الجمعة 4 تشرين الأول (أكتوبر) 2013

انفجارات تهز المدن

الجمعة 4 تشرين الأول (أكتوبر) 2013 par نواف أبو الهيجاء

خمسة انفجارات تهز بغداد .. عشرة انفجارات تهز بغداد. انفجارات تهز دمشق .. وانفجارات تهز لبنان في بيروت وفي طرابلس. وانفجار يهز القاهرة .. وأخيرا انفجارات تهز أربيل.
وأي قدرة تلك التي تجعل الخافق لا يثب من موقعة ليشرف على غرق الدنيا حوله في لجة من الظلام؟ وأين الفلذات الجميلة الغالية في بغداد من تلك الانفجارات الباحثة عن أفئدة تسكنها؟ أوليس العراقي البغدادي اليوم في موقع من يقف وما في الموت شك لواقف وكأنه في جفن الردى والردى قائم؟
أين منا تلك الهجعة الخفية على نور فجر تزقزق فيه العصافير وتلهج بالدعاء الكروانات وتغني العنادل في بغدادنا المشتعلة منذ أكثر من عشر من السنين بكل ما في الموت من تربص وخداع وخسة ولؤم؟
أي قلب لا يتشظى من الألم حين تقع روحه على تلك المناظر عبر الشاشات الصغيرة، ولا يتقلب فرقا على الأحبة والأماكن والأصدقاء؟ ولنا في بغداد فلذات ذكريات نصف قرن من الحياة. أي مكان بات لا يذكرنا ولا نتذكره في العاصمة الجميلة الغارقة في حمم الموت والخراب والقتل؟
يا بغداد أي الأماكن تقصد نيران وانفجارات القتلة وأي أمان؟ أمان الدورة أو أمان بغداد الجديدة؟ أمان الكاظمية أم الأعظمية؟ أمان الكرخ أم الرصافة؟ أبو سيفين والشورجة أم المنصور والمسبح؟
أي موت هذا المتربص بحياة الحياة في بغداد وفي عموم العراق؟ وأين منه موت مقصود تلقيه حمما طائرات أميركا وصواريخها وهي تعني وتقصد وتترصد وتريد إنهاء النبض في العروق؟
يتمشى الموت ويقفز من عاصمة عربية إلى عاصمة عربية أخرى ومن مدينة عربية إلى أخرى؟ من بغداد إلى دمشق إلى بيروت إلى القاهرة؟ ماذا فعلت هذه العواصم كي يترصدها الموت؟ ولماذا تنعم مدن أخرى بالهناءة؟ لماذا ليس لندن ولا باريس ولا نيويورك ولا بون أو برلين ولا كوبنهاجن أو سواها من مدن الغرب وأميركا؟ (وهذه ليست تمنيات أن يعم الموت هذه المدن لا سمح الله، بل لمجرد السؤال؟) لماذا يتقصدنا الموت نحن دون سوانا؟ ولماذا يفخخ من يفخخ ويحلف بالله ويهتف به أنه الأكبر، وهو يعلم أن من قد يصله شرر الموت وشظاياه كان يلهج باسم الله ويكبر ويحمد الله خمس مرات في اليوم الواحد؟
وأي دين أو مذهب هذا الذي يبحث عن زهور الحياة ليقطفها بهذه القسوة والقصدية؟
قلوبنا كبيرة أجل. لكنها ما عادت تتسع للألم الكبير والخوف العظيم على الحياة العربية في مدننا وفي عواصمنا الكبيرة والكثيرة الممتدة ما بين المحيط والخليج.
الموت يلطأ لنا في الزوايا وفي الشوارع والحارات، ويلتقط منا من صادف وجوده هناك في المكان والزمان المعنيين.
أي قلب هذا الذي لا يتفطر من رؤية طفل يصير أشلاء نتيجة انفجار سيارة فخختها العقول المريضة؟ أي قدرة لنا اليوم على أن نتحمل كل هذا الألم ونحن مثل الياسمين والجوري في شمس الربيع؟
أي قدرة للنفس الإنسانية على التحمل وهي تتلقى السهام التي تتكسر نصالها على النصال؟
قلقون نحن هنا في لبنان على كل لبنان، كما على كل العراق، كما على فلسطين، كما على سوريا كل سوريا، كما على كل مصر، كما على كل ليبيا، كما على كل تونس، كما على كل اليمن، وكما على الجزائر كل الجزائر؟ من أين لدينا أن نحمل هموما أكثر من عشرين قلبا ينبض كل واحد منها بحب العروبة؟ ألدينا المقدرة على خلق عشرين من القلوب أو أكثر حتى نتمكن من تحمل أعباء الموت والظلم والحزن والمرارة والكآبة؟
كيف لكم أن تفعلوا ما تفعلون ثم تزعمون أنكم من بني الإنسان؟ قلبي على بغداد وعلى دمشق: على ذكرياتي في الأزقة والحواري وفي البيوت وفي المطاعم .. في الشوارع: كما في الحدائق. قلبي على همسات حارة أكثر حرارة من شمس آب البغدادية. وهل تقدر الانفجارات على محو ما كان وما جرى خلال حوالي نصف قرن من العمر؟ يا بغداد: يا طفلتي ويا ملهمتي .. يا حبي وشبابي وصباي وهمي يا بغدادي التي لا تفارقني أينما كنت ألا لا نامت أعين الجبناء القتلة
يا عمرنا الموزع ما بين حيفا والقدس وبغداد وعمان ودمشق والقاهرة لن تتشظى الذكريات وتمحى مهما كثرت الانفجارات التي تهز العواصم والمدن وأكباد الأطفال ولتغتال تغريد العنادل.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 23 / 565694

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010