السبت 13 تموز (يوليو) 2013

تفخيخ المجتمعات وتفجير الأنظمة

السبت 13 تموز (يوليو) 2013 par د. خليل حسين

بسحر ساحر حكمت معظم الأنظمة العربية شعوبها عقوداً طويلة من دون ظهور تهديد حقيقي لإزالتها . وعلى الرغم من وجود ظروف ذاتية كثيرة تنذر بحراك ضدها، ظهرت فجأة الموجة الأولى من الحراك فأسقطت انظمة كانت تصنف حديدية بتركيبتها الداخلية وتحالفاتها الخارجية . ومفارقة هذا السقوط المريع أنه انتشر كالنار في الهشيم، فلم يستهلك وقتاً ولم يستنزف قوى اجتماعية كما هو متعارف عليه في علم الثورات أو التغيير أو غيره من المصطلحات .

لكن الأغرب من كل ذلك، أن الاستنزاف حدث بعد التغيير واستهلك طاقات وقوى أكثر مما هو متوقع مقارنة بتجارب كثيرة في غير مكان وزمان في العديد من دول العالم التي مرت بمثل تلك التجارب . فما هي الأسباب وما هي التداعيات؟ والى أين المآلات في خضم هذا الكم الهائل من الضغوط الداخلية والخارجية على المجتمعات العربية؟

فبعيداً عن نظرية المؤامرات التي نجيد نحن العرب التفنن في التنظير لها، ثمة اسئلة محيرة إضافية عن هذا المنحى الذي مشت فيه حراك المجتمعات العربية . لقد بدأت في تونس فليبيا وسوريا بعد مصر والعراق واليمن، وكان لبنان السبّاق في ذلك في العام 2005 ولو بصور وأشكال مختلفة، رافقه في ذلك العديد من الحراكات الخجولة في غير بلد عربي . وما يجمع بينها جميعاً حجم الخسائر البشرية والمادية الهائلة التي دفعتها حتى الآن من دون مقابل يذكر .

انظمة منهارة فُرغت من سلطاتها ومؤسساتها، مئات آلاف القتلى والجرحى، وبالتأكيد مئات المليارات من الدولارات خسائر مباشرة وغير مباشرة، باختصار أمة عربية تنتظر قدرها من دون التمكن من رده، فماذا بقي الآن من الموجة الأولى؟ وماذا ينتظر من الموجة الثانية؟

لقد أدخل حكم الإخوان مصر وأخواتها في نفق مظلم، بشعارات عناوينها الدفاع عن مكتسبات الحكم والسلطة التي ذاقوا طعمها، وبأدوات ووسائل الانقسام المجتمعي الحاد في غير مجتمع عربي . وسط غياب تام للأحزاب السياسية الوازنة وضمور عقائدها وبرامجها، وفي وقت كثرت وتمددت فيه الاحزاب والحركات الدينية والمذهبية، كل ذلك مترافقاً مع تبرم اجتماعي وسياسي لا مثيل له في تاريخ الأمة العربية حتى إبان الحكم العثماني وما تلاه من انتداب . باختصار مجتمعات تأكل نفسها من دون رادع أو وازع وفي ظروف تُحلل فيه الكبائر كما الصغائر .

ثمة إشارات واضحة جداً على تفخيخ المجتمعات العربية بمظاهر شديدة الانتشار والتأثير في بيئاتها، كما سرعة استنساخ الوسائل والأدوات التي تعزز الانقسام وتحفز الاقتتال . تحريض طائفي ومذهبي لم يسلم منه مجتمع بدءاً بلبنان وسوريا ومصر والعراق، ولا يكاد يخلو بلد إلا وبلي به . فضلاً عن تحفيز الحس والشعور القبلي، مروراً بتظهير مشكلات الأقليات القومية والعرقية المنتشرة في معظم الدول العربية .

والأخطر من كل ذلك أيضاً تعميم الصور النمطية التي تمارسها معظم الميليشات المتناحرة أو المتصادمة مع الأنظمة، فصور الذبح بعد التكبير، ونمط القاء الناس من سطوح الأبنية العالية، مروراً باختطاف رجال الدين وقتلهم، قد تم استنساخها من الساحة السورية وبدأت تظهر بقوة في الساحة المصرية . فضلاً عن تفريغ القوى الأمنية والعسكرية من مهامها ونقلها من حالة الأمن بالتراضي إلى الأمن بالتراخي كما حدث في لبنان وتتجه إليه مصر حالياً، وصولاً إلى أسلوب الرسائل الملغمة بالسيارات التي اشتهر بها العراق وبدأ فيها لبنان بعد تعميمها في سوريا . باختصار وسائل وأدوات تعمم هنا وهناك في مجتمعات تحتضن جميع اسباب الانفجار وصولاً إلى التقاتل وحتى التذابح .

اليوم تمضي المجتمعات العربية بخطى متسارعة نحو الانتحار الجماعي، وفي ذاكرتها الجماعية وعقلها الباطني أنها سائرة نحو التغيير . ثمة تخمة فائضة بأسباب وخلفيات التدافع نحو عسكرة العقل العربي وإقناعه بأن آماله لن تتحقق إلا بالقضاء على الخصم الآخر . فإما الكل لي أو لا شيء للآخر . إنها معضلة العقل والتفكير والسلوك المجتمعي الذي بات جزءاً من سلوك معتاد في المجتمع العربي .

لا شك في أن مثل تلك الصور النمطية تنذر بتداعيات خطرة ليس على مستوى المجتمعات، بل أيضاً على الأمة وتراثها وحضارتها التي تمثّل الغير بها وتمكن من الوصول إلى بناء دول عصرية قادرة على استيعاب الجميع . إننا فعلاً بحاجة إلى معجزة يبدو أنها لن تتحقق قريباً، في ظل تفخيخ مجتمعاتنا بأدوات ووسائل من الصعب تفكيكها قبل أن تتفكك هي نفسها .


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 28 / 565230

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010