الجمعة 9 كانون الأول (ديسمبر) 2016

القومية العربية .. من الفكر إلى الأيديولوجيا

الجمعة 9 كانون الأول (ديسمبر) 2016 par د. فايز رشيد

دون استعراض تطور الحركة القومية العربية, من مرحلة الأفكار إلى الأيديولوجيا, بكل مراحلها التاريخية المعروفة, بدءا من مرحلة بدايات النهضة أيام محمد علي, وصولا إلى الحاضر, فإن محددات كثيرة تلعب دورا رئيسيا في الحكم على الفكر, إيجابا أو سلبا. المحدد الأول, هو مواصفات القائمين على الفكرة ذاتها! أسوق مثلين, انهيار الاتحاد السوفياتي, لا ولن يعبر عن فشل الفكر الماركسي, بل هو فشل للقائمين عليه. المثل الثاني هو من واقعنا العربي, ففي أواسط ستينيات القرن الزمني الماضي, تسلّم ذات الحزب الحكم في بلدين عربين, والطرفان لم يستطيعا الوصول إلى قواسم مشتركة, لأدنى أمل, ولو بشكل ولو بسيط من تحقيق التكامل بينهما, على طريق تحقيق شعار الوحدة العربية. هذه القضية تركت تداعياتها السلبية على التكامل مع التجربة القومية الناصرية. كذلك هو فشل تحربة الوحدة بين مصر وسوريا في عام 1961, وهزيمة عام 1967, كل هذه الإخفاقات لم تعن, لا ولن تعن إخفاقاً للفكر القومي العربي, وإنما إخفاق لأولئك القائمين على الفكر.
المحدد الثاني في الحكم على الفكر, هو مدى انسجام الفكر مع الواقع, فالفكر يجب أن يولد من صميم هذا الواقع ,لا أن يأتي بعيدا عن تقاليده, عاداته وسلوكه. هذا لا يعني الانحكام المطلق للسلبي في العادات والتقاليد, وإنما امتلاك الخطة الذكية في عملية التغيير المطلوبة, بالشكل, الذي لا يقع فيه الصدام بين الفكر وعموم المجتمع. خاصة وأن الفكر يمكنه استغلال مجالات التطور العلمي والتكنولوجي, على طريق تحديد أهدافه القريبة, وصولا إلى عملية التغير, القادرة على المساهمة في تحقيق الأهداف, التي يناضل الفكر من أجل تحقيقها. المحدد الثالث للحكم على الفكر, أن يتم التعامل معه بالروح العلمية القادرة على التطور, في عملية مزاوجة حقيقية مع سمات السائد الوطني,الذي هو إيجابي بالضرورة في مراحل العصر المختلفة حكما, وبهذا يولد المزيد من الاتسجام ما بين الفكر والمجتمع. المحدد الرابع لنجاح الفكر أو عدمه, هو عدم الانغلاق عليه, من خلال الاعتقاد بكماليته, ووضعه في أدراج الخزائن, وإنما امتلاك خطة عملية واضحة لنشره جماهيريا, في تطبيقات خلاقة.
المحدد الرابع للفكر, هو مدى استجابته للأهداف الوطنية, كخطوة أولى على طريق استجابته للأهداف القومية التحررية , ومدى المضي قدما في تحويله وتفصيله من خلال خطوات محسوسة, يجري ترجمتها على أرض الواقع, ليشكل معتنق هذا الفكر, الأمثولة الحية الطليعية في المجتمع, دون مراهقة. وبذلك يمتد وينتشر الحزب/ الحركة الحاملة لواء الفكر في المجتمع طولا وعرضا, وبخط مستقيم لا يلغي ولا يهاب تعرجات الطريق, وهي عوائق طبيعية, ومن خلال الإيمان بقدرة الفكر, وتعمقه وانغراسه في أذهان وعقول وقلوب معتنقيه, وتمتعهم بالإصرار على النجاح في تحقيق الهدف/ الأهداف , فلن تعني التعرجات سوى المزيد من التصميم على التقدم في خطوات واثقة وملموسة, أيا كان بطؤها. المحدد الرابع للفكر, هو عداؤه المطلق لوجود الكيان الصهيوني, والإيمان بأن لا تعايش معه إلا باجتثاثه, تماما كما العداء للإمبريالية ومخططاتها القريبة والبعيدة المدى وأعوانها في المنطقة العربية. المحدد السادس, هو التعاون مع الصيغ الوطنية والقومية الموجودة, على الثوابت الأيديولوجية الوطنية والقومية.
المحددات الأخرى للفكر, ستفهم في سياق التالي, اتهموا الفكر القومي العربي, باللاهوتية, وبأنه النقيض للإسلام, وبأنه يحمل بين طياته, عوامل تبشيرية, وبأنه تمويه للفوارق الطبقية في المجتمع, وبأنه يعمل وفق مبدأ “أخذْ كل شيء أو لا شيء”!. رغم أن تاريخ تطور الفكر القومي العربي, لم يأت يوما بمثل هذه الأقول والأضاليل ولا الممارسات المتصلة بها, ومرّ في تحولات إيجابية في معظم مراحله. صحيح أن ساطع الحصري وضع أبجديات الفكر القومي العربي, غير أنه من الصحيح أيضا, أن قسطنطين زريق, وضع له الأساس العملي والعلمي له, وتعامل معه على قاعدة “علم يتزاوج مع الإبداع”. كما طوره الراحل الكبير د. جورج حبش, وأضفى عليه ملامح التوجه إلى الإنسانية جمعاء, كما باحثين كثيرين منهم عبدالله عبدالدايم, حيث تحقق بعض من الانسجام ما بين الفكر القومي العربي, والتوجه نحو الأيديولوجيات المعتنقة الأخرى.
مما لا شك فيه. أن المراحل التاريخية المعاصرة, ساهمت بالانتقال في القومية العربية من مرحلة الفكر إلى مرحلة الأيديولوجيا. الأخيرة تتطلب, وضوحا كاملا. تتطلب أفكارا قادرة على تحريك الجماهير. تتطلب أهدافا ورؤيا عميقة واضحة, وتحليلا صحيحا ودقيقا للمجتمعات العربية في أقطارها, متزاوجة مع نضال عنيد للمؤمتين بها, كما التوجه الجاد بالعمل على تحصين الأجيال الجديدة بفكر الأيديولوجيا. كل هذه القضايا إن جرى التمسك بها ,فهي قادرة على الانتقال بالقومية العربية إلى فضاءات قادرة على المساهمة في حل الإشكالات العربية – العربية, والمساهمة بفعالية شديدة في إعادة إحياء الفكر القومي العربي ,كآلية توحيد للجماهير العربية في مجابهتها للواقع بكل معضلاته, بما فيها مقاومة المخططات الهادفة إلى تمزيق الوطن العربي, دولةً بعد أخرى على طريق تفتيت الدولة الواحدة إلى دويلات متحاربة. الفكر القومي الوطتي العربي, إذا ما أحسن تطويره واستغلاله, قادر على المضي قدما نحو نجاحات وطنية وقومية كبيرة, يحسها المواطن العربي من المحيط إلى الخليج.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 5 / 574216

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع فايز رشيد   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010