الاثنين 30 آب (أغسطس) 2010

«المفاوض الفلسطيني» بين فكي «الشراسة والتخدير»

الاثنين 30 آب (أغسطس) 2010 par د. كلوفيس مقصود

لعل ما تتعمده «إسرائيل» وخاصة رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو هو أن لا يكون هناك أي تباينٍ ناهيك عن أي خلاف ينتج من القمة الثلاثية المزمع عقدها في 2 سبتمبر (أيلول) المقبل، بحيث يمكن أن تتحول دعوة نتنياهو إلى لقاء شهري مع «الرئيس» محمود عبّاس لإخراج القمة الثلاثية إلى اجتماعات ثنائية، وإرضاء للرئيس أوباما قد يعلن نتنياهو أنه مستعد لتجميد الاستيطان في ما يمسى بالمستوطنات العشوائية واستمرار حق الاستيطان أو البناء في المستوطنات الكبيرة التي يعتبر أنها صارت حقاً لـ «إسرائيل» بمعنى الملكية. هذه المعادلة التي يعمل نتنياهو على تسويقها بأن «الرئيس» عبّاس إذا اعترض فهو من يعطل المسيرة التفاوضية التي دعا إليها الرئيس أوباما.

لذا فإن عودة البناء في المستوطنات الكبيرة تعني التنصل من التجميد الذي فيها، وبالتالي يخرج نتنياهو حكومته من أنها هي التي عطلت انطلاق المسيرة. من هذا المنظور يمكن لـ «إسرائيل» أن تدعي أنها «تنازلت» وبالتالي تكون قد مهدت بإرضاء الرئيس أوباما من جهة على الأقل لمرحلة لاحقة في حين أن مصيدة أوسلو تصبح أكثر تضييقاً على واقع التفاوض «للفريق الفلسطيني».

يتزامن هذا التكتيك «الإسرائيلي» مع حاجة ملحة للرئيس أوباما بأن يحقق إنجازاً ما يسهل له ولحزبه المرحلة الانتقالية لما بعد الانتخابات النصفية بحيث يستطيع إما إبقاء أكثرية في الكونجرس بمجلسيه أو على الأقل أن يخفف الأضرار، ويبدو أن هناك حاجة ملحة للإدارة الأمريكية بأن يكون هناك نجاحٌ ما خاصة وأن ما هو حاصل في العراق من عجز أو صعوبة فائقة في استقرار الحكم فيه بعد انسحاب حوالي مئة ألف جندي أمريكي من العراق تنفيذاً لوعد قام به بأن الحرب في العراق كانت غير شرعية كما أن ما هو حاصل في أفغانستان من صعوبات وتعقيدات يعمم انطباعاً بأن الاستمرار في مثل هذه النزاعات يجعل الرأي العام الأمريكي الذي يعاني من أزمات اقتصادية ومالية مصرّ على اختصار ما يعتبر أنها لم تعد أولويات مطلقة بالرغم من استمرار التحدي ووجود الجنرال بترايوس على رأس الحملة في أفغانستان والذي يتمتع برصيد مقبول من جانب الرأي العام الأمريكي. إذاً نستطيع الاستنتاج بأن هذه القمة التي نظمت بتسرع مفاجئ بحيث إن هناك تماسكاً في الحكومة «الإسرائيلية» في حين أن «الرئيس» أبومازن وإن كان له الحق القانوني في الدخول بالمحادثات المسماة خطأ مفاوضات - إلا أنه ضعيف جداً في شرعية التفويض الفاقد للمناعة التي تتطلبها الشرعية الفلسطينية كما تدل المعارضات المتكاثرة على التفاوض في هكذا ظروف، كما أن التمثيل «للفريق المفاوض الفلسطيني» ناقص من حيث الشمولية المطلوبة والتي على الأقل من شأنها تقليص درجة انعدام التوازن بين الفريقين «المتفاوضين».

علينا أن ندرك أن المقالين اللذين كتبهما جورج ويل في واشنطن بوست كانا على أثر زيارته لـ «إسرائيل» مؤخراً ومقابلته لنتنياهو وبالتالي قد لا يكون هذا ترديداً لكلام نتنياهو، ولكن الخطاب السائد لرئيس الحكومة «الإسرائيلية» ولحزبة مع حلفائه من اليمينيين المتطرفين يتميز بأنه قد يكون متطابقاً مع هذا التحليل. الأهم بنظري أن هذين المقالين يجب أن يتم الاطلاع عليهما وعلى مضمونهما لأن ما يعبر عنه ويل هو إلى حد كبير نقاط الارتكاز «للخطة التفاوضية» التي ينوي نتنياهو القيام بها في قمة واشنطن يوم 2 سبتمبر (أيلول) المقبل. وهذا يدل بنظري على الحملة المسعورة لتبرير مسبق لما يدعيه «حقوق لـ «إسرائيل»» والتي يقودها الإعلاميون والدبلوماسيون الأمريكيون والتي تأتي بعد إيحاءات من «الإسرائيليين» وفي طليعتهم نتنياهو الذي يقود الفريق «الإسرائيلي» في القمة المقبلة.

إلا أن الـ «نيويورك تايمز» بتاريخ 27 أغسطس (آب) نشرت مقالاً لمارتن إنديك السفير الأمريكي السابق في «إسرائيل» والمسؤول عن «مركز صبان» في واشنطن الذي أراد التطمين بأن هناك عناصر تساعد على إنجاح أو عدم إفشال هذه القمة، كون الأسباب الآتية تنطوي على احتمال نجاح القمة بمعنى أولاً أن العنف تقلص كثيراً في الآونة الأخيرة وأن «السلطة الفلسطينية» صارت مسؤولة عن منع «الهجمات العنيفة» على «الإسرائيليين» من أجل أن تثبت صدقيتها كشريك مفاوض، كما ألمح إلى أن «حماس» تمنع الهجمات ضد «إسرائيل» خوفاً من التدخل «الإسرائيلي» الذي قد ينزعها من «السلطة»، إضافة إلى ذلك أن العمليات الاستيطانية قد تضاءلت بشكل مميز نتيجة التجميد لمدة عشرة أشهر، وأنه ليس هناك مشاريع بناء مساكن في القدس الشرقية من بعد الضجة التي قام بها جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي أثناء زيارته لـ «إسرائيل» في مارس (آذار) الماضي، وأن هدم المنازل الفلسطينية في القدس الشرقية أقل مما كان عليه مقارنة بالسنوات الأخيرة (!).

هذه الازدواجية بين شراسة شروط نتنياهو وتعمد التخدير بين مَنْ هُم أقل شراسة بين الصهاينة من شأنه أن يجعل المفاوض الفلسطيني بين فكي كماشة ثنائية الشراسة والتخدير. صحيحٌ أن «الرئيس» محمود عبّاس لم يستطع منطقياً إلا أن يلبي دعوة الرئيس أوباما، ولكن إزاء ما هو حاصل من أجواء وشروط مسبقة ووقائع على الأرض وفقدان للتوازن في القوى وعدم وجود سياسة موضوعية وحيادية مطلقة من قبل البيت الأبيض أعتقد أنه قد حان لـ «الرئيس» عبّاس أن يؤكد ثوابت يجب أن تكون بديهية وهي أن الولايات المتحدة و«إسرائيل» يجب أن تعترفا بأن الأراضي المحتلة منذ 1967 هي محتلة وخاضعة لاتفاقية جنيف الرابعة وبالتالي فإن تجميد الاستيطان استؤنف أو لم يستأنف، يجب أن يقابله طلب من «المفاوض الفلسطيني» بتفكيك المستوطنات، وبأن الاكتفاء بتفكيك المستوطنات المسماة بالعشوائية لا يكفي مطلقاً لاستمرار أي عمليات تفاوض وبالتالي لم يعد هناك مفر من التمسك بالثوابت أي الوحدة الوطنية الفلسطينية ومرجعية واحدة لمنظمة التحرير تشمل كل الفصائل الرئيسية في المنظمة بما فيها «حماس»، وأن لا تحصر «السلطة الوطنية» الراهنة علاقاتها الاستشارية بالحكومات المطبعة مع «إسرائيل» وأن تسترجع منظمة التحرير استراتيجية ثقافة التحرير، هذا ليس من قبيل التمني بل من مقتضيات الواقعية في إطار الالتزام بقيام دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة وعاصمتها القدس . ومعنى السيادة الكاملة أي سيادة على الأجواء والمياه الإقليمية وعلى الأرض.

ولعل دعوة الرئيس أوباما لزعماء الدولتين المطبعتين هو، بوعي أو من دون وعي، استباق لإبقاء «إسرائيل» من دون عقاب لعدوانها ولتمردها الدائم على الشرعية الدولية. هذا قليل من كثير إلا أن المطلوب من أبو مازن أن يكون رده العودة إلى شعبه وضمير الأمة بعد أن يلبي الدعوة التي جاءت كما وصفها «تحت شروط غير مقبولة».


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 13 / 575042

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010