واليوم قبل الغد.

قد يتمكن الجيش والأمن من تطويق المنطقة وفرض الأمن على جميع السكان، وتتحرك العدالة لمتابعة رؤوس الفتنة والتحريض، ولكن السلم الأهلي لن يستتبّ في غرداية إلا إذا اقتنع الطرفان المتخاصمان أنه الحل الأفضل لهما، وإلا فإن المواجهات قد تتجدّد في أي وقت.

يجب أن يقتنع الطرفان أن الاستمرار في التناحر لا فائدة تُرجى منه، ولن يفضي إلا إلى مزيدٍ من القتلى والجرحى والمعطوبين واليتامى والثكالى والأرامل من الجانبين، وإلى مزيدٍ من البيوت والأملاك المخرّبة، وإلى تراكم الأحقاد والعداوات والبغضاء التي تفضي بدورها إلى استمرار التربّص بالآخر للثأر منه، فيسقط الطرفان في دائرة الثارات والانتقام المتبادل ويتسع الشرخ ويبعد الصلح أكثر، ما يؤدي في النهاية إلى القطيعة والتفسّخ الاجتماعي وتفكك اللحمة الوطنية، وتصبح وحدة الوطن والشعب على كف عفريت.

الأسلم من التردّي في هذه الهوة الجهنّمية هو أن يجنح الطرفان إلى السلم طوعاً ويفسحا المجال لمبادرات الصلح.. وإلى أن تنجح الوساطات في التوصل إلى صلح عميق يجتث الأزمة من جذورها، المطلوب الآن أن يكف كل طرف شرّه عن الآخر، ويتجنب التربّص به والانجرار إلى الاشتباك معه لدى أول فرصة.. وإذا نجحا في ذلك، فسيُرسي ذلك عوامل عودة السلم والتعايش بمرور الوقت.

ونضيف أخيراً أننا لا نرى أي مؤامرة خارجية فيما يحدث الآن بغرداية، ولكن إذا تواصلت الأزمة أشهرا أو سنوات أخرى، فستدخل أطراف خارجية على الخط حتماً وتستغلّ الفتنة وتعطيها فعلاً أبعادا مذهبية وعِرقية، وتسعى إلى تفكيك الوطن انطلاقاً من غرداية، وعلى الطرفين أن يتذكرا ما يحدث في سوريا والعراق وليبيا... حتى يعرفا أن بلدنا ليس بمنآى عن مثل هذا المصير القاتم إذا لم يكظما الغيظ ويغلّبا العقل وصوت الحكمة قبل فوات الأوان.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 451 / 566685

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع حسين لقرع   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010