الجمعة 12 شباط (فبراير) 2016

هل ستقع حرب على غزة؟

الجمعة 12 شباط (فبراير) 2016 par د. فايز أبو شمالة

- الأنفاق في الضفة والإنفاق على غزة

في غزة يتمنون أن تتحقق المصالحة الفلسطينية، وأن ينتقل الوضع الاقتصادي المريح نسيباً لسكان الضفة الغربية إلى قطاع غزة، ويتمنون أن تتحمل السلطة مسئولية الإنفاق المالي على جميع السكان، أسوة بإخوانهم في الضفة الغربية، ويتمنى الناس أن تحل مشاكل الكهرباء، وأن يرفع الحصار، وأن تتواجد السلطة على عبر رفح، ليتم فتحه.
وفي الضفة الغربية يتمنون أن تتحقق المصالحة الفلسطينية، وأن تتحمل السلطة المسئولية عن إنشاء أنفاق المقاومة بهدف الدفاع عن الأراضي التي يستوطنها الصهاينة، ويتمنون أن يطردوا الصهاينة ومستوطناتهم من داخل الضفة الغربية أسوة بإخوانهم في قطاع غزة، ويتمنون أن تحل وإلى الأبد مشاكل الحواجز على الطرقات، وينتهي الفصل بين المدن، ويتمون أن تغل يد المستوطنين إلى الأبد عن حرق وإيذاء المواطن الفلسطيني وممتلكاته.
فهل ستحقق لقاءات الدوحة بين حركتي فتح وحماس هذه الأماني الفلسطينية؟
يفيد الواقع الفلسطيني بأن المقاومة في غزة قد نجحت في زعزعة نظرية الأمن الإسرائيلي الذي تأسست عليها الدولة العبرية، وذلك من خلال تأسيس شبكة أنفاق المقاومة، والتي بلغ طولها 500 كيلو متراً تقريباً، وفق تصريح السيد إسماعيل هنية، نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، لقد باتت تشكل هذه الأنفاق مادة القلق الرئيسي للقيادة الإسرائيلية وللجيش الإسرائيلي وللمستوطن الذي أمسى يفتش عن مكان آمن يبيت فيه ليلته.
ويفيد الواقع الفلسطيني في الضفة الغربية بأن الدولة العبرية بجيشها ومستوطنيها قد نجحوا في زعزعة الاستقرار الأمني للمواطن الفلسطيني في الضفة الغربية، وأفسدوا عليه حلمه في إقامة دولة فلسطينية مستقلة مترابطة الأطراف، ولاسيما بعد أن انتزع الصهاينة مساحات شاسعة من الأرض لإقامة جدار الفصل العنصري الذي سيبلغ طوله 703 كيلو متر.
غزة والضفة الغربية أمام مفارقة مدهشة، ففي الوقت الذي تتبنى فيه حركة حماس في غزة خط المقاومة، وتحفر الأنفاق لتقويض أركان الدولة العبرية، تتبنى حركة فتح في الضفة الغربية خط المفاوضات الذي مكن الدولة العبرية من إقامة أسوار الفصل العنصري التي تقوض أركان الدولة الفلسطينية.
فهل ستعالج لقاءات الدوحة هذه المفارقة المدهشة؟ وهل ستناقش لقاءات الدوحة النتائج العملية لاختلاف البرامج السياسية، وتأثيرها على حياة الفلسطينيين؟
قد تكون الأمنية لدى بعض الفلسطينيين أن يتفق الطرفان على خلق حالة من التوازن بين طول أنفاق المقاومة في غزة وطول جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية، وهذا يعني اتفاق الطرفين على التوسع في بناء شبكة أنفاق المقاومة حتى تغطي كل مدن وقرى الضفة الغربية أسوة بما يجري في قطاع غزة.
وقد تكون الأمنية لدى البعض الآخر هي اتفاق الطرفين على ردم أنفاق المقاومة في غزة، والاكتفاء بالشجب والإدانة لإقامة جدار الفصل العنصري في الضفة، مع الاستجابة لمطلب السيد محمود عباس الذي اشترط على غزة سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد.
فأي الامنيتين السابقتين تخدم مصالح الشعب الفلسطيني، وتحافظ على الثوابت؟
الأيام القادمة لن تعطي الجواب، الذي سيعطي الجواب هو إقرار أحد الطرفين بان برنامجه السياسي قد فشل، وأنه على استعداده لتبني برنامج الطرف الآخر السياسي، أو الاستعداد للتوافق معه على آلية تطبيق البرنامج وفق قدرات الشعب الفلسطيني وإرادة شبابه.

- المصالحة الفلسطينية وجذر الصراع

تقول التجربة الفلسطينية: استمع إلى الكذاب حتى النهاية، وغربل كلامه، وستكتشف في غفلة منه صحيح الكلام من كذبه.
لقد تتبعت مقال الكاتب اليهودي "يسرائيل هرئيل، في صحيفة "هآرتس" ودققت في كلامه لأمين عام الأمم المتحدة، "بان كي مون" الذي تجرأ قليلاً؛ فوصف الضفة الغربية بالأرض المحتلة، واعترف بحق الفلسطينيين بمقاومة الاحتلال، فجاء رد الكتاب اليهودي صريحاً، قال:
يجب على اليهود قول الحقيقة الراسخة وغير الخجولة، التي ستجبر الجميع على تصديق إدعائنا أخلاقيا وتاريخياً، علينا أن نقول الحقيقة عن اسباب عودتنا إلى أرض الآباء – وكون يهودا والسامرة هي قلب أرض الآباء –
واستشهد الكاتب بالمقولة التاريخية لسمعان الحشموني، كما وردت في "سفر المكابيين" والذي قال: "لم نأخذ أرضاً لغريب، ولم نستول على شيء لأجنبي، ولكنه ميراث آبائنا الذي كان أعداؤنا قد استولوا عليه ظلماً حيناً من الدهر، فلما أصبنا الفرصة استرددنا ميراث آبائنا" ، إن لدى اليهود في حوار الحقوق الأساسي والأخلاقي إدعاءات مقنعة اكثر بكثير مما لدى العرب.
انتهى حديث "يسرائيل هارئيل" الذي يقرع أجراس الخطر في الساحة السياسية الفلسطينية، وهو يكشف عن مكامن الوجدان اليهودي؛ الذي يعتقد راسخاً بأنه يعود إلى أرضه التاريخية لمقتضيات عقائدية وليس لأسباب سياسية.
إن هذه الصراحة اليهودية لتمثل دعوة صريحة إلى الشعب الفلسطيني، ولاسيما إلى قيادته السياسية بضرورة الوعي بمنطلقات الصراع الدائر على أرض فلسطين، والذي لا يجابه إلا بمزيد من الحرص على انهاء الانقسام، وتحقيق المصالحة الوطنية على أسس الوعي الدقيق لطبيعة الصراع، ولأطماع العدو، والذي يؤكد في كل لحظة بأنه لا يحتل أرضاً لشعب آخر، وإنما يسترد أرض آبائه وأجداده من الغزاة العرب، لذلك فهو لا يعترف للغرباء ـ وهم الفلسطينيون ـ بأي حق بالوجود فوق أرضهم، وهو يعترف علانية بأن الصراع الدائر على أرض فلسطين هو صراع عقائدي يتسلح بالسياسة لتحقيق أهدافه على مراحل؟
وعي القيادة الفلسطينية لطبيعة الصراع لا يستنهض المقاومة الفلسطينية فقط، وهو حق وواجب، الصراع العقائدي يلملم شمل الفلسطينيين، ويستنهض همة العرب أجمعين، ويشعل نيران الغضب في بلاد المسلمين.

- هل ستقع حرب على غزة؟

أينما حللت وسط الناس في غزة يواجهني السؤال التالي: هل ستقع حرب على غزة؟
ولما يزل جوابي هو: لا؛ لا حرب على غزة، لأن العدو الإسرائيلي بات أكثر عجزاً عن تغيير الواقع القائم في غزة، ولاسيما أنه قد اختبر قدراته، وجرب تغيير الواقع في ثلاثة حروب سابقة، ضاعف في كل مرة من عدوانه وقصفه وهجومه، لتخرج المقاومة أقوى، ويخرج الجيش الإسرائيلي خاسراً، مثملما خرج مدحوراً من غزة قبل أكثر من عشر سنوات.
سؤال الناس في غزة عن الحرب لا يعكس الخوف بمقدار ما يعكس اهتمامهم بما يجري من حولهم، ويعكس حرصهم على المقاومة التي صارت كيانهم المعنوي، إلا أن تكرار السؤال في أكثر من مكان يعكس أيضاً تحسب الناس لقادم الأيام، وانعكاس الحرب على حياتهم، وعلى مستقبلهم، ووجودهم نفسه فوق هذا التراب، ولاسيما أن تهديدات قادة الكيان الصهيوني وعلى رأسهم نتانياهو قد أشعلت نيران الحذر والتشكك في نوايا الصهاينة.
ومع كل التهديدات الإسرائيلية، فإن المعطيات القائمة على الأرض تؤكد أن لا حرب جديدة على غزة في هذه المرحلة بالذات، ولاسيما أن الوضع السياسي بشكل عام، هو الأكثر راحة للعدو الإسرائيلي، ويضمن له تحقيق أطماعه الاستيطانية في الضفة الغربية، ويضمن له تحقيق أهدافها الاستراتيجية في المنطقة ككل، لذلك فإن نشوب الحرب على غزة قد يفقد الإسرائيليين ميزة التنسيق الأمني في الضفة الغربية، وقد يضاعف من غضب الجماهير هنالك، وقد يحرك التنظيمات لتنفيذ عمليات مقاومة في العمق الإسرائيلي، كما أن الحرب على غزة لا تضمن للإسرائيليين استمرار حالة الهدوء والاستقرار المزيف داخل الأردن ومصر، ولا تضمن مواصلة الصمت العربي إلى الأبد، والحرب على غزة لا تخلو من غضب وانتقاد شعبي في اوروبا؛ قد تكون له آثاره السلبية على الكيان الصهيوني نفسه، والأهم من كل ما سبق، فالحرب على غزة غير مضمونة النتائج، وقد تنجم عنها مفاجآت يعجز الإسرائيليون عن تقديرها، وتفقد الجيش الإسرائيلي هيبته، وتظهره عاجزا صاغراً أمام تنظيمات فلسطينية محاصرة.
الحرب على غزة لم تعد لعبة أطفال كما قال قادة الكيان الصهيوني، والحرب على غزة لم تعد قراراً بيد رئيس الأركان، أو وزير الحرب الإسرائيلي، ليعطي الأوامر لطائراته بالانطلاق لتدمير أهدافها، وتعود سالمة، فطالما كانت الجبهة التي سيحارب فيها الجيش الإسرائيلي هي منطقة مغلقة، ومعتمة، وتختفي خلف أستار من السرية والصمت، ولا تسريب فيها للمعلومات، ولا عملاء يمهدون الأرض للجيش الإسرائيلي، فإن قرار الحرب ينتقل من يد الجيش الإسرائيلي إلى يد المخابرات والأجهزة الأمنية التي تفتش عن ثغرة ينفذ منها الجيش إلى أرض غزة، ولهذا تصير القيادة السياسية أكثر عقلانية وحكمة وهي تقيس الربح والخسارة بميزان الوجود الإسرائيلي نفسه على هذه الأرض المغتصبة.
وحين تسأل القيادة السياسية في إسرائيل نفسها: ماذا سنحقق من الحرب على غزة؟ ويكون الجواب: سنحقق مزيداً من قتل المواطنين، والمزيد من تدمير البيوت، والمزيد من قصف الأبراج السكنية، والمزيد من تهجير السكان، مع المزيد من الأحقاد والكراهية والاستعداد للانتقام، وكل ما سبق لن يسهم في تصفية للمقاومة، ولن يساعد على احتلال الجيش الإسرائيلي لموقع واحد للمقاومة، تعلق عليه أعلام النصر، وسيقف الجيش الإسرائيلي عاجزا ًعن اختراق صفوف المقاومين، أو اقتلاعهم من الأرض، ولن يهزم فكرة المقاومة التي ستنتقل عدواها إلى الضفة الغربية والمحيط العربي، مع إمكانية تعرض التجمعات السكانية في إسرائيل إلى القصف مع إخلاء عشرات المستوطنات، وفرض منع التجول على ملايين اليهود في المدن الكبرى، وإغلاق أجواء إسرائيل بفعل صواريخ المقاومة، مع وقوف الجيش الإسرائيلي عاجزاً عن الحسم السريع، والسيطرة التامة على ساحة القتال حتى بعد أكثر من خمسين يوماً من المعارك.
وقبل أن تتخذ أي حكومة إسرائيلية القرار، ستدقق في الواقع، وستقلب صفحات الحرب وستقرأ نتائجها، ليكون قرارها هو تأجيل قرار الحرب طالما لم تكن إليها ضرورة ملحة.
كل ما سبق من موقف يعتمد على قراة الواقع، والتحليل والتقدير، ولكن قرار الحرب قد يتجاوز الواقع، لتتفجر الأوضاع نتيجة خطأ التقدير، أو سوء الظن بالآخر، أو الحرب الوقائية، أو نتيجة خدعة محكمة تم إعدادها في ليل.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 22 / 580860

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع فايز ابو شمالة   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010