الاثنين 11 شباط (فبراير) 2013

فصائل منظمة التحرير : هل هي للماضي «دُرْ»....

الاثنين 11 شباط (فبراير) 2013 par أيمن اللبدي

واقع أداء الفصائل الوطنية الفلسطينية على كل المستويات أصبح واقعاً مزرياً ومثيراً للشفقة دون شك فيما لا يحتاج إلى أدلة ولا إلى براهين، طبعا هذا الواقع لا يشمل الفصائل الاسلامية الفلسطينية حركتي «حماس» و«الجهاد» والتي هي أيضا تحمل صفة أنها خارج إطار منظمة التحرير الفلسطينية حاليا مشتركة في هذا مع فصائل أخرى.

جذور الخلل

يبدو بكل بساطة أن تلكم الفصائل التي اختارت بطريقة أو بأخرى مبادرة أو مضطرة الانصياع لتيار جارف ضرب العمل الوطني الفلسطيني منذ بداية السبعينيات مختاراً أن تكون بوصلته العمل السياسي نضالاً في سبيل القضية الوطنية هي التي تعاني اليوم فيما تعاني من التوهان وحالة الخلخلة، بعض هذه الفصائل مارس الكفاح المسلح في مرحلة تالية وفقاً لما كانت منظمة التحرير الفلسطينية قد أقرته وسيلة وحيدة لتحقيق التحرير والعودة ممارسة المتلكيء الذي حرفه أحيانا ليصبح وسيلة تحريك أو تغذية للنشاط الأصلي الذي بات يمارسه فعلا في تلكم المرحلة بكل ما لديه من وقت وجهد وموارد.

هذا كان حال حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» التي أدارت العمل الوطني الفلسطيني منذ انطلاقتها في العام 65، وأدارت معه توجهات منظمة التحرير وبالتالي إجماع فصائلها على استبدال الوضوء بالتيمم ،وتحت مختلف أنواع التبريرات التي رؤي أنها قد تبدو صالحة لتفسير القرار بالتخلي عن أسلوب الحرب الشعبية الشامل ووسيلته الكفاح المسلح طريقا وحيدا ، وصولا إلى خيار التفاوض الفضفاض الذي بات محمود عباس وجماعته يمارسونه منذ العام 2005 على الأقل، وهذا الحال غدا نفسه موضع واقع الفصائل «الملحقة» بهذا التوجه والتي كانت ضمن إطار منظمة التحرير الفلسطينية مثل الجبهتين الشعبيتين وأخرى أصغر منها أثراً .

حركة «فتح» بقيادة الراحل أبو عمار سارت نحو تبني ما عرف ببرنامج المرحلية ونقاطها العشر،و هدف تجسييد دولة فلسطينية على ما ينسحب منه العدو من المناطق التي احتلها إثر عدوان 67 دون قيد أو شرط - هكذا بدأت الرواية- منذ العام 1974 رسميا وعقب حرب تشرين وما أعقبها من حديث عن التسويات السياسية ومؤتمر جنيف حينئذ، هذا ما اصطلح عليه «بالمشروع الوطني» للدولة، وهي في هذا الخيار كانت تدرك أنها تمارس مقامرة سياسية لأنها ببساطة تكذب على نفسها وعلى مبادئها المجرّمة لكل تنازل عن أي شبر من أرض فلسطين والمحرّمة الصلح والتسوية مع العدو فضلا عن الاعتراف به ، لكنها استخدمت ما يعرف اليوم ب«فائدة الشك» بحيث كانت دوما تضع الباب مواربا للتفسيرات حول نيتها الحقيقية للتخلي عن جملة ما انطلقت من أجله في العام 1965 أي قبل ضياع الضفة وغزة، وبين ما انخرطت فيه تحت شعار المرحلية.

في حركة «فتح» عندما كانت المرحلة لا زالت في أول مسارات هذه الانخراطات كان من الممكن تعايش أصحاب المبدأ ودعاة «الشطارة»، لأن المواجهة مع العدو كانت لا تزال قائمة في كل المستويات بل و في مختلف الساحات أيضا ، ولهذا مارس الطرفان كل قناعاته وخياراته دون أن يكون هناك ثمة ما يجعل بعض الاحتكاكات العالية واضحة اللهم باستثناء مرات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة من مواجهات بعضها انتهى عنيفا بخروج المحتجين أو بإخراجهم عن «فتح»، وإذا كانت الصورة الظاهرة في عنوان هذه الاحتجاجات هي صورة تنظيمية أو إجرائية ضد الفساد وأمراض استشرت وأزمن بعضها، فإن الصورة الخفية كانت دوما هي القلق والرفض لمرحلة الشطارة والتشاطر على القوانين السياسية الطبيعية للثورات والتحايل لتمرير بعضها من سمّ خياط الدهاليز السياسية العربية والدولية.

خارج«فتح » عند معظم الفصائل القومية والأممية كانت الصورة مختلفة تماما، فهي كانت بالمعظم تمثل حالة الاعتراض الدائم على هذا التوجه في اشتقاق واجتراح وصفات فلسطينية للقوانين الثورية التي لم تشهد من قبل هذه الوصفات وبمثل هذه الجرأة في قوة التبرير، طبعا «الميزان الدولي» للقوى والحالة العربية ومسلسل الأزمات التي وجدت فيها الثورة نفسها في عمق وبؤرة عواصفها كانت دوما هي أداة التبرير لهذه الوصفات الجديدة المعلّلة لهذا التوجه عند فريق «فتح» المسيطر على الصورة العامة، لكن رفض الفصائل خارج« فتح » لكل ذلك وبالذات مثلاً عند الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بدا أنه رفض مبدئي عند بعض قيادتها في المكتب السياسي ولكنه قادم من واقع أنه متسلح بواقع دعم المعسكر الاشتراكي له عند المعظم الباقي فيها، أما الجبهة الديموقراطية مثلا فهي لم تمانع أن تكون مسبار الاختبار لفتح في كثير من الحالات بما يفيد استنتاج أنه لم يكن ثمة الكثير من مبدأية الرفض على كل حال ومعلوم أنها كانت صاحبة مشروع المرحلية إياه.

الفصائل الأخرى عربية «السيرة الذاتية» كانت في واد مختلف طبعا ، وهي في حركتها وطرحها وتفاعلها إنما تتحرك وفق مسار آخر وطريق أخرى لها حسابات داخل الحالة العربية أكثر من حساباتها الفلسطينية إلا ما ندر من الحالات، وبينما كانت معظم هذه الحالة الفصائلية تحظى بنسب تمثيلية جيدة في واقع حياة الشعب الفلسطيني في الداخل المحتل،بقيت هذه المذكورة أقل حظاً بكثير في التواجد فضلا عن التمثيل وانخراط الكادر السياسي في نشاطها على مختلف منعطفات التاريخ الفلسطيني الحديث، لذا بقي تأثير فعلها وقولها محدودا للغاية ولولا نظام المحاصصات التي ثبتته الحالة الفلسطينية لما لحظ وضعها.

محطات مفصلية

مع بداية أوسلو العام 1993 وصلت الحكاية الفلسطينية إلى محطة جديدة تختلف قطعيا عن كل ما سبقها من محططات، ففي السابق كانت الأطر النظرية هي التي تصطرع وتلقي بظلالها على الصورة الحقيقية في أرض الواقع بأقل تأثير طالما أنه حديث عن مستقبل خيارات ومسارات، كما أن العمل الثوري والوطني كان لا يزال ممكنا ومتاحا ومحققا لاختراقات نوعية حتى بعد الخروج من بيروت خريف العام 1982 عندما انفجرت الانتفاضة عام 87 محققة إضاءة قوية على الامكانيات الحقيقية لما يمكن أن يعطيه الفعل الثوري وعلى المباديء ومقدرتها والتي تم كما يبدو نسيانها في غمرة ما فرضته الأحداث وتسلسلها من واقع اضطراب وإعادة موضعة، كان يبدو أن بعضهم كان قد نسي أن الثورات تحتفظ دوما بدروسها وباجتراحاتها السعيدة فقط عندما يتم الاخلاص لقوانينها دون مواربة، وعندما جاءت الانتفاضة استطاعت أن تدلل على درس قديم لعله يساهم في الانقاذ.

بدلا من ذلك جرى الاستفادة من ثمار المبدأ وفعله ليتم توظيفه من جديد وللأسف في قانون «الشطارة الفلسطيني» والمغامرات الخطرة، وهو على كل حال انتقل من كونه أسلوبا في لحظة ما ليصبح قانونا بديلا ، وحلت هذه المغامرة المستعجلة وفق أسوأ سيناريو ممكن لتشكل مفصلا جديداً بين تاريخ وتاريخ آخر مختلف تماما، غدت الصراعات النظرية جنّة بالنسبة لما يمكن أن ينتج في مرحلة من هذا النوع الذي قد تنتهي فيه الصورة لتصبح فلسطين التاريخية وأكثر من (78%) من أرضها مجرّد كادوك لاغي حتى من الذاكرة الوطنية، وهنا كان لا بد من مراجعة أو حتى فرصة للتقييم و فرصة لاعداد قارب نجاة فيما لو غرقت هذه المغامرة من أساسها، لكن ذلك لم يتم على الاطلاق والادعاء بأن بعض المؤسسات الخاصة بمنظمة التحرير أبقيت خارج وضع أوسلو جغرافيا وأداء غير صحيح فهي بقيت كما يبدو لأن شوط الفعل المتدحرج باندفاع لم يلحظها بعد.

أوسلو نفسه كان سيكون مفصليا في إمكانية استكمال سيرة المرافقة لتيارات مبدئية وتيارات براغماتية حتى الثمالة في حركة «فتح» وإن انتظر التعبير حتى انطلاق الانتفاضة الفلسطينة الثانية ليبرز حالة القطع مع هذا التساير، لقد كانت الانتفاضة الفلسطينية الثانية بعد العام 2000 هي الاعلان أنه لا يمكن الترافق كما كان يحدث بالماضي لأنه غدا المطلوب في واقع الأمر ليس استخدام فائدة الشك والضبابية في الطريق الطويل، بل غدا المطلوب هو صلب القوى الثورية لصالح ظروف حالة تفريط واضحة وانقلاب حقيقية على المبدأ، وكان انخراط الشهيد أبو عمار في هذه العملية الاستدراكية التي مثلتها الانتفاضة الثانية هو اعتراف صريح بفشل قوانين الشطارة الفلسطينية التي ابتدعها واعتذار واضح لقوانين الثورة التي جرى التخلي عنها يوما، وهكذا كان تشكيل كتائب شهداء الأقصى وانخراطها الفعلي في الاستدراك، وتأتي عملية اغتيال أبو عمار جزءا من عملية «الاغراق» التي أريد لها أن تستكمل على صورة ما جرى عقب ذلك من مسرحية مؤتمر« فتح» السادس وحل الكتائب وتغير عقيدة وتركيبة أجهزة السلطة و«فتح» معها.

جزء مهم من الفصائل الأخرى كانت حالها المفصلية نحو الدخول في حالتها الاستلابية الراهنة مرتبطة بسقوط المعسكر الاشتراكي النظري قبل الفعلي، وبنواتج الحرب على الارهاب الامريكية وما تلا العدوان على العراق وغزوها الذي كان متوقعا في المتوالية التي أعدتها إدارة بوش لسوريا، ولذا فهي في حالة كمون داخل واقع السلطة الفلسطينية ربما أكثر من حاجة تيار التسوية داخل« فتح» نفسها لهذا الملجأ الذي بات كأنه ملجأ للعجزة والمرهقين وبعض من يسمون أنفسهم بالمحاربين القدامى، وطبعا الجزء عربي السيرة الذاتية كان أسبق من ذلك بكثير لهذه الحالة ولولا أن حالة المقاومة المجددة عبر حركتي «حماس» و«الجهاد» في مرحلة ما كانت خارج الوطن المحتل بظروف قادرة على تشكيل عنوان من خلال لجنة المتابعة والفصائل العشر لكانت هذه أيضا أسبق من تلكم في اللجوء إلى الملجأ الجديد ويكفي التدليل بحالة الفارق بين أداء الجبهة الشعبية في الخارج وبين أدائها في الداخل وعلى مفرقي الضفة وغزة للتدليل على هذا الواقع بما يستنتج منه.

الحسم الضروري للمستقبل

الواضح تماما أن لا إمكانية لتحقيق ترقيع في حالة هذه الفصائل كلها على نحو يضمن لها أن تبقى في واقع من يعتاش على اللحظة الفارقة، ويكفي استقدام ما يعرف بملف المصالحة الفلسطينية ليتم التيقن أن هذا المستقبل سيكون خارج صلاحية هذه الحالة الفصائلية، فمهما تعددت التنظيرات والتأويلات والتحليلات لا يمكن أبدا تجاهل الحقيقة المؤكدة البسيطة والتي تقول أن ثمة طرحين وطريقين في الساحة الفلسطينية اليوم، الأولى منهما مستعدة أن تقضي حياتها وحياة من بعدها في برنامج أصبح نمط حياة في الواقع، هو برنامج التفاوض الفضفاض مع العدو الذي أعلن منذ بداية عملية مدريد أنه مستعد لممارسة هذا الفن لعشرات السنين القادمة على لسان الصهيوني شامير طالما أن برنامج التهويد مستمر وأن الفلسطينيين لا يحصلوا سوى على مسار مليء بما يدرونه من وقت مجاني واحتلال مستريح، وبين برنامج آخر يقول أنه لا مجال إلا بالعودة إلى التجارب المؤكدة وقوانينها في أن لا احتلال وخاصة من نمط هذا الاقتلاعي الاستبدالي يمكن أن يرحل دون القوة باخراجه سواء قالت به شخصيات أم قوى أم فصائل أم مؤسسات وغدا لها برنامجا ودليل عمل.

واضح أن هناك خياراً بين أن يكون المرء خارج إطار البرنامج الفعلي للمستقبل وآلاته المؤكدة وصيرورته العلمية عبر برنامج الكفاح الشامل وأول أدواته الكفاح المسلح، وبين من يريد أن يكون في إطار برنامج الوهم والتوظيف لهذا الوهم ضمن استهلاك الكيان الصهيوني للوقت وعناصره في مشروعه الاقتلاعي، وبالقطع فإن مسألة التوليفة الفصائلية القائمة إن بقيت تنسج على منوال نظرية «ملجأ العجزة» في أروقة مشروع دولة العضو غير العضو فإن العناصر التاريخية الفاعلة ستتجاوزها قطعا، هذا هو الحسم الضروري الذي يمكن أن يشكل اجتيازه بنجاح مشروعا مستقبليا لأي من الملتحقين به سواء أكانت قوى أم تيارات أم شخصيات، ونمط من هذا التوافق يمكنه أن يصيغ إعادة حقيقية لمنظمة التحرير أو لأي صيغة مماثلة وفصائلها لأن المقاومة وحدها هي صاحبية الحق في صياغة التمثيل وصياغة مؤسساتها، ولذا فإن هذه المقاومة بمقدورها صياغة جبهتها ومؤسستها الجبهوية الفاعلة على الأرض بما تحققه قوتها والتي أثبتت أنها الضامن الحقيقي للتغييرات الفعلية على الأرض التي من الممكن تسميتها بالمكاسب للشعب الفلسطيني وقضيته، المهم المبدأ الأساس والوسيلة الأساس ،وليست تلكم الناتجة عن الدوران في الفخ الصهيوني القائم على أرض الضفة والقدس تحت وهم مشروع دولة من أي نوع، الوطن والأرض أولا بعد ذلك نرى كيف نرسم بطاقتها البريدية وماذا نكتب عليها .


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 84 / 574729

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع أعمدة الموقف  متابعة نشاط الموقع أيمن اللبدي   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010