الجمعة 24 تشرين الأول (أكتوبر) 2014

من يلملم الأمن القومي العربي ويفعّله؟

الجمعة 24 تشرين الأول (أكتوبر) 2014 par صالح عوض

ليس من ابواب المبادئ والمثل الاخلاقية فقط، بل من باب المصالح والمنافع لكل قطر من اقطارنا، لابد من لملمة الامن القومي العربي وتفعيله، وان سوى ذلك هو الخسران المبين لكل قطر من اقطارنا ولأمتنا جملة وتمكينا للكيان الصهيوني.

من حدود الاناضول وانطاكية ولواء الاسكندرونة الى جبل طارق وطنجة مرورا بقلبها جزيرة العرب ومصر وفلسطين وبجناحيها العراق والجزائر، هي بلاد التحدي الاستراتيجي بين ارادتين وقوتين.. ارادة الحياة بما فيها من صخب وحيوية وطموحات وإرادة الشر والعنصرية وصناعة الموت .. وقوتين قوة بلغت ذروتها قوة بلا عقل ولا ضمير ولا انسانية، وقوة صاعدة تلملم شتاتها تضج بالاحلام والتفاؤل والانسانية.

المعركة محتدمة ولم يدخر الاشرار العنصريون ايا من ادواتهم في الصراع، ضربوا العزل بالقنابل والصواريخ وهدموا المدن ونهبوا الثروات واسقطوا عواصمنا الواحدة تلو الاخرى، واصبح الامن القومي العربي كله عرضة للاختراق.

الامن القومي العربي في جوانبه العديدة الثقافية والعلمية والسياسية والاقتصادية والغذائية والمائية.. ينكشف عنه الغطاء تحت سياط الاعداء وقصفهم واختراقهم الامني.. فعلى الصعيد الثقافي لم يعد من السهل الحديث عن تحكمنا في صياغة جملتنا وروايتنا لاي شيء، فلقد اخترقتنا الرواية المعادية عن ادق تفاصيلنا واقدسها، واصبحت مصطلحاتنا ومفاهيمنا عرضة للاستبدال، فبعضنا اصبح يتكلم بلا مواربة ولا خجل عن اسرائيل كواقع، بدل ان يتكلم عن فلسطين، وينسب المدن الفلسطينية العربية الى اسرائيل.. وكثير منا استحكمت فيه ثقافة القطر وهموم القطر، وكأنه في غيتو لا يرى ما حوله وما له من علاقات بالجوار.. وبعضنا اصبح يرى الى التكنلوجيا والتقدم والتطور على انه امتلاك الاشياء وليس سرها، فاصبح التشيؤ ظاهرة مستفحلة في الاشخاص والمؤسسات والدول.. فاصبحنا نستعيض عن مصنع الحديد باجهزة وادوات نستريها من الغرب مباشرة، وهكذا اصبحت ثقافتنا ثقافة استهلاك ثقافة هشة ضحلة لاتصمد في مواجهة..

اول الضربات وجهت لجذور هذه الثقافة تشويها وتحريفا واقصاء على اكثر من صعيد، فبدل ان يكون القران الكريم المحفوظ من كل زيغ وباطل هو مرجع ثقافة الامة، استوردت النخب المهزومة مقولات مبترة مقتطعة، وعبارات مشوهة من هنا وهناك لتكل الفلك الثقافي لاجيالنا.. وعلى الجهة الاخرى تم الدفع بجهلة مشوهين يتلطون ببعض الشعارات الاسلامية فيما هم يمعنون تهديما في النموذج الاسلامي الانساني الرائع.

وفي هذه المناخ الموزع على التشويه والاقصاء تولدت كثير من اعمالنا الفنية والادبية وتشكلت معاييرنا الثقافية وتكونت اذواقنا وامزجتنا.

وعلى الصعيد السياسي، تلقينا ضربات كانت هي السابقة لكل الاختراقات الاخرى، حيث كان لابد من انهيار كياننا الواحد ليتم كشف الغطاء عن مكوناتنا والعبث فيها، فبعد ان فعلوا بمبضع التقسيم فعلتهم واصبحنا اقاليم محروسة بحكام وانظمة حكم يصارع كل منها الاخر، ظن كل قطر انه بمقدوره مواجهة التحديات المفروضة عليه سياسيا واقتصاديا وامنيا، فذهب يكون تجربته بعيدا عن الاخذ بعين الاعتبار ما عليه اقطار الامة الاخرى، وفي احيان كثيرة دون الالتفات الى المخاطر التي تلحق به جراء ما يحصل في القطر المجاور..

تكرست دولة التجزئة بمشروعها وثقافتها ونشيدها الوطني وببرنامجها التنموي بمعزل عن اية صلة بمحيطها.. وشيئا فشيئا اكتشفنا ان الدولة الوطنية لم تستطع تحقيق ما هو مطلوب منها في رفع مستوى المعيشة، ورفع الضنك عن الناس، والارتقاء بانسانيتهم الى مستوى المواطنة بلا تمايزات، واكتشفنا في لحظة ان الدولة القطرية ما هي الا تأجيل لانفجار مذهل كما هو حاصل في ليبيا والعراق وسوريا واليمن و....، لم يكن الاختراق السياسي مقتصرا على المقولات والشعارات التي تكون دولة محاصرة بمشاعر العزلة عن المحيط العربي، بل امتد الامر ان تصبح هذه الدولة قابلة لابداء تنازلات عميقة الى الدرجة التي تصبح فيها اداة للمستعمرين لتهديم قلاع عربية اخر، كما حل بالعراق وسوريا..

على الصعيد السياسي فقدنا معيار الولاء والبراء.. ولم يقف الامر عند حدود الدولة القطرية بل امتد الى مكونات ثقافية حيث تسري روح الحركات الشمولية ومتجاوزة الحدود، ولكنها للاسف لا تدرك خطورة الارتماء في حرب داخلية طاحنة، وكم سيستفيد العدو منها.

وعلى الصعيد الاقتصادي، فإنه لامر مضحك ونحن نتأمل خريطة وطننا العربي وكأنها شاة قطعت مفاصلها حسب غريزة المستعمرين، موزعة عليهم في مصالح متداخلة فيما بينهم ونحن نرى انيابهم تغص في اعضائنا يسيل منها دمنا، كتبوا علينا التخلف والجوع وحرمونا من كل محاولات التقدم والخروج من التبعية .. ومن الواضح اننا لن نستطيع احداث اكتفاء ذاتي للغذاء الا عندما نفتح حدودنا على تنوع امكانياتنا، وفرصنا، فنبني بذلك منظومة غذائية تستفيد من تنوعنا ومن تكامل امكانياتنا ..

فمن غير المعقول ان يترك الصومال يموت جوعا فيما يحتوي على مراع للاغنام وفيه من الثروة الحياونية الشيء المهم الذي يحقق له استقرارا اقتصاديا ،ويمكنه ذلك ان لا يخضع من الابتزاز وهو يمثل خطا استراتيجا في القرن الافريقي.. ومن غير المعقول ان يترك السودان يواجه الحرب الاسرائيلية المستمرة عليه والمؤامرة الدولية التي تستهدف وحدة اراضية وسكانه، فيما الامر لا يحتاج اكثر من اهتمام عربي من لدن الدول التي تمتلك ثروة النفط، بالالتفات الى هذه الكنز العظيم المسمى السودان، بما فيه من مياه واراض شاسعة تستدعي تدفق رؤوس الاموال العربية المودعة في بنوك الامريكان، ومصانعهم، ومشاريعهم.. حينذاك سينعم اهل السودان بالاستقرار الذي يقف حائلا دون التشظي والانقسام والتوتر، كما يمكن البلد من القيام بدوره الافريقي لتمتين الجبهة العربية الافريقية التي تتعرض لاختراقات امنية مذهلة عن طريق الشبكات التجسسية التخريبية القادمة تحت اغطية متعددة ..

كما انه لايمكن اغفال ما في ارض العرب من معادن وثروات تكفي لان ينطلق العرب نحو نهضة علمية صناعية، يكون سوقها الوطن العربي، وادواتها اليد العاملة العربية والخبرات العربية المشتتة الضائعة في بلاد الغربة.. ويكون راسمالها عربيا، وبهذا نكون قد اسسنا حقيقة لوحدة لا بديل عنها ولا مناص منها.. باقتصاد متكامل وباكتفاء غذائي يتم التعاون لانجازه وبصناعة مشتركة تبدأ من مصنع عود الثقاب واعواد تنظيف الاسنان وموس الحلاقة والسكين والات الطهي الى السيارة والمدفع والصاروخ والدواء، وفي هذه العملية الكبرى تتجلى المصلحة العليا لكل بلد وللامة.

ان اي خطوة من اي بلد عربي على طول رقعتنا العربية من شرقنا الى غربنا لا تاخذ بعين الاهمية والاعتبار علاقتها بما عليه الامة، ستكون خطوة في الفراغ، وستنتهي الى ان تصبح خطوة معزولة فاشلة.. ولعلنا الان اكثر من اي مرحلة سبقت ادراكا لهذه المعاني.. فالوحدة مصيرنا الحتمي.. تولانا الله برحمته.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 10 / 582281

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع صالح عوض   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010