الاثنين 21 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011

ومن أجبركم على حب نتنياهو؟

الاثنين 21 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011 par الياس سحاب

في البداية، شكراً للخطأ التقني الذي تسبب في أن ينقل لنا ما كان يتهامس به كل من الرئيس الفرنسي ساركوزي والأمريكي أوباما، بشأن عواطفهما الشخصية تجاه شخصية مشتركة، هي شخصية رئيس الوزراء «الإسرائيلي» نتنياهو.

وسبب الشكر المباشر هو أن هذا الخطأ قد أتاح لنا الكلمة الفصل في ما كان البعض منا يستنتجونه استنتاجاً، فجاء الخطأ ليحول الاستنتاج إلى حقيقة، وهي الحقيقة التي تقول إن ساركوزي قد عبر عن أنه لا يطيق نتنياهو لأنه كاذب، كما أن أوباما قد عبر عن أن ما لديه إزاء نتنياهو من انزعاج يفوق ما لدى الرئيس الفرنسي.

لكن السؤال المهم الذي سرعان ما يطرح نفسه إزاء هذه الصراحة السياسية التي تسربت إلى العلن رغم إرادة صاحبيها، هو: ما الذي يفسر لنا إذاً، هذا التناقض بين العواطف السياسية الدفينة، والعواطف السياسية المعلنة لدى الرئيسين الغربيين الكبيرين، إزاء موضوع له علاقة بـ «إسرائيل»؟

وقبل محاولة الإجابة عن هذا السؤال، لنذكّر القارئ بأنه قلما جاء رئيس فرنسي بعد ديغول كان يغدق على «إسرائيل» آخر العواطف في أشد لحظات «إسرائيل» مخالفة لكل القوانين الدولية مثلما فعل ساركوزي، كما أنه ثبت من قبل انتهاء الولاية الأولى للرئيس الأمريكي باراك أوباما، أنه أكثر الرؤساء الأمريكيين صهيونية في مواقفه منذ إنشاء دولة «إسرائيل»، على الأقل في ما يعبر عنه علناً من عواطف سياسية ومواقف سياسية.

الجواب عن السؤال يذهب بنا مباشرة إلى أن الغرب قد ارتكب ضد يهود أوروبا بالذات من التصرفات العنصرية في القرون الأخيرة، وخاصة في النصف الأول من القرن العشرين ما جعل الدول الغربية (أمريكا وأوروبا) بمجملها تشعر بنقطة ضعف إزاء الحركة الصهيونية التي تجسدت منذ منتصف القرن، بدولة «إسرائيل».

نقطة الضعف هذه راكمت مواقف الدول الغربية الشاذة عند إنشاء «إسرائيل» على أرض فلسطين المغتصبة والمشرد شعبها، وبعد إنشائها، وحتى يومنا هذا، ما يفوق الخيال، لأنها كلها مواقف تحسب على نقيض كل القوانين الدولية والشرائع الإنسانية الواردة في مختلف نصوص وثائق الأمم المتحدة (حقوق الإنسان وسواها).

من هذه المواقف مثلا أن «إسرائيل» قد سمح لها أن تقوم كدولة، بدعم الدول الغربية الكبرى، على تشريد شعب من أرض أجداده.

ومنها أن عدداً من القرارات الدولية قد أصدرها المجتمع الدولي بعد ذلك في محاولة لتخفيف آثار ذلك الموقف التاريخي الناشز، مثل القرار 181 أو القرار 194، لكن دون جدوى.

ثم جاء بعد ذلك احتلال «إسرائيل» لمجموعة من الأراضي العربية في العام 1967، ومنها البقية الباقية من فلسطين، إضافة الى مزيد من أراضي الدول العربية المحيطة بها. لكن الدول الغربية دأبت مذاك على أن تستخدم أو تهدد باستخدام حق النقض (الفيتو) إزاء كل المساعي التي بذلت في الأمم المتحدة لعشرات السنين، لتفرض على “إسرائيل” تطبيق القرارات الدولية التي من شأنها تخفيف الوقع القانوني والإنساني لمأساة إنشاء دولة «إسرائيل» في العام 48 واحتلال العام 67.

آخر هذه المواقف المخزية، التي لا آخر لها، تمثل في موقف الصحافة الغربية (وعلى رأسها الصحافة الفرنسية في بلد المسيو ساركوزي) عندما تمت عملية التبادل بين الجندي «الإسرائيلي» الأسير (شاليت) وما يفوق ألفاً من الأسرى العرب في السجون «الإسرائيلية». فلقد خرجت كبريات الصحف الفرنسية، وعلى رأسها صحيفة «لوموند» المعروفة برصانتها عادة، تهلل لإطلاق سراح فرد «إسرائيلي» واحد هو شاليت، وتتناسى نهائياً مئات الأسرى العرب المطلق سراحهم، وكأنها تريد أن تزيد على مواقفها السياسية المخزية إزاء كل ما تمثله «إسرائيل» من تناقض مع القانون الدولي، ما يؤكد تمييزها العنصري بين فرد من «إسرائيل»، ومئات من الأفراد العرب، الذين لا يساوون هذا الفرد في ميزان العنصرية الغربية إزاء العرب.

إنه إذاً، الموقف العنصري الذي يفسر هذا التناقض بالأساس، لكن يضاف إليه في تفسير التناقض المشار إليه في مطلع المقال، الموقف السياسي، الذي يدفع كل عامل في السياسة في كل الدول الغربية الكبرى، إلى أن يكون حريصاً، في جميع مواقفه الكبيرة والصغيرة، ألا يسجل عليه غلطة انتقاد السياسة «الإسرائيلية»، أو الساسة «الإسرائيليين»، حتى لو كان يقول له إن هذه السياسة تقوم أساساً على خرق كل الشرائع والقوانين الدولية، وكل المواثيق الإنسانية والأخلاقية.

من أجبر إذاً، ساركوزي وأوباما على الغرام العلني بنتنياهو ومواقفه، وعلى التعبير عن كرهه في السر؟ إنه المنصب السياسي والمصالح الذاتية المنافية لكل القيم الإنسانية هو الذي أجبر الرئيسين الفرنسي والأمريكي، على التناقض بين المعلن والمستور من مواقفهما إزاء «إسرائيل» وساستها.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 11 / 565588

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010