الجمعة 16 حزيران (يونيو) 2017

لا "سِلفي" في عين حوض

الجمعة 16 حزيران (يونيو) 2017 par د.احمد جميل عزم

"يُحكى" أنّه مع عصر الهاتف الخلوي الحديث، لم يعد أغلب الناس يعيشون اللحظة بل يوثقونها. ينشغلون بالتصوير، ووصل الأمر أن يقوم البعض بالتقاط صور ذاتية، "سِلفي" أثناء حادث مروع أو كارثة طبيعية، ليروجها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فقد أصبح الأمر هوَساً.
جلسنا، مجموعةَ أصدقاءٍ، أمام بيت في قرية عين حوض الفلسطينية، جنوب حيفا، وكان وقع المشهد أكبر من التفكير بتصويره. عندما وصلنا هناك، كان الجمال والاكتشاف قد أرهقانا بالفعل.
بيت حجري، قديم، (فيلا من طابقين) تطل من فوق سوره العالي، شجرة برتقالية الزهور، خلابة الجمال، لم ير أحدنا مثلها سابقاً.
في تلك اللحظة وصلت أحدنا رسالة "واتس آب"، من عمّان، من صديق مولع بشعر محمود درويش، فتذكر حينها أن يلتقط صورةً للبيت، ولكن لم يتصور معه. وأرسلها إلى عمّان، مع عبارة "أنا في عين حوض"، فجاء الرد مُعلِقًا على الصورة "يا الله"، وأضاف "يجب أن أتصل مع أصدقائي آل أبو الهيجا، ليتصلوا معك ويحمّلوك السلام للمكان وأهله.."، وتابعَ "وحيفا من هنا بدأت.. وأحمد سُلّم الكرمل".
تطل من على ارتفاع يسير على البحر، وتحيطها روابٍ خضراء. تمر بشوارعها كأنّك في ضاحية جميلة بنيت بتصاميم هندسية متكاملة، كوحدة واحدة، بيوتٌ من الحجر البارز، وشوارع وأدراج حجرية، وزهور وورود بالغة التنوع والتلوّن، وكل ذلك كما كان عام 1948.
ستجد على موقع "ويكبيديا" بالانجليزية، صفحتين، الأولى بعنوان Ein Hod، وأخرى Ein Hawd.
في بداية عين حوض، مسجدُ القرية، أمّا القصة المكتوبة عليه فهي أنّه مطعم، وأن اثنين من (يهود) الأرجنتين، أحبا بعضهما هناك، وجاءا ليفتتحا مطعماً هنا، لأكل اللحم وشرب الخمر.
ما ستجده عن عين حوض (Hawd) على الانترنت، أنّ غالبية أهل القرية هُجّروا بعيدا، ولكنّ جزءًا استطاع البقاء، فبنوا قريباً، قرية أحاطها المستعمرون بالأسلاك الشائكة، وأسموها في البداية "كفر أبو الهيجا"، حتى استطاع أهلها تثبيت اسم (عين حوض) عام 1978، ثم انضموا لرابطة القرى العربية غير المعترف بها، وحصلوا على الاعتراف فقط عام 2005، وبالتالي الحصول على الكهرباء، لكن ليس العودة لقريتهم.
بينما كنا نجلس بصمت أمام البيت، أطل من داخله شاب، خمّنا أنه عربي، وحاول أحدنا دفعه للحديث، بالقول "هل أنت صاحب البيت؟"، فرد مستغربا السؤال، بالنفي. واتضح أنّه بالفعل من أهلها الأصليين يعمل بترميمها لصالح "الفنانين"، ولا يقطنها.
بعد إسكانها لفترة قصيرة، بمستعمرين من تونس والجزائر، عام 1948، ما لبثوا أن غادروا، يدّعي "فنانٌ" صهيوني أنّه أنقذ القرية من الهدم عام 1953، باقتراح أن تكون "مستعمرة فنيّة"، يسكنها الفنانون.
في جدل أحدنا مع "فنانة" أمام بيت في القرية، سألها إن كانت تعرف أنها تسكن بيتا مسلوباً، وأنها ستحاسب قانونياً يوماً، ردت أنها أضافت للبيت جزءا (كان بادياً بشعاً اسمنتياً رخيصاً ألصق بالحجر). قال لها الصديق، "هذا لا يحل مشكلتك".
قبل الخروج من القرية، كانت "فنانة" تقف أمام بيت، حيّاها الشاب العربي الذي صحبنا ليرينا مقبرة القرية وبيت جده، فدعت المجموعة بابتسامة، لزيارة الاستديو الخاص بها. يقوم "فنّها" على تمزيق الكتب القديمة واستخدام أغلفتها وصفحاتها، لما تسميه أعمالاً فنية. قالت رداً على سؤال صديقتنا، إنها لا تبالي إن كان الكتاب عربياً أو سوى ذلك، فهي لا تهتم بالنص. سألَتها هل تعرفين عن عشرات آلاف الكتب التي سرقت من بيوت العرب عام 1948، فتوترت. قالوا، نريد أن نأتي هنا لنقيم عملاً فنياً، فابتسمت وسألت ماذا؟ قالوا، سنضع لوحة أمام بوابة كل بيت، باسم مالكه الحقيقي، فتوترت وقالت، أنا أيضاً عانيت، وسردَت شيئاً عن أسرتها من اليمن وهولندا، فرد أحدنا "لست مسؤولاً عن معاناتك.. أنت مسؤولة عن معاناتي وعن هذا الشاب". ردت، أنتم جئتم تخربون حياتنا، نحن ننظر للمستقبل وليس للماضي. ثم قالت "أنتم غير مرغوب بكم هنا".
في صورة "السِلفي" يظهر ما خَلفك، وهؤلاء "الفنانون" لا يريدون رؤية ما خلفهم من ماضي، بحجة المستقبل، ويحضّون مثل هذا الشاب على ذلك باعتبارها "العقلانية"، لا يريدون رؤية صورتهم. أمّا الأصدقاء فانطبع المشهد في وجدانهم حد عدم الحاجة للصورة.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 37 / 581688

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع احمد جميل عزم   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010