السبت 24 تموز (يوليو) 2010

العدو بحجمه الحقيقي.. هل الأمة على طريق الزوال؟

السبت 24 تموز (يوليو) 2010 par نصر شمالي

انطلاقاً من دوافع متعدّدة ومتنوعة يوغل بعض العرب اليوم في ابتعادهم عن الطريق المستقيم، وفي إعلاناتهم وتصرفاتهم المنحرفة، وفي صفقاتهم المعقودة مع الصهاينة، الأمر الذي يعكس ظنونهم الآثمة بعدم جدارة الأمة بالنهوض والحياة، وبقابليتها للانقراض وفي جميع الأحوال يقتضي أمر هؤلاء إلقاء نظرة خاطفة على السياق التاريخي لمأساة الأمة العربية وأمم العالم عموماً في هذا العصر الصهيوني، لتقدير ما سوف يترتّب على انحرافاتهم وصفقاتهم مع الصهاينة من نتائج.

طيلة القرون الأربعة الماضية واظب الأنكلوسكسون البيوريتان على محاولاتهم صهينة العالم بمجمله، انطلاقاً من لندن بداية ثمّ من واشنطن ولندن لاحقاً، وهم مازالوا يحاولون حتى الآن. ومثل هذه المحاولات تتمّ مباشرة مستهدفة أوطاناً وشعوباً محدّدة، كما حدث في أمريكا الشمالية بالأمس وكما يحدث في فلسطين اليوم، أو مداورة كما هو الحال في استغلالهم الجانب الموضوعي الإيجابي من العولمة في تطوّرها الهائل، لتوظيف هذا التطور الطبيعي في عملياتهم من أجل صهينة العالم أجمع.

لقد حاول الأمريكيون اللوثريون الإنكليز استيطان فلسطين بأنفسهم منذ العام 1840، برعاية حكومتهم، وأقاموا فعلاً عدداً من المستوطنات الإنجيلية، لكنّ محاولاتهم فشلت تماماً، واقتنعوا بفحوى الإعلان البريطاني الذي صدر في عهد كرومويل عام 1649، الذي اقترح استيطان فلسطين بوساطة اليهود، حيث تكرار التجربة الأمريكية الشمالية، التي نجحت بعد إبادة حوالي 12 مليوناً من السكان الأصليين، بدت غير ممكنة في الوطن العربي. ثمّ كان الظهور المتأخّر جدّاً للكيان «الإسرائيلي» الذي ظلّوا يسعون لإقامته بلا كلل على مدى ثلاثمئة عام (1649- 1948) فبدا محاولة من المحاولات، وإن جاءت أخطرها وأفظعها.

إنّ الكيان «الإسرائيلي»، على الرغم من إنجازاته في العقود الستة الماضية، لا يزال مجرّد محاولة لم تبرهن على استقرارها وجدواها ونجاعتها، لا داخل فلسطين ولا في محيطها العربي، وإنّه لمن المؤكد أنّها ما زالت قابلة للانكفاء والتقويض، بدليل أنّ الولايات المتحدة اضطرت مؤخّراً إلى أن ترمي بكلّ ثقلها السياسي والإعلامي والعسكري في المنطقة العربية، متدخّلة مباشرة في كلّ شؤونها الكبيرة والصغيرة، بما في ذلك شؤون الكيان «الإسرائيلي» الذي كان المفترض به أن يغنيها عن الحضور والتدخّل المباشر، فخسر هذا الكيان هامشاً مهمّاً من حرّية حركته الذاتية التي تمتّع بها إلى حين، وجرى دمجه في العمليات الأمريكية ووضعه تحت إشراف وأوامر قائد المنطقة العسكري الأمريكي.

والحال أنّ عدم رؤية الصهيونية غير اليهودية في مستواها الأعلى، وفي شموليتها وتعدّديتها، أحدث بلبلة واسعة في البلاد العربية وفي العالم عموماً، وخلق إشكاليات مفتعلة معقّدة، ومظلمة مطلسمة، نجم عنها (عربياً وإسلامياً) هدر جهود عظيمة وأزمنة طويلة، حيث التشكيل الصهيوني اليهودي هو في الحقيقة والواقع فرع من الصهيونية الأعلى غير اليهودية، وهو يعود إليها بوجوده وليس العكس.

إنّ الصهيونية غير اليهودية، التي لا تشكّل الصهيونية اليهودية سوى فرع من فروعها (الفرع الأقوى والأهمّ طبعاً) هي بالضبط الرأسمالية/الإمبريالية الاحتكارية الربوية. ولكن من المعروف أنّ هناك من يخشى ويتجنب رؤية العدو بحجمه الحقيقي، فيجنح غريزياً نحو رؤيته مقتصراً على يهود الكيان «الإسرائيلي» المدعومين من يهود العالم والمسيطرين على أهمّ المواقع في هذا العالم، كما أنّ هناك من يدأب على فضح مؤامرة يهودية مستمرّة عبر العصور، منذ آلاف السنين وإلى الأبد، تستهدف جميع الأمم، وإنّ مثل هذا الرأي يستبعد بدوره رؤية العدو بحجمه الطبيعي، وهو يؤدّي بداهة إلى الضياع.

ولكنّ عدم رؤية العدو بحجمه الطبيعي، وعدم التعامل معه باسمه الحقيقي وعنوانه الحقيقي، لا يقلل أبداً من حجم فعاليته العدوانية، كما رأينا في الحربين الأخيرتين ضدّ لبنان وقطاع غزّة، حيث حضر حلف شمال الأطلنطي بقضّه وقضيضه ممثلاً بـ «الإسرائيليين» وتحت راياتهم، أي أنّ الأمة العربية تتعرّض لفعاليات النظام الرأسمالي الربوي الصهيوني العالمي وليس لفعاليات الكيان «الإسرائيلي» الذي هو مجرّد دولة حدود، ومهبط طائرات، ومحطة إنزال، وقاعدة أمامية متصلة اتصالاً يومياً وثيقاً بمصادر إمدادها الأطلسية. إنّ الفعالية العدوانية، العسكرية وغير العسكرية، للقاعدة «الإسرائيلية» كانت وما زالت وسوف تبقى فعالية مراكز الإمداد الأطلسية الضخمة، سواء رأينا هذه الحقيقة واعترفنا بها أم تجاهلناها خوفاً من حجمها.

إنّ الاعتراف بالحجم الطبيعي الحقيقي للعدو الذي تواجهه الأمة العربية يمكّننا من قياس مقدرة هذه الأمة على التحمّل والمقاومة وإحراز النصر، وإنّها لمقدرة معقولة جدّاً قياساً بحجم الضغط والتضليل العالمي والاضطهاد والتعطيل الداخلي. وفي المقابل يمكننا أن نتفهّم تلك البلبلة التي شاعت، وما ترتب عليها من انكفاء معنوي، والتي نجمت عن اقتناع الكثيرين خطأً أنّ الأمة تواجه الكيان «الإسرائيلي» وحده، وأنّ الخصومة تقتصر عليه وحده : كلّ مئة عربي يواجههم وينتصر عليهم «إسرائيلي» واحد فقط، تقريباً، أي أنّ عدم رؤية العدو بحجمه الطبيعي الحقيقي قلّص حجم الأمة العربية وقزّمها إلى مستوى الكيان «الإسرائيلي»، بل إنّ هذا الكيان (الصغير، الحديث، المحاصر، الشجاع، التقدمي!) بدا راجح الكفة دائماً في مواجهة أمة ضخمة، عريقة أو عتيقة، هي في مستوى الأمة الأمريكية من حيث الحجم البشري.

بناءً على ذلك فإنّ رؤية العدو بحجمه الطبيعي الحقيقي لا تزيد في عذابات الأمة وفي مقدار تضحياتها، بل تختصرها وتجعلها مجدية، كما حدث في العراق ولبنان وفلسطين مؤخراً، أمّا العكس فيترتب عليه العكس، حيث الأمم مثل الأفراد لا تهزم وتباد إلا من داخلها.

إنّ البعض، بسبب ما يحدث اليوم في العراق وفلسطين خصوصاً، يعتقد أنّ الأمة العربية على طريق الاضمحلال والزوال. يقال: إنّ العدو يستلّ روح الأمة، وهي تلفظ آخر أنفاسها فإذا كانت صهينة البلاد العربية قدراً لا مفرّ منه، حسب هذا البعض، فليبرهن بالوقائع على ما يؤكّد ذلك، كي يقرّر الناس مصائرهم، فيهاجر من يهاجر ويتكيّف من يتكيّف وينتحر من ينتحر! ولكنّ الأكثرية الساحقة، المكمّمة المكبّلة المعذبة، لا تشارك هذا البعض اعتقاده، وإن أقرّت أنها تعاني أشدّ المعاناة، والفارق كبير وحاسم بين من يعتقد أنّ أمته تحتضر مستلقية، وبين من يعتقد أنّها تعاني متأهبة، حيث الاحتضار السريري يفضي إلى الموت، أمّا المعاناة الميدانية فهي الثمن الواجب الأداء للخلاص المؤكد.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 34 / 581949

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010