الخميس 15 أيلول (سبتمبر) 2011

أردوغان يحرج الحكام والإخوان

الخميس 15 أيلول (سبتمبر) 2011 par عبدالباري عطوان

يواصل السيد رجب طيب أردوغان رئيس وزراء تركيا احراج الزعماء العرب بانجازاته الاقتصادية المشرفة داخل بلاده، ومواقفه السياسية الداعمة للقضايا العربية، وخاصة قضية فلسطين والاحتلال «الإسرائيلي» للمقدسات العربية والاسلامية في القدس المحتلة.

اردوغان حطّ الرحال في القاهرة، بعد ايام معدودة من طرده السفير «الإسرائيلي» من انقرة، واقتحام المحتجين المصريين للسفارة «الإسرائيلية» في العاصمة المصرية، واجبار دبلوماسييها على الهرب من الابواب الخلفية، متخفين بجلاليب صعيدية وكوفيات فلسطينية، ليحظى باستقبال كبير من الشعب المصري الذي تجمعت اعداد غفيرة منه امام مطار القاهرة حتى موعد وصول طائرته في منتصف الليل، للتعبير عن حبهم له، واعجابهم بمواقفه، وهو ما لم يحدث لأي زعيم عربي منذ عشرات السنين.

اللافت ان «إسرائيل» وبعض الانظمة العربية التقت على اظهار العداء لأردوغان والتشكيك في مواقفه، واغتيال شخصيته، واظهار كل العداء له ولنواياه، كل لاسبابه طبعاً.

«إسرائيل» تعادي اردوغان بسبب دعمه للقضية الفلسطينية، وارساله سفن الحرية لكسر الحصار الظالم المفروض على قطاع غزة، واصراره على اعتذارها الواضح والصريح عن قتلها لتسعة من النشطاء الاتراك كانوا على ظهرها، وتهديده بعدم السماح لها، اي «إسرائيل»، باستغلال ثروات البحر المتوسط من النفط والغاز لوحدها، وتأكيده بانه سيرسل سفن الاسطول التركي لحماية قوافل كسر الحصار في المستقبل لمواجهة اي عدوان «إسرائيلي» يمكن ان يستهدفها، والأهم من كل ذلك انه يعرض تحالفاً استراتيجياً على مصر لمواجهة الغطرسة والاستفزاز «الإسرائيليين»، والانتصار لقضية نسيتها الانظمة العربية عندما ابتلعت كل ممارسات الاذلال والاهانة، التي تجسدت في رفض مبادرة السلام العربية، وشن الحروب على غزة ولبنان.

بعض العرب، والمملكة العربية السعودية وبعض الدول الخليجية الاخرى خصوصا، تظهر التشكيك بنوايا السيد اردوغان ومواقفه، تحت عنوان الخوف من الهيمنة التركية على المنطقة، مثلما فهمنا من بعض وسائلها الاعلامية، وبروز زعامته في العالم الاسلامي.

***

منتقدو السيد اردوغان من العرب يتهمونه بأنه يركب القضية الفلسطينية لتكريس هذه الزعامة، ويتصدى لـ «إسرائيل» وحصارها لقطاع غزة من اجل كسب عقول وقلوب الشباب العربي، في وقت نسي هؤلاء الشبان هذه القضية، بدليل انهم لم يحرقوا علماً «إسرائيلياً»، او امريكياً اثناء انتفاضاتهم الشعبية ضد الانظمة الديكتاتورية القمعية.

ولا نعرف متى كان الانتصار للقضية المركزية العربية والوقوف في خندق العداء للدولة التي تحتل المقدسات وتذل الأمة يعتبر نوعاً من العيب يعاير به صاحبه، ثم من قال ان الشعوب العربية نسيت قضية فلسطين ومقدساتها. فإذا كانت هذه الشعوب لم تحرق علماً «إسرائيلياً»، او امريكياً، فذلك قمة الذكاء حرصاً منها على انتصار ثورتها في ازالة انظمة كانت أدوات قمع في خدمة العدو «الإسرائيلي».

فالقوى الوطنية التونسية الممثلة للثورة اصرت على وضع بند في الدستور الجديد ينص صراحة على عدم التطبيع مطلقاً مع العدو «الإسرائيلي»، اما شباب الثورة المصرية فاقتحموا السفارة «الإسرائيلية» وبعثروا محتوياتها من وثائق، وانزلوا العلم «الإسرائيلي» وداسوه بالاقدام قبل ان يحرقوه، ويرفعوا العلم المصري مكانه.

الشيء الوحيد الذي يوحّد الشعوب العربية والاسلامية هو الكراهية للاحتلال «الإسرائيلي»، وشاهدنا المظاهرات تنطلق في معظم العواصم والمدن الاسلامية والعربية تنديداً بالعدوانين «الإسرائيليين» الاخيرين على قطاع غزة وجنوب لبنان. واذا كان السيد اردوغان يصطف الى جانب هذه الشعوب فما الخطأ في ذلك؟

انتهازية سياسية؟ ولماذا لا.. فالسياسة هي فن انتهاز الفرص، وتحقيق المكاسب، وماذا فعل الواقعيون العرب، وما هي انجازاتهم غير القمع والفساد والترحيب بالهيمنة الاستعمارية الامريكية و«الإسرائيلية»، وتوظيف كل الاموال العربية في خدمة حروبها واحتلالاتها للاراضي العربية والاسلامية؟

اردوغان يحصد شعبية في المنطقة في اوساط الشباب لأنه يعرف كيف يخاطبهم، مثلما يعرف كيف يتحسس مشاعرهم من خلال تقديم النموذج الديمقراطي الناجح، المدعوم بانجاز اقتصادي كبير جعل من الاقتصاد التركي سادس اقوى اقتصاد في اوروبا، والمرتبة 17 على مستوى العالم بأسره، وهو اقتصاد مبني على قيم العمل والانتاج وليس على النفط والغاز.

***

وما يثير الدهشة ان بعض قادة حركة «الإخوان المسلمين» اعرب عن مخاوفه من طموحات الهيمنة لدى اردوغان على المنطقة، وانتقد حديثه عن كون الدولة العلمانية لا تتعارض مع الدين الاسلامي وقيمه وتعاليمه، وهم الذين كانوا يضربون المثل في نجاح التجربة الاسلامية لحزب العدالة والتنمية في النهوض بتركيا، ونفي ما كان يشاع دائماً في الغرب والشرق حول وجود تناقض بين الديمقراطية والاسلام.

نفهم الاعتراضات هذه على اردوغان، والخوف من تطلعاته في الهيمنة لو انها جاءت من التيارات القومية التي تتعصب للهوية العربية للمنطقة، وتعتبر الخلافة العثمانية الاسلامية استعمارياً تركيا امتد لخمسة قرون، ولكن ان تأتي من حركة «الاخوان المسلمين»، فهذا امر يستعصي على الفهم بالنسبة الينا على الاقل.

السيد اردوغان يحكم بقيم الدين والعدالة وليس بالشعارات، ويقرن القول بالعمل، وينتصر للمظلومين من ابناء الأمة الاسلامية، ويكفي انه وصل الى مصر على رأس وفد وزاري ضخم وفريق يضم 280 من كبار رجال الاعمال الاتراك، حاملاً مشاريع تعاون اقتصادي يمكن ان تخلق الوظائف لآلاف العاطلين من الشباب المصري، وبما يفيد مصالح البلدين.

الزعماء العرب الذين يزورون مصر في المقابل يأتون محاطين برهط من الاطباء المتخصصين في امراض القلب والسكر والضغط وسرطان البروستات، لان معظمهم انتهى عمره الافتراضي منذ سنوات.

من المؤسف انه وفي ظل العجز العربي الرسمي المتمثل في الانظمة الديكتاتورية القمعية التي ما زالت تجثم على صدر الشعوب العربية، بات التهجم والتشكيك بزعماء الدول الاسلامية الناهضة والمتصدية «للإسرائيليين» هو النغمة السائدة. فقد انتقدوا ايران لانها شيعية فارسية، وقالوا انها خطر على السنّة العرب. الآن لماذا ينتقدون اردوغان المسلم السني، وما هو الخطر الذي يمثله عليهم؟

الخطر هو النموذج التركي الديمقراطي المدعوم بتجربة اقتصادية مشرفة، اثبتت نجاحها في ظل تهاوي الاقتصاديات الاوروبية والامريكية.. انهضوا من سباتكم وقدموا لنا نموذجاً مثله، وسنكون اول من يصفق لكم، ويقف ضد هيمنة اردوغان او ايران، اما عندما ترحبون بالهيمنة الامريكية و«الإسرائيلي»، وتخضعون لها باعتبارها هيمنة حميدة، وترفضون هيمنة تركية اسلامية مزعومة، فهنا نقول لكم لا والف لا.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 20 / 581949

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010