الجمعة 20 أيلول (سبتمبر) 2013

’الجماعات’: تواطؤ الكهوف والقصور

الجمعة 20 أيلول (سبتمبر) 2013 par محمد قواص


حتى إشعار آخر ستبقى حركة الجماعات مؤشر الجميع في السياسة والدبلوماسية والأمن والعسكر. سيبقى الجهاديون سببا لسياسات وسببا لتبدّل سياسات.
تزدهرُ في العقود الأخيرة «تجارة» مكافحة الجماعات الجهادية، بحيث يتم في ذلك السياق تسويق ما تيسّر من بضائع وفظائع من قبل الموردين المحليين والدوليين. ولئن كان سلوك الجماعات الجهادية منذ ما قبل تنظيم القاعدة انتهاء بتفرعاته يستحق جهدا غير عادي للمكافحة، فإن أجندات أخرى تقدّمت ملف مكافحة الإرهاب هنا وهناك.
كثيرة هي الأسئلة عن قدرة الجماعات الجهادية على التحرك ماليا وعسكريا ولوجيستياً دون تغطية حقيقية من الأنظمة الحاكمة. ولا ريب أن الباحثين في شؤون الجماعات ومسارات صعودهم قد أسهبوا في كشف حالات التواطؤ التي كانت رائجة (ولا شك ما تزال) بين النظم السياسية وأجهزة مخابراتها من جهة ومع التشكيلات الجهادية المتوفرة في السوق من جهة ثانية، وذلك لأغراص تتعلق بإدارة الصراعات المحلية أو لأخرى جيوستراتيجية. بيد أن ذلك التواطؤ كان يتأسسُ على ثابتة الإمساك بديناميات تلك الجماعات، قبل أن ينهار الثابت أمام المتحوّل وتنهج الجماعات خيارات نقيضة ومعادية للنظم وأجهزتها.

يتذكر الباحثون أن الإسلام الجهادي انبثق أساساً من الإسلام السياسي التقليدي، وأن كثيرا من الأدبيات الجهادية خرجت من بين سطور أدبيات سلفية وإخوانية، كما أن كثيرا من التيارات الجهادية خرجت من معطف جماعة حسن البنا وسيد قطب وغيرهم. ويتذكر الباحثون أن ذلك الإسلام السياسي لطالما كان داعماً للسلطة يستخدمها حامية لسعيه، فيما تلك السلطة تتحرى الشرعية الدينية من خلال تقريبها له ضد معارضيها (حين اختلف النحاس باشا زعيم الوفد مع القصر سيّر حسن البنا مظاهرات تهتف «الله مع الملك»).

يتذكر الجزائريون أن سلطة الاستقلال استخدمت الاسلام السياسي لتوفير توازن مع الجناح العروبي واليساري في جبهة التحرير قبل أن تُكتب الغلبة لهذا التيار أيام بومدين، فتمّ تهميش الاسلاميين ودفعهم للعمل السري المسلح (ظاهرة مصطفى بويعلي الذي قتل عام 1987 مثال والصدام مع «الإنقاذ» مثال آخر).

ويتذكر المصريون أن الرئيس أنور السادات استدعى جماعة الإخوان وتيارات إسلامية أخرى من هوامشهم التي أبعدتهم إليها الناصرية نحو متن أتاح لهم العمل الميداني بحرية وتشجيع لكبح صعود المعارضة اليسارية. ويتذكر العرب كيف تولى النظام العربي غض الطرف عن الهجرة الجهادية (وحتى تشجيعها) نحو أفغانستان أيام الاحتلال السوفياتي. كان في ذلك تخلّص من طاقة جهادية مقلقة في الداخل، واتساق مع سياق إقليمي دولي للتصدي لموسكو ووقف اختراقاتها على تخوم العالم العربي.

في هذا التمرين بالإمكان رصد لائحة تطول لحال التواطؤ الجهادي- النظامي سجل في العقود الأخيرة، وقاد، من حيث أرادت النُظم السياسية (الإقليمية والدولية) أو لم ترد، إلى خروج المارد من قمقمه وتحوّل ما كان ظاهرة مدجّنة إلى كارثة تعمل نسبياً خارج السياقات. وفي تلك النسبية شبهة من أن بعض، أو كثيراً من تلك الجماعات ما زال يعمل ضمن أجندات رسمية خبيثة.

تكشفُ الجماعات في العراق، ومنذ نشاطها الأول (بزعامة مصعب الزرقاوي) غداة الغزو الغربي، أن لتلك الجماعات مراجع فقهية ومكانية (الأردن) تلمح إلى قدرة أجهزة المخابرات على اختراق تلك الجماعات والفتك بها، عند الضرورة (مفيد مراقبة سيرة المخابرات الأردنية وإنجازاتها في هذا الصدد). ويسيل حبر كثير عن تلك العلاقة الملتبسة بين إيران وتنظيم القاعدة. وربما أن استضافة طهران لعدد من قيادات القاعدة وبعض أقرباء أسامة بن لادن (زوجات وأبناء) هي أعراض علاقة قامت على المصالح جمعت الطرفين. وما المثال الأفغاني من حيث قدرة طالبان على فرض أجندتها على عواصم العالم الكبرى، إلا خلاصة تواطؤ معروف مع المخابرات الباكستانية في إطار صراع باكستان مع الهند على النفوذ في تلك المنطقة. وقد أجاد النظام السوري التعامل مع تلك الجماعات وبرع في استخدام نشاطها. كالت بغداد الاتهامات لدمشق بتسهيل مرور الجهاديين إلى العراق، إلى حدّ التهديد باللجوء إلى مجلس الأمن لمعاقبة الجار الدمشقي. في نفس السياق كيلت الاتهامات للنظام السوري بأنه كان يقف وراء جماعة فتح الإسلام التي ظهرت في مخيم نهر البارد في شمال لبنان، والتي قيل أنها بضاعة أرسلها النظام السوري. على أن تقارير أخرى غربية اتهمت النظام في دمشق بتدريب الجهاديين وإرسالهم نحو ميادين يجري العبث فيها لمصلحة النظام، ناهيك عن إرسال عناصر جهادية نحو دول غربية والوشاية بها لبناء مصداقية لدى المجتمع الدولي لجهة لزومية النظام السوري في مكافحة الإرهاب.

في مصر جرى إطلاق سراح الجهاديين من السجون، كما جرى السماح بعودة المنفيين منهم تحت مسوّغ أنهم كانوا ضحايا لنظامٍ بائد. عملت أدوات الحكم تحت رئاسة محمد مرسي على توفير أجواء قانونية سياسية سمحت برواج الجماعات الجهادية كنتيجة حتمية لهيمنة الإخوان وحلفائهم على إدارة الحكم في مصر. استخدم مرسي نشاط الجهاديين في سيناء لاسيما عملياتهم ضد الجيش المصري للتخلص من قيادات المجلس العسكري، ثم تمّ استخدام تلك الجماعات للدفاع عن رئاسة محمد مرسي بعد خلعه. وانكشفت هذه العلاقة بوضوح في التصريح الشهير للقيادي الإخواني محمد البلتاجي الذي ربط فيه ما بين هجمات الجهاديين في سيناء وعودة محمد مرسي إلى منصبه رئيسا.

على أن النظام السياسي الانتقالي الذي أتى بعد مرسي جعل من ضرب الجهاديين شعارا لافتا يمكّن السلطة من ضرب الإرهاب بأشكاله التقليدية في سيناء، أو بأشكاله الرديفة التي انتشرت هنا وهناك إثر خلع مرسي. وقد باتت استراتيجية محاربة الإرهاب في مصر شعاراً يحتل شاشات الإعلام المصري، وحجّة يُدفع بها بقوة لتخليص الحكام الجدد من تهمة الانقلاب التي أحرجت القاهرة لدى العواصم الغربية، قبل أن تظهر علامات قبول بالأمر الواقع المصري الجديد الذي يضع مصر في معسكر المجتمع الدولي لمحاربة الإرهاب بكل طبعاته الجهادية من القاعدة، انتهاء بأصغر جماعة في الصومال.

في خبث العلاقة مع الجماعات، يكثرُ الكلام عن سيناريوهات هوليوودية تربط النقيض بالنقيض وتتهم كافة الفرقاء بالتورط في ظرف ما، وفي وقت ما، بعلاقة مع الجهاديين هنا وهناك.. تُوجّه الاتهامات إلى اتهام الولايات المتحدة واسرائيل باستخدام تلك الجماعات لمآربها.

البعض يذكّر بدور تلك الجماعات في تقويض الاتحاد السوفياتي في أفغانستان سابقاً أو في القوقاز ضد روسيا مؤخراً. وربما ذلك يفسّر موقف موسكو العدائي من الجماعات والإسلام السياسي لأسباب كثيرة أحدها استخدامها من قبل الغرب للضغط على روسيا. وبالعودة للراهن في سوريا، فقد راجت الجماعات بعد أن تسرّب قسم منها عبر الحدود الرخوة، فيما نشط القسم الآخر بعد أن أطلقتهم بشكل ملتبس سجون النظام في دمشق. المعارضة تحدثت عن تقصّد النظام تحويل الصراع من معارضة ونظام إلى معركة بين حكومة وإرهاب. تولّت دمشق استخدام الجماعات لتبرير سلوكها، واستخدم الغرب نفس الجماعات للدفاع عن تردده في دعم المعارضة، فيما استخدمت طهران وحزب الله تلك الجماعات لتبرير تدخلهما ضد «التكفيريين».

ربما في ذلك السياق يجب التذكير أن تلك الجماعات هي التي وفّرت الحجّة لباريس للتدخل في مالي، وأن تلك الجماعات في سوريا كانت حجّة لعدم التدخل الغربي هناك. وفي السلوكيين تناقض في مقاربة نفس الإشكالية، في نفس الزمن، في مكانين مختلفين. حتى إشعار آخر ستبقى حركة الجماعات مؤشر الجميع في السياسة والدبلوماسية والأمن والعسكر. سيبقى الجهاديون سببا لسياسات وسببا لتبدّل سياسات. سيبقى الغرب يجول ويصول في المنطقة طالما أنها مصدر القلق المزعوم لأمن العالم. وستبقى أنظمة المنطقة تناور بروح ماكيافيلية في استخدام تلك الجماعات لضبط عملية إعادة رسم للمنطقة تجري باجتهاد في المضمون والشكل، مثرية النقاش ما بين أطروحتي الاندفاع نحو الديمقراطية بمعناها الأقصى، أو التراجع نحو استبداد معدّل يفهم شروط المنطقة.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

الصفحة الأساسية | اتصل بنا | خريطة الموقع | | الإحصاءات | زيارة: 230651 ]

متابعة نشاط الموقع ar  Share Follow Almawqef on Twitter متابعة نشاط الموقع أقلام   الموسوعة    |    المواقع المرخصة OPML   OPML

موقع صمم بنظام SPIP 2.1.12 + AHUNTSIC

Creative Commons License

12 من الزوار الآن

US

الزوار المتصلون حالياً: 12

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للموقف- تشرين ثاني -2010