السبت 8 آذار (مارس) 2014

قادة الغرب: خطوط حمراء ممنوع تجاوزها

السبت 8 آذار (مارس) 2014 par صالح عوض

في الغرب ضمائر إنسانية يقظة، وفي الغرب مثقفون ومفكرون ومنظمات تعيش من أجل القيم الإنسانية الرفيعة، وفي الغرب كذلك شعوب تئن تحت وطأة نظام اقتصادي بشع يدور حول فكرة الربح بكل الوسائل، وفي الغرب شعوب مظلومة جعلت في مواجهة الكره المجاني أحيانا من قبل شعوب الجنوب المطحونة بنبالم جيوش الغرب وفتكه، ومن هنا بالضبط يجب التفريق بين الغرب كشعوب ومثقفين ومفكرين، وطبقات متنوعة، وبين قيادات الإدارات فيه التي في معظمها تسير بفلسفة عدوانية نحو الجنوب ونحو الشمال في آن واحد، يجب أن نطهّر مشاعرنا وأفكارنا من أي عنصرية قد تلحق بها، فيما نحن نكتوي بنار صواريخهم وبخدع مؤامراتهم، ففي الغرب أصدقاء لقضايانا منافحون عن حقوقنا يدفعون أثمانا باهظة، وهم جديرون بالتقدير والاحترام، ومنهم من قضوا شهداء على أرضنا يتصدون لآلة البطش الصهيونية المدعمة من قبل مؤسسات الغرب.

لا يمكن وصف ما يقوم به قادة الإدارات الغربية نحو أمتنا في كل أقطارها، إلا بحالة انتقام حاقد لا يستثني وسيلة معنوية أو مادية إلا وأشهرها واستخدمها في الحرب على المسلمين، وقابل ذلك أن المسلمين لم يدركوا بعد أي السبل يسلكون حتى لا يقعوا في كمائن المذابح، وأننا إزاء ذلك نحتاج إلى عملية تحليل نفسي أكثر من احتياجنا لعملية تحليل سياسي، لأنه لا يمكن تخيّل أن السبب الوحيد في مواصلة العداء والهجوم علينا هو أحقاد تاريخية، أو أنه النفط والثروات، فالأحقاد التاريخية توجد بين دول الغرب نفسه، وهم استطاعوا أن يطووا صفحتها، والثروات الطبيعية التي في بلادنا لا ينازعهم أحد عليها، بل هم المتنفعون الوحيدون المتحكمون بأسعارها، وبكيفية سدادهم أثمانها لنا مرة بسلاح لا نحتاجه، ومرات بإلهيات صراعية تستنزفه، ومرات كثيرة في فوضى ما يسمى بتنمية الاستهلاك. فما هو السبب الرئيس الذي تولدت منه الأسباب العديدة الأخرى؟

إن قيادة الغرب السياسية تقترف جريمة إنسانية كبرى، وهي تضع الخطط والبرامج وتقوم بتنفيذها على أرضنا لإرباكنا، وإيقاع الخسارات الكبيرة في مجتمعاتنا، وتفجير التناقضات وتأليب بعضنا على بعضنا، أي التدخل السافر العدواني الذي يستهدف أمننا واستقرارنا..

فهل يٌعقل أن العراق الذي يتربع على أكبر حياض البترول في العالم، يعاني من عجز في موازنته، وأنه مهدد بعد سنوات قليلة بالفقر؟ هل يعقل أن مصر أم الخيرات تتعرض إلى واحدة من أخطر المراحل على المستوى الاقتصادي؟ هل يٌعقل أن تنتهي ليبيا إلى تقسيم سياسي؟ وسوريا إلى مذبحة غير مسبوقة؟ والسودان إلى تقسيم جغرافي؟ واليمن إلى تقسيم إداري خطير؟ وأفغانستان إلى غابة سلاح وقتل وتهريب للحشيش؟ وباكستان إلى أهداف متواصلة لطائرات من غير طيار تستهدف الآمنين والمظلومين في بلد تم إرباكه بولاءات قياداته للغرب؟ والمذابح التي تطال المسلمين في أواسط إفريقيا، ونواح عديدة منها وفي أسيا؟ إن كل ذلك نتيجة لتدخلات غربية مباشرة أو بمباركات غربية مباشرة في بلداننا وبتوجيه وإشراف وتغطية كاملة.

يطفح الكيد من الخطاب الغربي، وحسب طبيعة كل نظام غربي، وإن كان القاسم المشترك فيه جميعه الاحتقار لدولنا ولشعوبنا، والنظرة الاستكبارية لعالمنا الإسلامي، ولكن هذا ليس إلا انعكاسا لما في العمق، فكل ما يظهر من الخطاب الغربي السياسي هو كلام محسوب ومحدد حتى بحجم الكراهية التي تترع منه، ولا ينبغي أن نقيس الموقف الغربي الرسمي بناء على تصريحاته وكلامه المسطر، إنما لابد من سبر غور نفسية صانع القرار الغربي تجاه أمتنا.

ولذا أدعو إلى تدبّر ما جاء مؤخرا في إحصائيات حول أهم مئة جامعة في العالم، وخلو القائمة من أية جامعة عربية أو إسلامية .. وهنا ينبغي فتح النقاش على وسعه، فصحيح أن حكوماتنا وطبقاتنا العلمية ليست في مستوى الانتباه إلى أهمية هذا الأمر، ولن نضيف شيئا هنا باستمرارنا في جلد الذات وبتحميل المسئولين السياسيين والأحزاب السياسية في بلداننا مسئولية هذا التخلّف،

مع أن هذا كله صحيح، إلا أننا ننتقل للإشارة إلى ما يتم من عنصرية متحكّمة في صاحب القرار الغربي على مستوى التحصيل العلمي، فهناك في دهاليز البحث العلمي، ومقراته ومجالاته خطوط حمراء وأماكن مغلقة، وصناديق سرية يمنع على أبناء الجنوب ولوجها حتى في المجالات الطبية والصيدلية وطب الإنسان، فضلا عن التكنولوجيا والصناعات الحساسة التي لها علاقة بتحولات إستراتيجية في قوة البلدان.

في الغرب يمنع على أبناء العرب والمسلمين أي اقتراب من سر المعدن وتكنولوجيا دقيقة، وتوضع كل العراقيل أمام الباحثين العرب والمسلمين، وهذا أيضا مع خطورته ليس إلا انعكاسا لعقيدة سياسية أمنية في مؤسسة صنع القرار في الغرب، لأن قادة الغرب يدورون حول فكرة الربح فهم لن يسمحوا لسواهم بتحصيل التكنولوجيا والتبحر في التخصص، هذه فكرة أولية مهمة للغاية لابد من التركيز عليها، ولكن هناك فكرة أكثر خطورة وهي أنه يجب عدم ترك فرصة للعرب والمسلمين لامتلاك الأسرار العلمية، لأن ذلك من شأنه أن يختصر عليهم طريق النهضة والتميّز والتقدم، وحينذاك سيكون النظام الاقتصادي الأوروبي المجرم الاستحواذي في محل مرمى النيران.

القرار الغربي الصارم يقضي بعدم نهوض أمة العرب والإسلام أبدا، لأن نهوضها بمنهجها القيمي والإنساني سيدعو مباشرة لسقوط منهج الاستحواذ والشر والعنصرية، وسيقضي على المصالح الشريرة، ولأن البشرية المعذّبة تمر بأسوأ مراحلها بعد أن علبوا لها كل شيء حتى الديانات أصبحت معلّبة وتسير كأدوات في مصالح الرأسماليين الجشعين والسياسيين الحواة.

لكن الذي لا يعرفه قادة الغرب، أن أمتنا عصيّة على التحطيم، وأنها تسير في تجميع محصلات نضالها خلال عدة قرون، وأنها حققت انتصارات على عسكر الغرب وثقافات الغرب مرات عديدة، وأنها لم تستسلم وهي في أسوأ مراحلها..

الذي لا يعرفه قادة الغرب أن أمتنا تمتلك إرثا إنسانيا خاصا، يكرّم الإنسان بغض النظر عن دينه وقومه، وأن هذه الأمة تمتلك منهجا حضاريا يحدث التجانس بين مكونات الكون والعوالم بدون تطرف ولا استنفاذ إنما بانسجام وتوازن..

مالا يعرفه القادة الغربيون أنهم بعدوانهم المتواصل إنما يستفزون طاقات الأمة، ومفكريها وقادتها لاستكشاف السبل الصحيحة للنهضة، وكما قالوا الضربة التي لا تميتني تقويني، ولن يكون مسموحا لهذه الأمة الخيّرة والإنسانية أن تخمل أحقادا على شعوب بالغرب بل على مثقفيها ومفكريها أن يمدوا جسورهم نحو علماء الغرب، ومفكريه ومثقفيه، وأن على طلائع الأمة الاستفادة قدر الإمكان من العلوم والثقافات والخبرة في الغرب، فهذا كله مجال إنساني رحب يشترك فيه الناس على اعتبار الأخوة الإنسانية، هذا ويتولانا الله برحمته.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 17 / 565015

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع صالح عوض   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010