الأربعاء 30 تشرين الأول (أكتوبر) 2013

انتهاك حقوق البشر بذريعة الإرهاب

الأربعاء 30 تشرين الأول (أكتوبر) 2013 par فيصل جلول

بلغ التجسس الأمريكي على أوروبا وعلى دول أخرى في العالم أحجاماً غير مسبوقة، ففي فرنسا وحدها وخلال أقل من شهر تجاوز عدد المكالمات الهاتفية التي سجلتها وكالة الأمن الأمريكية أكثر من سبعين مليون مكالمة، وفي إسبانيا أشارت صحيفة “الباييس” إلى إحصاء نحو ستين مليون مكالمة هاتفية في شهر واحد أيضاً . هذا فضلاً عن التجسس المركّز على هواتف 35 زعيماً في العالم، من بينهم أنجيلا ميركل التي يعتقد أن هاتفها الشخصي موضوع تحت المراقبة منذ العام ،2002 والواضح أن أعمال التجسس التي تمارسها الوكالة الأمريكية ليست كلها متمحورة حول الإرهاب، فقد طال التجسس مفاوضات التبادل الحر بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي .

وإذا كانت الولايات المتحدة تحتل قفص الاتهام منذ اندلاع قضية سنودين الصيف الماضي، فإن كل دولة جديرة بهذا الاسم تمارس هذه المهنة القذرة، باعتبار أن التجسس الذي يرمي للحصول على المعلومات هو جزء لا يتجزأ من ممارسة السلطة، وأن هذه المهنة كانت معروفة منذ القدم، وقد استخدمت في الحروب، وكان لها الدور الحاسم في الفوز بها . لقد رأينا ذلك نحن العرب بوضوح في حرب يونيو/ حزيران عام ،1967 حين تمكنت “إسرائيل” من تدمير الطائرات الحربية العربية على مدارجها بسبب المعلومات الاستخاراتية الدقيقة التي كانت بحوزتها عن الجيوش العربية ونوع وحجم استعداداتها، ورأينا ذلك بصورة مضادة في حرب أكتوبر/ تشرين الأول عام 1973 حين كانت “إسرائيل” تملك معلومات استحباراتية خاطئة أو ضعيفة حول حجم ونوعية الاستعداد العربي لخوض الحرب، فكان أن دفعت ثمناً باهظاً، وهذا يعني أن المعلومة والمعرفة هي الجزء الأهم في الحرب وفي السلم أيضاً، وأنها شرط حاسم في ممارسة السلطة بنجاح .

لكن الفارق كبير بين حجم التجسس الأمريكي في وكالة الأمن التي تضم 50 ألف موظف وحجم التجسس في فرنسا التي يضم جهاز مخابراتها الخارجية، بحسب الأرقام المنشورة أقل من ثلاثة آلاف شخص، أضف إلى ذلك الوسائل المستخدمة في التجسس والموازنات المرفقة، وكلها تشير إلى تقدم هائل لأمريكا على العديد من دول العالم، وهذا الفارق لا بد أن يتجسد في حجم المعلومات ونوعها، والقدرة على تحليلها والإفادة منها ومجال جمعها .

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بقوة اليوم هو هل تبرر الحرب على الإرهاب، وهي ذريعة واشنطن في تفسير تجسسها على حلفائها والعالم، التعرض للحياة الشخصية للناس ولأنشطتهم الاقتصادية، وإن كانت تبرر كيف يمكن التفريق بينها والممارسات الستالينية أو السوفييتية التي لا تختلف جوهرياً عما فعلته الوكالة الأمريكية، وما تكشف ويتكشف في وسائل الإعلام الأوروبية يومياً؟

هذا السؤال يبدو جديراً بالطرح من طرف فرنسا وألمانيا، فضلاً عن البرازيل التي تقدمت بمبادرة لتنظيم جمع المعلومات وفق قانون دولي تصوّت عليه الأمم المتحدة، ومن المفترض أن تستقبل واشنطن مبعوثين من هذه البلدان لهذه الغاية، باعتبار أن الحرية الشخصية مقدسة، وأنها شرط أساسي من شروط الديمقراطية الحقة . بالمقابل لا يبدو أن دولاً أوروبية أخرى راغبة في الرد على الولايات المتحدة خوفاً من المواجهة معها، الأمر الذي يذكّر بعشية حرب العراق ومقدار الأذى الذي لحق بالطرفين في تلك العشية . ومن بين هذه الدول بريطانيا التي ترى أن التجسس قضية وطنية تخص كل دولة من دول العالم على حدة، وبالتالي لا مبرر لعمل أوروبي مشترك على هذا الصعيد، وقد أيدت النمسا وإيرلندا هذا الموقف، في حين دانت إسبانيا تعرضها للتجسس واستدعت السفير الأمريكي لطلب إيضاحات حول هذا الاعتداء، بيد أن رئيس وزرائها أكد أن هذا الأمر لن يؤثر في التحالف القائم بين الدولتين وفي تعاونهما في مختلف المجالات .

في المحصلة تبدو أوروبا باستثاء فرنسا وألمانيا غير راغبة في تصعيد الموقف، وتريد طي القضية وابتلاع الإهانة، وسط عجز مطبق حمل عدداً من النواب الأمريكيين على القول تعليقاً على الامتعاض الأوروبي، إن وكالة الأمن الأمريكية بتجسسها على الأوروبيين تحميهم من الإرهاب، وإن عليهم أن يشكروها على أنشطتها لا أن ينتقدوها ويحملوا عليها .

هذا التقدير المهين للتجسس على “قادة أوروبيين يلتقي بهم الرئيس الأمريكي في المؤتمرات الدولية”، على حد تعبير فرانسوا هولاند، يبدو أنه لم يستفز المجتمع المدني في أوروبا، فلم نشهد حتى الآن وبعد شهور من اندلاع الفضيحة تظاهرات مليونية، وأنشطة مضادة لمثل هذه الأعمال الدنيئة، بل يلاحظ أن الرأي العام الأوروبي عموماً صار مدجناً إلى حد الامتناع عن الدفاع عن حريته الشخصية من الانتهاك الأمريكي ملايين المرات، والدفاع عن مصالحه الاقتصادية والثقافية التي تنتهك أيضاً عبر تجميع المعلومات واستخدامها بما يخدم مصالح واشنطن حصراً وليس المصالح المشتركة الأوروبية الأمريكية . والمذهل أيضاً وأيضاً أن القسم الأكبر من الأوروبيين لا يريد حماية نفسه من التجسس الأمريكي، وكأنه واثق من المزاعم القائلة إن التجسس على أوروبا هو لمصلحة أوروبا وليس أمريكا وحدها .


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 11 / 575041

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010