السبت 16 أيار (مايو) 2015

الإنسان الضائع بين آدميته وجنسيته وقوميته وديانته

السبت 16 أيار (مايو) 2015 par د. عصام نعمان

تحفل وسائل الإعلام، في زمن الحروب العربية، بتحقيقات عن تداعياتها ومآسيها العابرة للحدود. موضوع التحقيقات المشردون والنازحون واللاجئون. هم دائماً ضحايا الحروب العبثية المتوالدة في عالم العرب.
استوقفني تحقيق أجرته إحدى القنوات التلفزيونية مع النازحين واللاجئين من مخيم اليرموك الفلسطيني / السوري الى لبنان. تألمتُ بطبيعة الحال حتى السديم العظمي لهول المآسي التي كابدها هؤلاء، نساءً ورجالاً وأطفالاً، من كل الفئات العمرية. غير أن ما استوقفني أكثر ما يكون مسألة بل مأساة الفلسطيني المطرود من وطنه، المهجّر لاحقاً من موطنه، أي مخيمه، النازح قسراً من سوريا أو سواها الى مخيم آخر في لبنان يغصّ ويضج بأهله، الضائع والموزّع بين مشاعر آدميته وقيود جنسيته وروابط قوميته وديانته.
ليس الفلسطيني، النازح واللاجىء، وحده تضيره تلك المشاعر والقيود والروابط بل هي تضير كل إنسان يجد نفسه قسراً في حال نزوح ولجوء. لقد أضحى شرطُ الوجود في كوننا وزمننا محكوماً بمشاعر الآدمية وقيود الجنسية وروابط القومية والدين.
في الحوار مع الفلسطينيين النازحين من مخيم اليرموك، ثمة إجماع على مطلب إنساني: العيش بكرامة. معنى العيش البقاءُ على قيد الحياة. معنى الكرامة الحدُّ الأدنى من المأكل والمسكن والصحة والتعليم.
الفلسطيني من سكان مخيم اليرموك كان، قبل الحرب، يحصل على الحد الأدنى المقبول من المأكل والمسكن والصحة والتعليم. ثمة امتياز (كان ) يحظى به الفلسطيني في سوريا، مذّ لجوئه إليها بفعل نكبة 1948، يفتقده في سائر بلدان الشتات.إنه المساواة في الحقوق والواجبات مع المواطن السوري باستثناء المشاركة في الانتخابات، مرشحاً أو مقترعاً. مردُّ الاستثناءإرادة الفلسطينيين القاطعة بأن يحتفظوا بهويتهم الوطنية كضمانة للمحافظة على حق العودة الى وطنهم.
الفلسطيني لم يكن لاجئاً في سوريا بل مواطن يحافظ على هويته الوطنية شرطاً للعودة الى وطنه. هكذا كان وضعه مذّ أكرهته العدوانية العنصرية الصهيونية على النزوح والتشرد.
مع اندلاع الحرب في بلاد الشام وعليها واضطرار فلسطينيي سوريا الى النزوح عنها، فَقَد الفلسطيني السوري مواطنيته وتساوى مع غيره من النازحين الى لبنان في حيازة صفة اللاجىء. بل هو فَقَد ايضاً شطراً كبيراً من آدميته ،ذلك أن مواطنيته في سوريا منحته حقوقاً ومزايا في العيش والسكن والصحة والتعليم، كما في الاحترام والكرامة، عززت آدميته بمعنى إنسانيته واعتزازه بنفسه.
مع النزوح إلى لبنان فَقَد الفلسطيني، إلى مواطنيته، آدميته او شطراً كبيراً منها. ذلك أن القيود التي تفرضها قوانين الجنسية اللبنانية تحرمه الكثير من حقوق ومزايا الحركة (الدخول والخروج والتجوال) والسكن والصحة والتعليم، كما تُذله مساوىء وآلام التضخم (الغلاء) وضيق العيش في مجتمعات مضطربة وغير آمنة.
إذ يجد النازح واللاجىء الفلسطيني السوري في لبنان نفسه منتقصاً من آدميته ومن مواطنيته، يضطر إلى نشدان الإغاثة والرعاية من مرجعيات ثلاث: الأمم المتحدة، الهيئات القومية، والهيئات الدينية.
يلجأ الفلسطيني السوري الى وكالة الغوث الأممية (الأنروا) لظنه أنها مسؤولة، بموجب ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن الدولي، عن إغاثته وتدبير ضروريات حياته، فيجد أن ميزانية وكالة الغوث الأممية في عجز دائم وتكاد لا توّفر احتياجات اللاجئين في لبنان، فلا قدرة لها تالياً على توفير أبسط متطلباته الحياتية.
يلجأ الفلسطيني السوري من ثم إلى مرجعيته الوطنية، منظمة التحرير الفلسطينية طالباً العون والدعم، فلا يلقى إلاّ النزر اليسير وقد لا ينال شيئاً بالنظر الى العجز الدائم الذي تعانيه المنظمة.
إذ يجد أبواب الغوث والعون مسدودة في وجهه، يطرق الفلسطيني السوري، وربما الفلسطيني البائس في كل مكان، باباً لم يكن مطروقاً من قبل ،إنه باب التنظيمات التي تسمى جهادية، طالباً العون ومعلناً استعداده لتقديم «الثمن» المطلوب: الانخراط في صفوفها لمقاتلة «أعداء الدين» ( والمذهب).
لن يتوقف الفلسطيني البائس طويلاً أمام صدقية التنظيم الديني المقصود ولا أمام ما ينتظره في صفوفه من موجبات وتضحيات. الفقر يدفع الى الكفر، فهل يلومنَّ الفقير أحد إن هو قاتَلَ «أعداء الدين» وحصّل، فوق هذه «المكرمة»، قوتَ عياله؟
مآسٍ وآلام وإذلال وقهر يعانيه النازحون واللاجئون الفلسطينيون، بل كل النازحين واللاجئين من كل جنسية ودين من جرّاء الحروب العبثية التي ما انفك العرب وسائر الأمم يشنونها ضد بعضهم بعضاً. ما العمل وكيف الخلاص؟
سؤال خالد في ضمير الإنسانية من الأزل الى الأبد لم يحظَ، بعدُ، بجواب شافٍ. كل ما حظي به بضعة إجراءات وتدابير تتخذها الدول الكبرى عبر الأمم المتحدة لسد رمق الجياع ورتق جراح المنكوبين. ألا تستحق مآسي المعذبين في الأرض علاجاً أكثر فعالية ؟
ثمة اقتراح قد يبدو اليوم خيالياً: أن يصار الى دعم مؤسسات الإغاثة والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي بنظام أممي إنساني غايته إدارة شؤون النازحين واللاجئين ورعايتهم في كل أنحاء العالم. منطلق النظام الإنساني المقترح وأساسه اعتبار اللاجىء ضحية حروب وكوارث لا يد له فيها ولا مسؤولية عنها الأمر الذي يستوجب إعطاءه، لمدة تطول أو تقصر، صفة مواطن أممي وجواز سفر أممي لتمكينه من الحركة والحراك والعمل والالتزام والحصول على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في حدها الأدنى على الأقل. لتأمين هذه الحقوق والتسهيلات يقتضي إنشاء صندوق أممي للإغاثة والرعاية والتنمية مهمته رعاية ضحايا الحروب والكوارث، على أن يموَّل من ميزانية الأمم المتحدة ومن ميزانيات الدول والحكومات، ومن عائدات الأحكام التي يُصدرها، في مرتجى الشعوب، مجلس الأمن الدولي والمحاكم الدولية المختصة بحق الدول والحكومات المدانة بالتسبب في حروبٍ وكوارث، على أن تكون الأحكام مقرونةً بغرامات وتعويضات يصار إلى إيداع قيمتها الصندوق الأممي للإغاثة والرعاية والتنمية.
حلم؟ لعله كذلك اليوم، لكن يقتضي أن يصبح حقيقة ساطعة في قابل الأيام.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 8 / 565230

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع عصام نعمان   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010