الثلاثاء 14 تشرين الأول (أكتوبر) 2014

منح الصلح… الجسر الباقي فينا

الثلاثاء 14 تشرين الأول (أكتوبر) 2014 par معن بشور

لم أجد مرة صعوبة في الكتابة عن عزيز رحل كما وجدت في الكتابة عن منح الصلح… قد يكون مصدر الارتباك ان الكتابة عن الراحل الكبير يكمن في أن العلاقة التي جمعتني به، والممتدة على خمسين عاماً، لا يمكن تلخيصها بمقال مهما استعرتُ من منح الصلح بلاغته في الايجاز، او عمقه في التفكير، او صدقه في التعبير، أو أناقته في الصياغة او طرافته في التعليق، فكل واحدة من هذه المزايا تستحق وحدها مقالاً بل ربما كتاباً كاملاً….
وقد يكون احد اسباب الصعوبة أيضا هو ان وفاء تلميذ لاستاذه، او أخ أصغر لأخ أكبر، او صديق لمن كان الصدق صفته الاسطع، يجعله يتلعثم في مثل هذه الحالات لأن الانسياق في المشاعر لا ينسجم مع طبيعة “البيك” الذي كان ماهراًً في تحصين العاطفة بالوعي، وتسييج الحماسة بالحكمة .
حاولت ان اختصر الراحل الكبير بكلمة واحدة، كما كان يفعل هو حين يلخص أغنى الافكار، ويصوّر اكثر المشاهد تعقيداً، “بكلمة او كلمتين”، كما لاحظ المهندس الصديق من الاردن مروان زريقات، وهو الذي كان تخرج يوماً من جامعة منح اصلح التي أستهوته من بين الارقام والتصاميم والآلات الحاسبة.
الكلمة التي وجدتها الاكثر تعبيراً في وصف هذا الرجل المتعدد الاوصاف هي “الجسر”…
نعم لقد كان منح الصلح جسراً تعبر معه من الماضي الى الحاضر والمستقبل، جسراً تتكامل فيه الاصالة والمعاصرة، جسراً للتواصل بين الاجيال والبيئات والافكار، بين بيروت الواحدة الموحدة التي كانت سيرته الصورة الأجمل عنها، وبين لبنان السيّد الحر المستقل الذي اعتبره منذ اول كتاباته في اربعينات القرن الماضي رسالة مشرقة في محيطه والعالم، وبين العروبة المتوهجة والمنيرة التي ارادها دائماً هوية جامعة تحمل في طياتها مشروع نهوض ، وبين الانسانية العميقة العادلة التي كان يراها عالمية تجتمع فيها عوالم وعقائد ومبادرات لخدمة الانسانية…
لكل نهر ضفتان لا تلتقيان… ولكن الجسر هو الذي يجعل الانتقال من ضفة الى أخرى أمراً ممكناً وميسورا. هكذا كان منح الصلحً.
كانت الرحلة فوق هذا الجسر مع منح الصلح رحلة ممتعة بحكايات وطرائف لا يسرد الواحدة منها إلا لكي يزداد علمك علماً، وخبراتك خبرة، وتجربتك تجارب، بل كانت رحلة غنية بالأفكار والتحليلات العميقة المعاكسة في احيان كثيرة لما هو رائج من الافكار وسائد من التحليلات، ولكنها المنسجمة دوماً مع روح ضاربة في جذور الوطن والأمة..
كان الجسر عنده دائماً طريقه الى العبور الى المستقبل في خضم تحولات ومتغيرات لأن الجمود في الماضي عنده، كما السكون في الحاضر، مستنقع تختنق فيه النفوس، وسجن تتعذب بين قضبانه العقول، وقيد تتلوى في اسواره الاحاسيس . كنت تلهث وانت تلاحقه، وتتعب وانت تحاول مجاراته، لكنك تشعر في نهاية كل مشوار معه براحة عميقة لأنك ازددت معرفة وعلماً والتزاماً وصدقاً مع هذه القامة الشامخة في دنيا المعرفة الواسعة، والعلم السليم، والالتزام المتحرر، والصدق الذي طالما اعتبره منح الصلح أم الفضائل….
ويزداد احساسك بفقدان منح الصلح. حين تدرك كم نحن بحاجة الى جسر مثله هذه الايام، جسر بين اللبناني واللبناني، بين العربي والعربي، بين الانسان والانسان، بين المسلم والمسيحي، بين المسلم والمسلم، وبين المسيحي والمسيحي، جسر عصي على الفرقة أيّأ كانت اسبابها، وعلى التشرذم أياً كانت دوافعه، وعلى التفكك أياً كانت مبرراته….
كان يعتز بنسبه العريق، “فعلم الانساب” كما كان يقول أحب العلوم عند العرب، ولكن العراقة في النسب لم تكن لديه يوماًَ تعالياً او عنجهية او “تشاوفاً” على غيره، بل كانت ممزوجة ببساطة وتواضع وطيب معشر، مستعيضاً عن الثروة النقدية بالثراء الفكري والروحي، وعن الرصيد المالي المتضخم في المصارف برصيد معنوي لا ينضب في القلوب والعقول.
لذلك يبقى منح الصلح حيّاّ فينا ما دام الجسر الذي صممه باقٍ فينا لا سيما في زمن يحطمون فيه كل الجسور ويقيمون مكانها ابشع المتاريس…
لمنح الصلح عهد من تلامذته، وهم ربما أكثر عدداً من تلامذة اي جامعة او أعضاء في اي حزب، بأن يقيسوا كل فكرة او موقف او ممارسة بمدى اقترابها او ابتعادها عن روح “الجسور” التي أطلقها فينا منح الصلح متحدياً بجسارة المؤمن كل المصاعب والعصبيات، صامداً بثبات المفكر في وجه الترغيب والترهيب معاً.
رحمه الله…


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 12 / 575527

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع أعمدة الموقف  متابعة نشاط الموقع معن بشور   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010