الأربعاء 25 أيار (مايو) 2011

لماذا انتصرت ثورات وتعثّرت أخرى؟

الأربعاء 25 أيار (مايو) 2011 par مصطفى بسيوني

قبل انقضاء شهر واحد من بداية الاحتجاجات التي أطلقها استشهاد محمد البوعزيزي في تونس، كان زين العابدين بن علي يلوذ بالفرار معلناً استسلامه أمام الثورة التونسية. الثورة المصرية كانت أسرع في الحسم، فلم يستغرق مبارك سوى ثمانية عشر يوماً، ترك بعدها العرش الذي جلس عليه ثلاثين عاماً. الحسم السريع للثورتين التونسية والمصرية فتح أبواب الأمل للشعوب في المنطقة للتحرك، محاولة إزاحة رموز الاستبداد والحكام الجاثمين. فانطلقت الثورات في ليبيا واليمن والبحرين وسوريا. ولكن ما حُسم سريعاً في تونس ومصر، بدأ يتعثّر في باقي البلدان التي اشتعلت بالثورات. فقد مرّ شهر تلو الآخر على اندلاع الانتفاضات في عدد من الدول العربية عقب الثورتين التونسية والمصرية، وتزايدت التوقعات بتتابع سقوط الأنظمة العربية. لكن ما حدث أن الأمر لم يستمر بالطريقة نفسها التي سار بها في تونس ومصر، ولم يسقط حتى الآن نظام عربي ثالث بفعل الثورة. من الممكن بالتأكيد الحديث طويلاً عن ظروف كلّ ثورة والعوامل التي أسهمت في نجاح ثورات وتعثّر أخرى. ومن هذه العوامل: الأوضاع القبلية والطائفية وموقف القوات المسلحة والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وعلاقة النظام بأميركا و«إسرائيل» والحالة الجماهيرية السابقة على الثورة، وغير ذلك من العوامل التي تؤثر سلباً وإيجاباً في مسار الثورات، وهي عوامل هامة بالفعل، ولا يمكن تجاهل أيّ منها. لكنّ هناك أيضاً عاملاً هاماً ظهر في الثورتين المصرية والتونسية وارتبط ظهوره بالحسم، وخاصة في المراحل الأخيرة قبل سقوط النظام، وغاب عن باقي الثورات التي تبدو إلى الآن متعثرة. هذا العامل هو الحركة العمّالية. ففي تونس، كانت الحركة العمالية قد بدأت بالصعود قبل الثورة، وكانت أحداث الحوض المنجمي في قفصة عام 2008 علامة فارقة في الحركة العمالية التونسية، وتلاها إضرابات الأطباء والمعلمين وعدد من القطاعات العمالية. كما كانت النقابات العمالية التونسية حاضرة بوضوح منذ بداية الأحداث. فرغم أن قيادة الاتحاد التونسي للشغل لم تبادر إلى اتخاذ موقف واضح في البدء، إلا أن النقابات الفرعية - سواء القطاعية أو الجهوية - أدت دوراً بارزاً في الاحتجاجات. ثم كان إعلان الإضراب العام في الأيام الأخيرة قبل هروب بن علي الذي حسم المعركة. والمفارقة أن عبد السلام جراد، الأمين العام للاتحاد التونسي للشغل، كان آخر الشخصيات التي التقاها بن علي قبل هروبه مباشرة. والاتحاد التونسي للشغل يتميز من بين أغلب التنظيمات النقابية في الدول العربية بأنه تأسّس في خضمّ الحركة العمالية والوطنية قبل الاستقلال، لا بقرار من السلطة السياسية مثل أغلب التنظيمات العربية. لذلك فهو أكثر استجابة للحركة العمالية.

ورغم أن اتحاد العمال الرسمي في مصر لم يكن له دور داعم للحركة العمالية مثل الاتحاد التونسي، إلا أن الحركة العمالية في مصر أدّت دوراً هاماً في تمهيد الأرض أمام الثورة. فمنذ نهاية عام 2006، انطلقت الحركة العمالية في مصر وتفجرت مئات الإضرابات في أنحاء الجمهورية. وفي بعض التقديرات، كان عدد العمال الذين أضربوا عن العمل بين 2006 و2009 يزيد على مليوني عامل. ويمكن القول الآن إن تحطيم صور مبارك في انتفاضة مدينة المحلة العمالية عام 2008 للمرة الأولى طوال حكمه، هي الإشارة الأولى إلى الثورة المصرية. كما كانت المدن العمالية مثل المحلة والسويس والقاهرة والإسكندرية هي الأكثر تفجراً خلال الثورة. ورغم أن الإضرابات العمالية لم تحضر بقوة في الأيام الأولى للثورة بسبب حظر التجوّل الذي كان يشمل أغلب ساعات اليوم، فإنّها سرعان ما انتشرت بشكل لم تشهده مصر من قبل بمجرد تقليص ساعات حظر التجوّل في الأيام الأخيرة للثورة. وبدا ساعتها أن النظام لا يمكن أن يستمر مع دخول أغلب مواقع العمل في إضرابات. لم تنظم أو تدعُ أي جهة نقابية أو غير نقابية الى الإضراب العام في مصر خلال الثورة. ومع ذلك، ما جرى في الأسبوع الأخير لم يكن أقلّ من إضراب شامل جعل الثورة تتجاوز الطابع المركزي في ميدان التحرير والميادين الرئيسية في المحافظات وتنتشر في مواقع العمل ليصبح الخيار الوحيد أمام مبارك هو ترك السلطة. أدت الحركة العمالية في مصر وتونس، رغم الاختلاف بينهما، دوراً حاسماً في هزيمة النظام في كلا الثورتين.

لكن ما يؤكد هذا الدور الحاسم للحركة العمالية في الثورة ليس فقط مجرى الأحداث في مصر وتونس، ولكن أيضاً مسار الثورات التالية. فالواضح أن ليبيا والبحرين واليمن وسوريا لم تتدخل بها الحركة العمالية بثقل حقيقي إلى جانب الثورة. وتختلف أسباب غياب الحركة العمالية عن الثورة أو ضعفها في تلك البلدان. ففي البحرين، مثلاً، تمثّل العمالة المهاجرة من بلدان آسيوية وأفريقية وعربية الجزء الأكبر من عمالها. وعلاقة تلك العمالة بالمجتمع البحريني وأوضاعه السياسية علاقة مؤقتة وليست دائمة. الأمر نفسه ينطبق على ليبيا، وإن بدرجة أقل. أما اليمن، فحركتها العمالية والنقابية تتداخل فيها التقسيمات القبلية والجغرافية، كما أنها لم تشهد تحرّكات عمالية ذات شأن في الفترة السابقة. وفي سوريا، يخضع التنظيم النقابي بالكامل للحزب الحاكم. وهو وضع متكرر في أغلب الدول العربية، لكن سوريا لم تشهد في الفترة السابقة أيضاً حركة عمالية صاعدة ومستقلة عن التنظيم النقابي الرسمي، كتلك التي شهدتها مصر.

لأسباب أو لأخرى، غابت إذاً الحركة العمالية حتى الآن على الأقل عن المشهد الثوري في الدول التي تفجرت فيها الانتفاضات الثورية بعد مصر. وقد يكون من الصعب ظهورها في المشهد في بعض تلك الدول لظروفها الخاصة. لكن الأحداث أكدت أهمية الحركة العمالية لحسم الثورات. تأكد ذلك بالإيجاب في مصر وتونس، وبالسلب في ليبيا والبحرين واليمن وسوريا. والنتيجة التي نستطيع التوصل إليها ليس أن الثورات المتفجرة اليوم ستستمر في تعثّرها بسبب غياب الحركة العمالية، ولكن يمكن صياغة النتيجة بإيجابية أكثر عندما نقول إن ظهور الحركة العمالية في المشهد في هذه البلدان إلى جانب الثورة ضروري لحسمها، وخاصة في سوريا واليمن.

لقد جرى تضخيم الكثير من الأدوار في الثورات العربية، منها دور الإعلام ووسائل الاتصال الحديثة والمؤسسة العسكرية وحتى الدعم والتأييد الخارجيان، وهو ما يدفع الثورات العربية في الاتجاه البرتقالي. وفي الوقت نفسه، جرى تجاهل دور الحركة العمالية سواء عمداً أو عفواً، وهو ما ينزع أيضاً عن الثورات بُعدها الاجتماعي والاقتصادي، رغم أن مفجّرها كان العاطل من العمل الذي أشعل النار في نفسه. لكن النظرة المنصفة للأحداث تؤكد الدور الحاسم في الثورات العربية. وهنا لا يقتصر دور الحركة العمالية على حسم الثورة في ليبيا والبحرين واليمن وسوريا فقط، بل إن دورها أكبر في تونس ومصر. فالطبقة العاملة هي الوحيدة القادرة على حماية الثورة من محاولات السيطرة عليها واختصارها في مجموعة من الإصلاحات السياسية، مع استمرار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية نفسها.

تلقي الأحداث بمسؤوليات جسيمة على حركة عمالية أرهقها الاضطهاد والقمع من الأنظمة المستبدة والتجاهل من النخب السياسية لعقود طويلة. ومع ذلك، استطاعت أن تحقق مفاجأة لم يدركها الجميع عندما حسمت الثورة في تونس ومصر. لذا، فإن تدخلها لحسم ما تعثّر من ثورات وحماية وتوجيه ما أنجز منها لن يحمل أي مفاجأة.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 15 / 575053

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010