الجمعة 1 نيسان (أبريل) 2016

لا أخلاق لمحتل

الجمعة 1 نيسان (أبريل) 2016 par عوني صادق

دولة «إسرائيل» قامت على جملة من الأساطير، بعضها اعتمد على الأساس الديني والقصص التوراتية، وبعضها على تزوير التاريخ وبعض أحداثه، وبعض ثالث تم اختراعه حديثاً. وبالرغم من سقوط معظم تلك الأساطير، إن لم يكن كلها، إلا أن العمل لا يتوقف عن التمسك بالقديم واختراع الجديد. آخر أسطورتين تم التركيز عليهما والترويج لهما في السنوات الأخيرة كانتا تتعلقان بالجيش «الإسرائيلي». الأولى تتحدث عن «الجيش الذي لا يقهر»، والثانية تتحدث عن «الجيش الأكثر أخلاقية في العالم»!
ومع بداية الألفية الثالثة، بدأ سقوط أسطورة «الجيش الذي لا يقهر»، حيث أثبتت كل المغامرات العسكرية التي خاضها هذا الجيش في لبنان وفي قطاع غزة، في الأعوام 2006، 2012 و2014 أن هذا الجيش يمكن أن يقهر بالرغم مما يملكه من عدة وعتاد لا يقارنان بما امتلكه من قهروه في لبنان وغزة، وحيث أجبرت وقائع الحروب قادة هذا الجيش على الاعتراف بهذه الحقيقة، ولو بطريقة مواربة، فبدأوا يتحدثون عن «قوة الردع» التي أصبح التشكيك فيها حديثاً يجري علنياً على ألسنتهم.
ومع أن الجيش «الإسرائيلي» بدأ بارتكاب الجرائم التي لا تسمح له بادعاء الأخلاق والأخلاقية منذ بداياته، بل وقبل قيام «الدولة»، إلا أن الترويج الإعلامي الكاذب أبقاه بفضل عدم توفر الظروف لتوثيقه وفضحه. لكنه ومنذ بداية الهبّة الشعبية الفلسطينية الحالية، التي انطلقت منذ ستة أشهر وعمت الضفة الغربية، والمحتل عام 1948، وما اقترفته قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين من إعدامات ميدانية في وضح النهار، أتاح الفرصة للتوثيق وإظهار الطبيعة الإجرامية لهذا الجيش، ومن ورائه بنية «الدولة» ومؤسساتها، والعقلية العنصرية الفاشية السائدة فيها، عندما تم توثيق عملية إعدام الشهيد عبدالفتاح الشريف في الخليل، يوم 24-3-2016، قام بها أحد أعضاء منظمة (بتسليم) «الإسرائيلية» لحقوق الإنسان.
«إعدام بدم بارد»، بهذه الكلمات بدأ المعلق العسكري عاموس هرئيل مقاله في صحيفة (هآرتس- 26-3-2016)، واصفاً عملية قتل الشهيد الشريف على يد جندي من جنود اللواء (كفير)، أحد ألوية الجيش «الإسرائيلي» المكلف بمواجهة شباب الهبّة الفلسطينية. ويضيف هرئيل: «المسألة الأساسية هي أن الكاميرا تظهر لنا بشكل نادر نسبياً توثيقاً مفصلاً وشاملاً للحادثة التي لا تبقي أي مجال للتحليل المناقض»، وبما أنه «لا مجال للتحليل المناقض»، صار لا مفر من تصوير «الحادثة» كأنها حالة فردية واستثنائية، لم تحدث قبلها، ولن تحدث بعدها، ويضع هرئيل سؤالاً يبدو استنكارياً وهو: «إلى أي حد حادثة الخليل استثنائية»؟ وليؤكد أنها "استثنائية" حتى الآن، يجيب عن السؤال المضلل الذي وضعه بالقول: «البهيمية على شكل ما حدث في الخليل، قد تتحول بسرعة إلى نظرية غير مكتوبة للأحداث في الميدان»، هذا هو المطلوب، وهذا ما يريد الوصول إليه: حادثة الخليل استثنائية، و«قد» تتحول إلى «نظرية في الميدان»، لكنها ليست كذلك حتى الآن، لكن ما هي الحقيقة التي أراد المعلق العسكري «الإسرائيلي» أن يطمسها؟
جاء في تقرير لمنظمة (بتسليم) أن أول جريمة إعدام ميدانية لفلسطيني تمت بهدف القتل، تم توثيقها بتاريخ 9-10-1988، أي بعد سنة من اندلاع الانتفاضة الأولى، عندما أعدمت قوات الاحتلال بشكل غير مبرر، ومن دون حصول مواجهات مع الفلسطينيين، الشهيدين كمال الطبيخ وفضل النجار في بلدة يطا جنوب الخليل. ومنذ ذلك اليوم، جرت إعدامات عدة لم يتم توثيقها، وهكذا، ليست عملية إعدام الشهيد الشريف «استثنائية»، ولم تحدث لأول مرة، (طبعاً نناقش هذا جرياً مع التزوير «الإسرائيلي» لتفنيده، لأن إرهاب المنظمات الصهيونية التي تشكل منها الجيش «الإسرائيلي» بعد قيام «الدولة» معروف لمن لا يريد تزوير الحقائق).
لقد دافع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير حربه، ووزراء وأعضاء في الكنيست عن الجندي القاتل بعد اعتقاله، وبعد أن ثار الجدل حول الموقف منه. وفي مستهل جلسة الحكومة يوم 27-3-2016، قال نتنياهو: إن «أي تشكيك في أخلاق الجيش أمر مرفوض وشائن»، وجاء في بيان صدر عن مكتبه: "الجنود «الإسرائيليون» أولادنا يحافظون على قيم أخلاقية عالية، وهم يحاربون بشجاعة قتلة متعطشين للدماء في ظروف عملانية صعبة"، وفي ما يشبه الإيحاء بما يجب أن ينتهي إليه التحقيق الجاري مع الجندي القاتل، أضاف: «أنا متأكد أن التحقيق الذي يجري حالياً سيأخذ في الاعتبار كل الظروف»! وليس أوقح ممن يكذب وهو يعرف أنه يكذب. لقد أثبتت الوقائع أن جنود نتنياهو قتلة وجبناء، ولا أخلاق لهم، ولكن ما المتوقع من شخص يقف على رأس جهاز قام على القتل والكذب؟
إن من يغتصب أرض غيره، ويصر على التحكم في مصير شعب آخر، ليست الأخلاق كلمة في قاموسه، وقوات الاحتلال أينما وجدت، لا أخلاق لها، بل هي عديمة الأخلاق. ولسنا وحدنا من نعرف ونقول هذا، بل هناك بعض «الإسرائيليين» يقولونه أيضاً. ففي مقال له في صحيفة (هآرتس- 27-3-2016)، كتب جدعون ليفي: «هذا القتل الروتيني الذي لا يمكن منعه، هو الحاضر والمستقبل. لا يمكن استمرار الاحتلال من دون قتل كهذا والذي يزداد أكثر وأكثر. في الخليل يمكن الاستمرار من خلال الإعدام اليومي فقط، وفي الضفة يمكن الاستمرار من خلال المزيد من جرائم الحرب فقط». ويضيف: «هذه هي أخلاق الجيش «الإسرائيلي». وحقيقة أنه لم تتم محاكمة أي جندي بسبب الإعدام، هي العاكس الحقيقي لأخلاقه».


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 5 / 565499

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع عوني صادق   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010