الأحد 9 أيار (مايو) 2010

عندما يتعقل الصهاينة!

الأحد 9 أيار (مايو) 2010 par عبداللطيف مهنا

كلهم صهاينة حتى العظم، ويتقدمهم كبار الصهاينة الأوروبيين المعروفين في طول القارة وعرضها، ومنهم من شهرته جالت في العالم، وكل ما يخشونه هو اتهامهم بما ينتقص من صهيونيتهم، فكان أن ألحوا عليها وأصروا في تأكيدها بدايةً ونهايةً في متن ندائهم. بيّنوا بما لا يترك لبساً أن منطلقهم إذ يطلقونه هو الحرص على إسرائيلهم، ودافعهم هو تثبيت وجودها، وكان ترجمة لهاجسهم ومبعث قلقهم، الذي هو أولاً وأخيراً خشيتهم على مصيرها. وعليه اختاروا، في رمزية مقصودة، مقرّ البرلمان الأوروبي في بروكسل لإطلاق دعوتهم هذه للإسرائيليين للتعقل. أو ما أطلقوا عليه "نداء العقل"، ولم ينسوا أن يوضحوا لهم أن هدفهم من هذا النداء هو "اسماع صوت يهودي متضامن مع دولة إسرائيل، ومنتقد لها فيما يتعلق بالخيارات الحالية لحكومتها"، أو إشعارها ببعض الاتجاه نحو الكف عن إبداء التأييد التلقائي المعتاد لكل فعائلها وسياساتها... لماذا؟

لأن هؤلاء العقلاء الصهاينة، أو الأذكياء، يرون ما لا يراه، أو لا يريد أن يراه، مجانين إسرائيل، أو أغبيائها... يرون أن المشروع الصهيوني بلغ حدود قدرته التوسعية القصوى، وأخذ يصطدم بحقيقة عجزه عن تحقيق هدفه الاستراتيجي والمصيري، وهو تغييب نقيضه الفلسطيني، أو الذي أقام إسرائيله على أنقاض فلسطينه، وفشله في نفي وجوده. أنه ذات الأمر الذي تجيء "جي كول" الأوروبية بعد "جي ستريت" الأمريكية منذرةً ومحذرةً مما سيؤول إليه مصيره... يرون ما يراه العالم من أن المشروع الإمبراطوري الأمريكي في المنطقة والعالم يتراجع ولم تعد المسألة في حاجة إلى براهين... يحسون أكثر من أي وقت مضى أن أوروبا الشعبية تشهد تململاً متصاعداً يعبر عن ضيقها من ابتزاز طال أمده، وعدم احتمالها لتكفير عن ما كانت قد اقترفته فاق حدّه، وانزعاجها من ارتكاب ضحاياها اليوم بمساعدة منها في حق ضحاياهم ما هو أسوأ مما هي ارتكبته بحقهم بالأمس... ولأن المتعقلين هؤلاء هم في أوروبا فهم يدركون من موقعهم خطورة نبض الشارع الأوروبي أكثر من أولئك المجانين الذين ينادونهم... ويرون أنهم يفهمون أكثر منهم تسارع عجلة المتحول الكوني... ويحاولون أكثر منهم تلمس توجهات أقدار التاريخ و خواتيم استحقاقات الجغرافيا، ولا يفوتهم أن سابق الحال استمراره مستقبلاً هو ضرب من المحال... العقلاء يرون أن أي شيء يدعى "سلام" الآن، أو ما يمكن فرضه، أو تمريره في ظل موازين القوى الكونية والإقليمية القائمة وواقع الحال في فلسطين المحتلة، هو يصب لصالح إسرائيلهم، وأي استمرار للصراع في ضوء متحولات المستقبل وحقائق التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا إنما هو في غير صالحها ويعني نهايتها. لذا تعقلوا، ولهذا سارعوا ينذرون ويحذرون مجانينهم من مغبة شططهم وتعنتهم، أو تفويتهم الفرصة لفرض سلامهم ... والآن، نظرة إلى ما جاء في ندائهم، من شأنها أن ترينا الفرق بين عقلاء الصهاينة ومجانينهم:

أول ما همهم قوله كان: أن "ارتباطنا بدولة إسرائيل هو جزء من هويتنا"... بمعنى صهاينة نحن وإن كنا أوروبيين، أو صهاينة أولاً، وزيادة في التأكيد على هذا يضيفون: "نحن ملتزمون بمستقبل دولة إسرائيل التي نلتزم بها إلتزاماً لا يتزعزع"، والتي نرى أنها تواجه "تهديدات وجودية"... ممن، وما كنهها؟!

"من أعدائها الخارجيين، لكننا نعرف أن الخطر يكمن أيضاً في الاحتلال ومواصلة الاستيطان"، ولأن المبالغة في التعنت فيما يتعلق بالسياسات التي تنتهجها إسرائيل الآن احتلالياً واستيطانياً وتصرّ على مواصلتها وفرضها "هي خطأ سياسي وأخلاقي"... لماذا؟!

قبل الإجابة، لا يفوتنا ملاحظة عدم الإشارة من قريب أو بعيد للفلسطيني كضحية لمجزرة مستمرة يديرونها، عقلاء ومجانين ومن ورائهم، منذ قرابة القرن، ولا للجريمة الصهيونية المجسدة في فلسطين منذ 62 عاماً المسماة إسرائيلهم، لذا يأتي الآن تعبير "خطأ أخلاقي" ليخصّ فحسب آخر مراحل سياسات تهويد فلسطين وابتلاع ماتبقى منها، في القدس والضفة، وشراسة تطبيق السياسات الاحتلالية الراهنة، وفجاجة الاشتراطات الإسرائيلية المتعلقة بآخر تجليات المفاوضات التي تصب في صالحهم هي أقرب إلى النكتة.

أما لماذا هو عندهم "خطأ سياسي وأخلاقي"، لأنهم يرون أن هكذا سياسات إسرائيلية "تغذي العملية غير المقبولة التي تواجهها إسرائيل في الخارج وتؤدي إلى نزع الشرعية عنها"... وهل من شرعية لكيان استعماري إحلالي غاصب؟!

أصحاب النداء العقلاء يهمهم تخليص إسرائيل المجنونة من أزمتها المتمثلة في أنها ستواجه قريباً "خيارين كارثيين بالدرجة عينها: إما تصبح دولة حيث يكون اليهود أقلية في بلدهم، وإما تنشئ نظاماً يكون وصمة عار لها ويتسبب بتململ اجتماعي"...

هذا كل ما همهم واقلقهم، وهنا لا فرق بينهم وبين المجانين، أو من هم من أمثال نتنياهو وليبرمان وعباديا يوسف، عندما يقولون "في بلدهم" التي لا تختلف عن القول "أرض إسرائيل"، وعندما يقولون "تململاً اجتماعياً" حتى لا يقولوا مقاومة وطنية فلسطينية... وحيث يؤكدون "أن هدفنا هو بقاء إسرائيل كدولة يهودية"، وإذ لا يفوتهم إيضاح أن "الدعم الكامل لسياسة الحكومة الإسرائيلية محفوف بالمخاطر، ولا يخدم المصالح الحقيقية لدولة إسرائيل"، يوجهون ندائهم إلى حماة ورعاة ومتكفلي إسرائيل قائلين: "لذلك من الضروري أن يمارس الاتحاد الأوروبي إلى جانب الولايات المتحدة ضغطاً على الطرفين ويساعدهم على التوصل إلى حل منطقي وسريع للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني"!

هنا هم يلقون ضوءاً على استهدافات مهمة المبعوث الأمريكي جورج ميتشل... لكن يفوتهم بدورهم ما فات سائر أطراف بازار التسوية المراد فرضها، وهو أن مسار التفاوض غير المباشر أو عبره الموصل إلى المباشر بين الاحتلال وسلطة رام الله بمباركة عربية رسمية سوف لن يفضي في ظل الراهن الإسرائيلي والعربي والفلسطيني إلا إلى الخيارين الكارثيين إياهما اللذين حذر هؤلاء العقلاء مجانينهم منهما، واللذين سوف يواجههما الفريقين المتفاوضين معاً بعد أن تحول الصراع العربي الصهيوني إلى النزاع الإسرائيلي الفلسطيني... لذا المجانين لديهم حلاً بدأوا في إخراجه من أدراج الاستراتيجية الصهيونية بدأت ارهاصات محاولات تطبيقه في الضفة منذ أيام، إنه الترانسفير!!!

... والآن ماذا كان رد المجانين الصهاينة على نداء العقلاء الصهاينة؟

نائب الكنيست أرييه الداد كان لسان حالهم عندما قال: أنه "لا ينبغي لإسرائيل أن تتعلم من يساريين في الداخل وشيوعيين في الخارج كيف تشق طريقها في عالم الذئاب"... آخرون اتهموا العقلاء الذين على رأسهم أبرز المفكرين الصهاينة بأنهم معادون للسامية!!!

... فماذا يقول العرب؟

هنا بدا وكأنما مقولة الصهيونية صهيونيتان، هذه التي كانت قد قادت فلسطينيي التسوية ومعهم القضية والنضال الوطني إلى ما هم فيه وما هي فيه اليوم من أزمة، تطل اليوم علينا مجدداً عبر التقاط البعض في الساحتين الفلسطينية والعربية للنداء، أو "جي كول" الأوروبي، وتضخيم اصدائه أو المتوقع لديهم منه، تماماً كما فعلوا عند سماعهم بأخيه وسابقه "جي ستريت" الأمريكي... لم يسأل أحد منهم نفسه هذا السؤال: ترى من هم الأخطر، مجانين الصهاينة أم عقلاؤهم؟

...أولسنا اليوم في أمس الحاجة إلى "نداء عقل" عربي... موجَّه، إذا ما شئنا تخفيفاً للتوصيف، إلى مجانين "الاعتدال" العربي؟!


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 7 / 574265

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010