الثلاثاء 7 نيسان (أبريل) 2015

لا وجود ل”مجتمع إسرائيلي”

الثلاثاء 7 نيسان (أبريل) 2015 par د. فايز رشيد

هل تنطبق كلمة مجتمع على مستوطني الكيان؟ كلا بالطبع . ودليلي ما سأعرضه في هذه المقالة، ذلك لأنني أقرأ هذه الكلمة في الأدبيات والصحف والمجلات العربية بما فيها أحزاب وطنية تقدمية وقومية ديمقراطية عربية للأسف! . مردّ ذلك لا ل"حنبلية" مني وليس "تطرفاً" مثلما وصَف مقالاتي أحد الأصدقاء . نعم أولي أهمية ودقة كبيرة في استعمال المصطلحات في وصف هذا العدو الغاشم . العدو لكل ما هو تقدمي وإنساني على وجه البسيطة . العدو الذي لا يفهم سوى لغة القوة . العدو الذي سيحمل عصاه على كاهله وينصرف عن أرضنا الفلسطينية العربية الكنعانية الخالدة . ينصرف عن كل الأرض الفلسطينية من الناقورة حتى رفح، ومن النهر إلى البحر وكل مياهنا الإقليمية . لا تعايش مع هذا الكيان فقد مات حل الدولتين ولا مكان لحل الدولة الديمقراطية الواحدة ولا للأخرى ثنائية القومية .
إذا راهنّا على الحل الأخير نصبح كمن يراهن على أن يتسلم شيخ إسلامي منصب بابا الفاتيكان! ذلك لأن السؤال المطروح والحالة هذه: هل يمكن لحركة ما بعد عنصرية في فكرها الأيديولوجي الصهيوني التوراتي البشع، والما بعد فاشية في نهجها اليومي أن تتحول إلى حركة تقدمية؟ سؤال أطرحه على كل من يعتقد إمكانية هذا الحل .
الدولة التي نطمح إليها هي: الدولة الفلسطينية الديمقراطية العربية الخالصة، ولا مجال فيها لليهود إلا لأولئك الفلسطينيين الأصل . . أما المهاجرون فليعودوا من حيث أتوا . من هجّرهم إلى فلسطين هو المسؤول عن إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية التي هاجروا منها ولسنا نحن، وكل مستوطني الكيان لديهم جنسية مزدوجة . إذا كان ما أطرحه (حُلُما) . . فلم يحلم أحد بانهيار الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية في أشهر قليلة . إذا كان ما أطرحه (تطرفاً) فنعمَ هذا التطرف، فأنا وكثيرون مقتنعون به وعن وعي ودراسة وبحث ومتابعة لكل ما يجري في الكيان وليس لمجرد انعكاس لرغائب كتابية .
بالنسبة لموضوع عنوان المقالة: "المجتمع" وفقاً لكل المدارس الاجتماعية والاقتصادية الفلسفية وانسجاماً مع علم الاجتماع يُطلق على مجموعة كبيرة من الناس تعيش في بقعة جغرافية معينة، ترتبط وتترابط فيما بينها بإرث تاريخي واجتماعي وثقافي وحضاري واقتصادي مشترك يحتوي في مكوناته على اللغة والعادات والتقاليد والهموم والاهتمامات التي تعمل على تطوير هذه الثقافة المشتركة والقادرة على خلق الوعي العام المشترك (فالوعي أولاً وأخيراً هو انعكاس للواقع) والتي بالتأكيد تطبعُ هؤلاء الناس جماعة وأفراداً بصفات عامة مشتركة: الشخصية العامة لديهم، والهوية المشتركة لهم .
كل ما قلناه، متوافر في المجتمع العربي الواحد من المحيط إلى الخليج مع خصوصيات، اختلاف اللهجة وبعض العادات والتفاصيل الأخرى بحكم الجغرافيا والبيئة لكل موقع جغرافي، لكن على أساس لغوي وحضاري، وتاريخ عام مشترك، يجمع الكل في بوتقة واحدة . قبل سايكس - بيكو كانت فلسطين والأردن وسوريا ولبنان تندرج تحت اسم واحد: بلاد الشام . كذلك هو شبه الجزيرة العربية وبلاد الرافدين وشمال إفريقيا . الآن المطروح هو المزيد من التقسيم . ما نعنيه، أن انطلاق مفهوم "الدولة العربية" كان في سياق تطور طبيعي للمفهوم . قديماً كانت هناك "الدولة العربية الواحدة" .
مع بدء ظهور "المفهوم القومي" في أوروبا، تفتّقت قرائح العديد من الدول الأوروبية في ذات الفترة، لا سيما بعد تطور "المجتمع" إلى حقبته "الصناعية" وايجاد الفائض المالي والسِلعي الذي يحتاج إلى أسواق جديدة، إضافة بالطبع إلى الطموحات الاستعمارية القديمة، تفتّقت الذهنية الأوروبية عن مشاريع استعمارية للوطن العربي . في خضم تلك المشاريع جرى الاتفاق في مؤتمر كامبل ? بنرمان عام 1907 بين الدول الاستعمارية على "زرع دولة في فلسطين تكون صديقة للدول الاستعمارية وعدوّة لسكان المنطقة"، ذلك لمنع توحيد وتلاقي شطريها الآسيوي والإفريقي .
إن مفهوم "المجتمع" يستحيل أن ينطبق على تجمع استيطاني موزاييكي ما زال بعد ما يقارب السبعة عقود على تركيبه يعجّ بالتناقضات الإثنية والقومية والاجتماعية بين فئاته المكوّنة . . فما الذي يجمع بين اليهودي الإثيوبي والآخر الإستوني والثالث العربي؟ التجمع الاستيطاني الصهيوني يعاني تصدعاً اجتماعياً نظراً لاختلاف أصول وتاريخ ولغات وحضارة مكوناته، وبالتالي لا يمكن وليس من العلم في شيء إطلاق كلمة "مجتمع" على هذه المكونات الإثنية المختلفة . مفهوم "المجتمع" بحاجة إلى وحدة عناصر مكوناته، هذه الوحدة مفقودة ولن تتوافر مطلقاً في التجمع الاستيطاني لهذا الكيان حتى لو عاش -لا سمح الله- لمئات السنين .
ربما من حق البعض للرد على ما أقول، أن يستشهد بالتجربة الأمريكية والقول: إنه مع مضيّ السنوات نشأ ما يسمى ب"المجتمع الأمريكي" وبالتالي ما ينطبق على أمريكا ينطبق على الكيان، في الرّد نقول، إن الفارق بين التجربتين واضح من خلال أن أغلبية المهاجرين إلى أمريكا اختاروا الهجرة إليها بشكل طوعي بحثاً عن المال والذهب واكتشاف العالم الجديد، باستثناء من حملوهم عنوة إلى أمريكا من السود . حتى هذه اللحظة وبعد ما يزيد على مئتي عام على تشكيل أمريكا، فإن التمييز العنصري ما يزال قائماً فيها .
الكيان الصهيوني يفتقد إلى أدنى حدود الوحدة الثقافية بين مكوناته (وهي الشرط اللازم لانطباق كلمة المجتمع على فئة بشرية معينة) . في عام 1948 جمع ديفيد بن غوريون كل استراتيجيي الحركة الصهيونية والكتّاب الذين كانوا بين المستوطنين المهاجرين اليهود الى فلسطين وطلب منهم "صهر الثقافات المتعددة" للمهاجرين الجدد، وخلق "الثقافة اليهودية - الإسرائيلية الواحدة" . ما الذي حصل بعدها؟ بعد ما يزيد عن الستة عقود ونصف على الإنشاء القسري لهذا الكيان المصطنع، هل تولّدت الثقافة الواحدة لديهم؟ الجواب كلا، بل من المستحيل إيجاد هذه الثقافة، لأن كل ثقافة لها خصوصياتها المحدّدة لهويتها، وهي تنشأ وتتراكم بفعل عوامل مختلفة، ووفقاً لما تجتازه من مراحل زمنية، وحتمية ارتباط هذه الحقب بما مرّت وتمر به هذه الثقافة من ظروف: استعمار، نهضة وغيرها . يمكن مطالعة بحث الشهيد المبدع غسان كنفاني تحت عنوان "في الأدب الصهيوني"، ودراستين لكاتب هذه السطور، الأولى تحت عنوان "الحالة العربية أزمة ثقافة أم مثقفين" والثانية بعنوان "انعدام وجود الثقافة اليهودية الواحدة"، وقد ورد البحثان في كتاب "ثقافة المقاومة" .
يبقى القول: إذا كان التجمع الاستيطاني في الكيان يفتقد عوامل بناء "مجتمع" فكيف نستطيع إطلاق هذه الكلمة على تجمعه الاستيطاني الصهيوني؟ سؤال برسم كل الذين يرددون هذه الكلمة/المفهوم .


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 19 / 565583

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع فايز رشيد   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010