السبت 4 تشرين الأول (أكتوبر) 2014

حروب الشركات

السبت 4 تشرين الأول (أكتوبر) 2014 par د. حياة الحويك عطية

الشركات أولاً هي تلك العابرة للقارات التي أطلق عليها، عام ،1990 رئيس تحرير "لوموند ديبلوماتيك" ايناسيو رامونيه لقب "سادة العالم الجدد" . قالها في مقال بحثي ومن ثم جعلها عنواناً لكتاب تحليلي معمق موثق . لكن الشركات هي، وما قبل عام ،1990 ما يسمى شمولاً: "المجمع الصناعي العسكري" . المجمع الذي قال عنه نيكسون في خطاب استقالته بأنه إذا ما استمر في نفوذه سيقضي على الديمقراطية الأمريكية .
ما يهمنا في هذه المنطقة البائسة من العالم أن سادة العالم الجدد لا يرون فينا إلا مجرد حقول استثمار، وجمع من الناس، يملكون ثروات لا يستحقونها، ويجب أن يستمروا في تدهورهم الحضاري كي لا يستحقونها أكثر فأكثر .
أما المجمع الصناعي العسكري، وهو غير منفصل عن السادة، فإنه لم يقض على الديمقراطية الأمريكية - كما كان هاجس نيكسون (وقبله كنيدي) وايزنهاور، بل إنه قضى على شعوب منطقتنا، العربية والشرق أوسطية بامتطاء توقهم إلى الديمقراطية . أول توق وأنا أقصد حسني النية أو الواعين لمصالحهم كمواطنين وكشعوب (وهؤلاء للأسف قلة) ذاك أن امتطاء الآخرين، الأكثرية لم يات إلا بفعل توق آخر . توق إلى التزعم والمال ولو بثمن دمار البلاد ودماء العباد، وتوق إلى التفريج عنفياً عن مكبوتات اجتماعية وثقافية وسيكولوجية وجنسوية وسياسية . تفريج يكتسي أسوأ أنواع ردات الفعل عندما يقترن بالجهل والأمية وسوء فهم الدين، وبالتالي بغياب منظومة أخلاقية واضحة وإنسانية .
منذ أربع سنوات، وهذا التصعيد اللا أخلاقي باسم "الثورات" يدار كما عصي البلياردو لمصلحة الشركات المتعددة الجنسيات والمجمع الصناعي العسكري .
كارثة كاملة يمكن تلخيصها بوجهين:
- الأول استمرار التحطيم، تحطيم كل شيء مادياً وإنسانياً والمطلوب واحد: استمرار الصراعات المسلحة كي تنتعش مصانع الأسلحة في الولايات المتحدة أولاً وفي الدول الأوروبية ثانياً، وتصفق لصفقات بالمليارات . أما ما تسميه هبة فيكون ثمناً لمشاركة اقتصادية مقبلة في نهب ما يتبقى . وكل هذا يحمل جزءاً كبيراً من الإنقاذ للأزمة الاقتصادية الغربية .
- تحطيم البنى التحتية وكل مظاهر المدنية والتنظيم الاجتماعي، بحيث تسوى بالأرض ويصبح أمل الناس الوحيد أن يأتي من يقوم بإعادة الأعمار ولا هم ما إذا كان هذا المعمر الجديد هو الذي دمر . هو نفسه الذي باع السلاح كي يدمر، ويبيع إعادة البناء كي يعيد الحد الأدنى من الحياة . والمنشار يقطع من الطرفين .
وجهان للتدمير الإنساني والاقتصادي يمكن لكل من أراد استعراض الذاكرة أن يجدهما في سيرة أي صراع عربي أو شرق أوسطي . من لبنان، إلى فلسطين، إلى الجزائر، إلى السودان، إلى تونس، إلى ليبيا، إلى مصر، إلى أفغانستان، إلى باكستان، وتظل العراق وسوريا على رأس القائمة .
عندما زرنا العراق عام 1991 بعد وقف إطلاق النار، اصطحبنا بعض الخبراء إلى المنشآت المقصوفة المدمرة، وكان واضحاً كيف أن الطائرات الفرنسية، مثلاً، هي من قصف المواقع التي بناها الفرنسيون لأن لديهم مخططاتها . ولم يلبث أن ظهر إلى العلن أن هذا شكل جوهر الخلاف بين ميتران وجان بيير شفينمان (وزير الدفاع الذي استقال احتجاجاً) . الأمريكيون بدورهم قصفوا بضربات أسموها "جراحية" وقد تبين أيضاً أن عملية الاستئصال الجراحي هذه طالت كل البنى التحتية ومؤسسات الدولة والمجتمع، قبل أن يأتي احتلال 2003 ويسحق القوة البشرية . ومن يومها، وأول واجبات الحكومة العراقية توزيع الصفقات واستدراج العروض المستدرجة أساساً .
في سوريا تكرر الأمر، وتركز أولاً على تدمير القوة الصناعية - منذ العام الأول للحرب - لأن هذا البلد تميز بأنه البلد العربي الوحيد الذي يفوق إنتاجه استهلاكه ويعاند في تحقيق استقلالية اقتصادية . بعد الصناعة جاء دور المؤسسات، وبرزت ""داعش"" لتحتل حقول ومصافي النفط والغاز - مصادر الطاقة - ثم جاء القصف على "داعش" ليدمر هذه المواقع الاستراتيجية حياتياً، تاركاً السؤال: لماذا أخلت "داعش" أكبر مصفاة للغاز قبل ضربها بأسبوع، وعندما ضربت لم تخسر فيها الكثير . سؤال أهم: من الذي سيعيد بناء هذه المنشآت ويتملك حق استثمارها بعد أن تنتهي الحرب أو بعد أن تأخذ منحى مختلفاً؟
الآن يتحدثون عن حرب خطوط الإمداد بعد حرب المصافي والحقول التي لم تنته . ولكن: ألم تكن خطوط الإمداد هي العقدة الرئيسية في الصراع منذ ما قبل تحوله عسكرياً؟
هل سيدمر كل شيء، ليعيد حماتنا من الإرهاب بناءه لحسابهم وبما ندفعه من ثرواتنا التي تحول إلى هذه الصناديق؟
هل سيكون ثمن الحل، أياً كان، وعلى يد من كان، التسليم بدور الشركات متعددة الجنسيات والخضوع للوبي الصناعي العسكري ؟ دون أن ننسى طبعاً تصفية الموضوع الفلسطيني الذي لا يخرج عن دائرة صراع الثروات، إعادة البناء، الشركات، البحر والغاز .
إلى أين تمضي حرب الشركات، سادة العالم الجدد .


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 135 / 581967

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع حياة الحويك   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010