السبت 30 نيسان (أبريل) 2016

من صحافة العدو : مفارقات المستقبل الإسرائيلي بين الاستقرار والصدام

السبت 30 نيسان (أبريل) 2016

- مفارقات المستقبل الإسرائيلي بين الاستقرار والصدام

تحتفل إسرائيل هذه الأيام بعيد الفصح الذي ترى فيه عيدا للتحرر من العبودية ويوما للانعتاق والخروج من مصر. وتمثل الاحتفالات بهذا العيد في ظل الهيمنة اليمينية المتزايدة على مناحي الحياة العامة في الدولة العبرية نموذجا فظا للمفارقات. فعيد الحرية يعني، في واقع الحال، تزايد المخاوف من قيام المظلومين الفلسطينيين تحت الاحتلال بالتمرد على واقعهم والصدام مع الإسرائيليين. وعيد الحرية الذي يخرج فيه الإسرائيليون بجموعهم للتنزه والسياحة في أنحاء العالم يوفر فرصة للاصطدام بما تكتنزه الذاكرة العامة من تناقضات.
ومن شبه المؤكد أن الأحداث الأخيرة وتجليات العنصرية التي تبدت في مسائل الفصل في المستشفيات بين الولادات العربية واليهودية وإقدام جندي على إطلاق النار على رأس مصاب فلسطيني في الخليل توفر نوعا من المرآة كي يرى الإسرائيليون فيها حقيقة أنفسهم. صحيح أن هناك من يكابر ويدعي أن مثل هذه الأفعال لا تعبر لا عن روح اليهودية ولا عن طبيعة الصهيونية ولكن الأغلبية، وفق استطلاعات الرأي، لا يجادلون في هذا النفاق ويقفون صراحة إلى جانب العنصريين باعتبارهم ممثلين حقيقيين عما يدور في قرارة أنفسهم.
وهكذا، فإن «الجيش الأكثر أخلاقية في العالم» لم يفلح في إبقاء الجندي القاتل الذي اتهمه وزير الدفاع موشي يعلون بـ «البهيمية» قيد الاحتجاز في معسكر للجيش وسمح له بالخروج لقضاء عطلة عيد الفصح مع أهله في بيته. وطبعا فإن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، تذكر أنه «والد جندي» فطالب المحكمة العسكرية بأن تأخذ بالحسبان الظروف المحيطة بالجندي رغم اتضاح أنه يؤيد أفكار اليمين المتشدد.
ويختلف الإسرائيليون فيما بينهم في تشخيص حالة المفارقة هذه القائمة حاليا في المجتمع والمؤسسة الإسرائيلية. وهكذا فإن البروفيسور تشيلو روزنبرغ يكتب في «معاريف» تحت عنوان «الاندفاع نحو الهاوية» أن «المجتمع الاسرائيلي يقف على شفا هاوية. فالجنون الوطني بلغ أحجاما مخيفة. القطيع فر، ضل في طرق ملتوية، والرعاة مرتاحون في نومهم. الى الجحيم بكل شيء، على أن يكون الخير للرعاة. ولكن قطيعا بلا راع هو خطير جدا. ما يرتسم امام ناظرينا ليس سوى فوضى بكل معنى الكلمة. صحيح، حتى للفوضى قانون خاص بها، غير أن في نهاياتها لا ينتظرنا أمل بل دمار، دم وكرب. وضعنا اليوم ليس بعيدا على الاطلاق عن وضع المجتمع اليهودي عشية خراب الهيكل الثاني. المتطرفون يقررون النبرة».
كما أن كبير كتاب التحقيقات في «هآرتس»، آري شافيت كتب عن الواقع الذي يزداد اشتعالا بفضل استمرار الاحتلال والابتعاد عن حل الدولتين. واعتبر أن تفجير الحافلة في القدس مؤخرا أشار إلى المستقبل الذي ينتظر إسرائيل إذا استمر الاحتلال. وتساءل: «هل أنتم خائفون من حماس والقاعدة وداعش؟ اسرائيل تعرف كيف تضرب المنظمات الموجودة خارج اراضيها، لكنها تكون مكشوفة ومعرضة للاصابة اذا ضربت حماس أو القاعدة أو داعش جذورها في التجمعات السكانية للضفة الغربية، وتبدأ باحراق الدولة من الداخل. هل تريدون قوة؟ دولة بدون حدود تسيطر على شعب يعارض مبدأ وجودها. إنها دولة تضعف بشكل خطير. تريدون أمن؟ والسيطرة على ملايين الفلسطينيين المقموعين والمحبطين ويكرهون مستقبلها ويزعزعون الامن القومي والامن الشخصي. لا يمكن أن يكون وضع الدولة الواحدة هو وضع استقرار وهدوء. وضع الدولة الواحدة يحمل في طياته الكارثة».
ولكن، كما هو واضح من مقالة ألون بن دافيد أدناه، ليست الصورة تماما على هذا النحو الكئيب. فهو يلحظ أن إسرائيل اليوم باتت أقل تعرضا للمخاطر الوجودية من أي وقت سبق موضحا أن المنطقة العربية تتفكك وأن الجيش السوري الذي كان يمثل الخطر الأساسي على إسرائيل تبخر. ومع ذلك فإن بن دافيد يرى أن الحل بيد إسرائيل التي يمكنها عبر خطوات تقدم عليها أن تحول دون صدام مع حماس في غزة. ومعروف أن كثيرين في إسرائيل وفي العالم يرون أن الصدام مع حماس قد يفتح الباب أمام مواجهة شاملة في المنطقة.
في كل حال ورغم وثوق الإسرائيليين بأنفسهم وبحلفائهم الأميركيين فإن خريطة العداء وإن تغيرت لا تزال تحمل في ثناياها مخاطر جدية على الدولة العبرية. وبحسب المعلق العسكري في «إسرائيل اليوم»، يؤآف ليمور فإن الخطر على إسرائيل يأتي من أربع جبهات: فلسطينية وعربية وإيرانية ودولية. وفي نظره فإن «أنفاق في غزة، موجة ارهاب في الضفة، عمليات داعش والحرب الاهلية في سوريا، تعاظم حزب الله ومستقبل المشروع النووي في ايران، استقرار الحكم في مصر وفي الاردن، كل هذه هي فقط بعض من التحديات التي ترافق في السنوات الاخيرة الشرق الاوسط، واسرائيل، والتي تجمع بينها ميزة بارزة للغاية هي انعدام اليقين».
ويولي ليمور أهمية كبيرة لما يجري في غزة وواقع الردع الإسرائيلي الهش وفي الضفة الغربية حيث اليأس والبحث عن وريث للزعامة. ولكن الخطر الأساس في نظره هو ذلك القائم في سوريا واحتمال عودتها لتلعب دورها كدولة في المنطقة. ولكن انعدام التسوية لا يمنع مستقبلا قيام بعض المنظمات هناك من توجيه سلاحها ضد إسرائيل رغم عدم وجود ملامح لذلك حاليا. ويرى أن إسرائيل في أي تسوية للأزمة السورية ستطالب بتقليص إمكانية تعزيز قدرات الجيش السوري ومحاولة ضمان استمرار الهدوء على هضبة الجولان. ومع ذلك فإن حزب الله يمثل عنصر قلق كبير لإسرائيل بوصفه «درع لبنان» الذي أفلح في تعظيم قدراته وقوته العسكرية. ولا يقل أهمية عن ذلك استمرار الخطر الإيراني واحتمالات تضعضع الأوضاع في مصر والأردن رغم الأمل في التحالف مع السعودية على خلفية عدائها لإيران.

- ثمن كلام نتنياهو الأمني

لم تقد المعارك العسكرية المركزية الثلاث التي خاضتها إسرائيل في قطاع غزة، منذ خطة الفصل ـ عملية «الرصاص المسكوب» 2008، و «عمود السحاب» 2012 و «الجرف الصامد» 2014 ـ إلى أي تغيير أساسي في ميزان القوى بينها وبين حماس. وهدف الجيش، كما صيغ في كل واحدة منها، سيبقى على حاله حتى إذا بدأت جولة قتال جديدة. وأثناء الحرب، تتطلع إسرائيل لإحداث ضرر كبير، كافٍ لترميم الردع تجاه حماس، على أمل أن يتيح هذا، حسب تعبير رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، «لإطالة الفترات الفاصلة»، أي إطالة الهدنة قدر الإمكان حتى المواجهة المقبلة.
وقد انجرّت حكومات إسرائيل لكل هذه المعارك بقدر من انعدام الرغبة، تحت ضغط مزدوج: استفزازات حماس وانتقادات سياسية وإعلامية داخلية، في ضوء تدهور الوضع الأمني في مستوطنات غلاف غزة. ويبدو أنه ليس صدفة أن إيهود أولمرت 2008 ونتنياهو 2012 خرجا للحرب في غزة قبل وقت قصير من انتخابات الكنيست. في الجولة الأخيرة، قبل عامين، أعلن نتنياهو عن انتخابات جديدة بعد وقت قصير من حرب انتهت ثانية بتعادل أثار ضدها انتقادات.
والتغيير الكبير في الصورة الاستراتيجية في القطاع لم تحدثه إسرائيل ولم ينجم عن حرب. فالانقلاب العسكري في مصر في تموز 2013، أعاد للحكم الجنرالات، الذين طردوا حكم الإخوان المسلمين وغيّروا تماماً مقاربة القاهرة لنظام حماس في القطاع، والذي في نظرهم امتداد فلسطيني لخصومهم المكروهين داخلياً. وتجلّى تغيير السياسة المصرية ميدانياً تقريباً بالإغلاق الدائم لمعبر رفح وبعملية منهجية لتدمير الأنفاق التي ربطت القطاع بسيناء. وهاتان الخطوتان شددتا الحصار على القطاع وأضرتا باقتصاد حماس لدرجة الشعور بالاختناق، ما دفع حماس للمواجهة مع إسرائيل صيف 2014.
ولكن كان للخطوة المصرية أيضاً عواقب عسكرية: عشية الفصل عام 2005 احتار رئيس الحكومة حينها، أريل شارون، إن كان ينبغي إبقاء قوات إسرائيلية في محور فيلادلفي الفاصل بين القطاع وسيناء على حدود رفح. وقرّر شارون في النهاية إخلاء المحور، لضمان التأييد الدولي للانسحاب التام من القطاع. معنى ذلك، تحت حكم مبارك، الطنطاوي وبعدهما مرسي، توفّرت لحماس بوابة خلفية مفتوحة في سيناء.
وفي كل مرة عملت فيها إسرائيل في القطاع وضربت القدرة العسكرية لحماس، كان قادتها يعلمون أن بوسعهم خلال وقت قصير استبدال كل اسلحتهم التي خسروها بالاستعانة بإيران، وأن مصر لن تبذل جهداً لمنع ذلك. في «الرصاص المسكوب» درست إسرائيل خطوة أوسع، تشمل إعادة احتلال فيلادلفي، لكنها تنازلت خشية تورط طويل الأمد يكبدها خسائر كثيرة. بعد «الجرف الصامد» الظروف اختلفت جوهرياً. مصر الرئيس عبدالفتاح السيسي تعالج الأنفاق بفعالية أكثر من إسرائيل وقت سيطرتها على القطاع.
وهذا سبب عدم قدرة حماس على ترميم منظومتها الصاروخية بشكل كامل. فالإيرانيون، الذين تحسّنت علاقتهم مؤخراً مع حماس، لا يزال يتعذر عليهم نقل صواريخ حديثة واضطروا للاعتماد على الصواريخ من إنتاج ذاتي، مستوى دقتها وضررها أقل بكثير. وفي المواجهة المستقبلية بقيت لحماس أساساً وسائل هجومية أخرى: أنفاق تجتاز السياج، منظومة مكثفة من قذائف الهاون قصيرة المدى، تأمل عبرها الإضرار بمستوطنات غلاف غزة و «مفاجآت» أخرى، من قوة الكوماندو البحري إلى الطائرات من دون طيار. وأولت للأنفاق أهمية خاصة لأن نقل القتال إلى تحت الأرض يحرم الجيش الإسرائيلي جزءاً كبيراً من مزاياه، وعلى رأسها الدمج بين القوة الجوية والاستخبارات الدقيقة والتكنولوجيا المتطورة.
إن اكتشاف النفق قبالة كيبوتس حوليت، مطلع الأسبوع، يظهر جهداً إسرائيلياً لإغلاق ثغرة الأنفاق الهجومية. ولكن خلافاً لإعلانات نتنياهو الحازمة هذا الأسبوع، الحل التكنولوجي الذي تبلور في الصناعات الأمنية ليس كاملاً وبالتالي لم يجسد بكامله. ولكن أقواله، إلى جانب نشر تقديرات الجيش بأن الوضع يحتاج لعامين لتوفير الرد التكنولوجي للأنفاق، يمكن أن تحدث ضرراً مزدوجاً: تحدي الذراع العسكري لحماس للعمل من أجل استغلال الورقة الهجومية قبل أن تحرم منها في النهاية، والتوضيح لها استمرار نافذة الوقت المتوفرة لها.

الشعب والجولان
والمزاج الثرثار بعض الشيء لرئيس الحكومة في مسائل أمنية لم يقتصر على جبهة غزة. فقد سبقته تصريحات عن كبح الانتفاضة الثالثة في الضفة الغربية وزيارتان خلال أسبوع لهضبة الجولان. الزيارة الأولى، في مناورة لواء احتياط، قرر نتنياهو كشف ما لم يُقَل سابقاً بصراحة على ألسنة ناطقين إسرائيليين (ومنعته الرقابة العسكرية): الجيش هاجم عشرات المرات في السنوات الأخيرة في سوريا لمنع تهريب أسلحة متطورة لحزب الله في لبنان. وفي القفزة الثانية للجولان اصطحب معه الحكومة لاجتماع احتفالي، وعد فيه ببقاء إسرائيل في الهضبة إلى الأبد.
وشرحوا في محيط نتنياهو أن إعلانه بشأن الجولان كان حيوياً نظراً للخطوة الدولية لتحقيق تسوية سياسية للحرب الأهلية السورية وإصرار نظام الأسد على إعادة الجولان له. ونشر المدوّن شموئيل مئير في موقع «هآرتس» تحليلاً معمقاً لمقاربة نتنياهو لسوريا. فالسكرتير السابق للحكومة، تسبيكا هاوز، يحث مؤخراً مبادرة إسرائيلية لاعتراف دولي بضم الجولان لإسرائيل. وتصريحا نتنياهو عبّرا عن خروج عن المقاربة الحذرة التي تعاملت بها إسرائيل مع الجبهة السورية في السنوات الخمس الماضية، وأفلحت في البقاء خارج المستنقع المغرق وتقليص أثرها على الجمهور الإسرائيلي.
ومؤكد أن نتنياهو ليس عديم الاستراتيجيا والرؤيا. معروف أنه محافظ، حذر، شكاك جداً تجاه نيات العرب ومعني أكثر بالحفاظ على الوضع القائم: ضمان التفوق الأمني لإسرائيل، تحصين سيطرتها في الجولان والضفة، والبقاء في الحكم أطول فترة قدر الإمكان. ولكن هناك حالات تراجعت فيها نظرته للمبدأ الأول مقابل المبدأ الثالث.
والمثال الأبرز توقفه عن الانشغال بالاتفاق النووي الإيراني. فخوف نتنياهو من الصدام دفعة واحدة مع رؤساء المؤسسة الأمنية الإسرائيلية والإدارة الأميركية، الذين عارضوا هجوماً إسرائيلياً مستقلاً، قاد إلى قرار عدم مهاجمة المواقع النووية وعدم المخاطرة بمستقبله في الانتخابات المقبلة. وبعد وقت قصير من إبرام اتفاقية فيينا، في تموز الفائت، توقفت أيضاً حملاته على الرئيس باراك أوباما. واختفى من خطاباته توقيع الاتفاق الذي حذر منه معتبراً إياه كارثة فظيعة.
لذلك يبدو أن التحليلات الشاملة تضيع المبدأ الأساسي خلف الإعلانات الأخيرة. وبنظرة من الخارج، مع العقد الثاني لحكمه، يُدار ديوان نتنياهو وفق مبدأ أسمى واحد: الحفاظ على التأييد السياسي له، عبر فرض جدول أعمال إعلامي متغيّر هنا في كل 24 ساعة تقريباً. لذلك يتطلب الأمر جهداً دائماً لارتجال المواقف وإطفاء الحرائق.
وفي هذه المعركة معظم الوسائل مباحة، بضمنها تضليلات صغيرة، وألاعيب علاقات عامة وحرف دائم لمواضيع النقاش. وواقع أن رئيس الحكومة، بالصدفة، هو وزير الإعلام، تسهل على ديوانه التلاعب بعدد من الصحف والقنوات ومواقع الإنترنت. كما أن الجدول الزمني للدولة مكيّف تبعاً لذلك. وإذا تطلّب الأمر تعزيز الصورة الأمنية في ظل عمليات الطعن، يصعد لالتقاط صورة مع الجنود في الجولان. وإذا تطلب الأمر الغمز يميناً، جراء الضرر الانتخابي الناجم عن تحفظه الأولي من الدندي مطلق النار في الخليل، نُحضر إلى الجولان أيضاً الوزراء ونعلن أن كل الجولان لنا. ولا يهم إن كانت فرص الرئيس بشار الأسد في استعادة الجولان قريبة من الصفر، وأن له هموماً أخرى، حيث يبحث الروس مع الأميركيين أمر استبداله بأحد أبناء طائفته.

الاحتلال والسيدة
والتجلي البارز الثاني لهذه المقاربة كان في قضية الجندي هذا الأسبوع. يوم الثلاثاء استغلّ نتنياهو مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع مضيفه، رئيس حكومة سنغافورة، للعودة للقضية. وبعد يوم من تقديم لائحة اتهام ضد الرقيب ألأور أزيا، وقبل ساعات من مهرجان التضامن معه في تل أبيب، ذكر نتنياهو بأنه أيضاً أب للجندي معرباً عن أمله بأن تأخذ المحكمة بالاعتبار «ظل ظروف الحادث». في اليمين يتهمون وزير الدفاع، رئيس الأركان والناطق بلسان الجيش بالتدخل الفظ في إجراء قضائي، بسبب الإعلانات التي أطلقوها إثر التحقيق العسكري، وأعلنوا أن عمله يناقض قيم الجيش. لكن نتنياهو أيضاً لم يلتزم الصمت.
ومن المهرجان، على الأقل، اختار أن يتغيّب ومثله أيضاً معظم أعضاء الكنيست من اليمين (عدا ثلاثة من الليكوديين). والتراجع السريع لعدد من الفنانين أشار بعض الشيء للموضع المتملص للتيار المركزي الإسرائيلي في قضية الجندي، التي تعتبر علامة فارقة في موقف الرأي العام من الاحتلال. فالسجال بين رجل العلاقات العامة لإيال جولان، المغني القومي والصحافيين في تويتر، كان مألوفاً ليس فقط بسبب حملة الكليشيهات التي أمطرها رجل العلاقات العامة.
والمطالبات العاطفية التي تلقاها جولان لإلغاء مشاركته بدعوى أن قراره يؤثر على الجمهور بأسره تشهد على أن منظمي المهرجان أطلقوا، من دون وعي، أثر سموطريتش. فإعلان عضو الكنيست من البيت اليهودي، عن انعدام رغبة زوجته في تقاسم غرفة مع امرأة عربية في مستشفى ولادة، قاد قبل بضعة أسابيع إلى موجة ردود فعل غاضبة وحرفت دفعة واحدة السجال عن كشف سياسة الفصل التي يتبعها بعض المستشفيات. وسمحت الإدانة للتصريحات العنصرية لعضو الكنيست لباقي مشاركي السجال بالشعور أفضل مع أنفسهم وأن طريقه ليست طريقنا.
وحدث أمر مشابه أيضاً هذا الأسبوع، اجتذب أساساً الهوامش البعيدة والمتطرفة لليمين. والتحفظ إزاءه ـ على شاكلة كلام سموطريتش في مسألة الولادات، رسم فوراً حدود الإجماع في النقاش في نظر معظم الناطقين في الإعلام. والمغني القومي، الذي فهم ذلك سريعاً، ألغى مشاركته خلال أقل من يوم. فالفصل بين الأغلبية والهوامش يسمح بمواصلة اعتبار فعل الجندي المطلق للنار على مخرب ملقى يحتضر على الأرض، حدثاً لمرة واحدة لا يتساوق مع سلوك الإسرائيليين في المناطق.
صحيح أن توثيق إطلاق النار كان استثنائياً، والمعالجة القضائية يمكنها أن تطهر باقي الأضرار الأخلاقية المتراكمة لاستمرار السيطرة على الفلسطينيين في المناطق. وجائز جداً أن النتائج الأمنية لانسحاب من طرف واحد من معظم أراضي الضفة سيكون أسوأ من استمرار الوضع القائم. وجائز كذلك أن محمود عباس لا يمكنه أن يكون، بعمره ورؤيته، شريكا للمدى البعيد لاتفاق سلام وأن الفجوات بين مواقف الطرفين أكبر من التجسير عليها في الاتفاق النهائي. ويبدو أن الأغلبية الساحقة من قادة الجيش يفهمون أنه أوكلت إليهم مهمة صعبة – إدارة معركة ضد الإرهاب وبذل جهد كبير للتمسك بالقيم المعلنة للجيش وبتعليمات فتح النار.
لكن مَن يتجاهل آثار الجمود المتواصل في المناطق لا يقول الصدق لنفسه. فالقوة غير المحدودة تقريباً التي تمنحها الظروف للجندي أو لقائد صغير في العشرين من عمره، على أرواح المدنيين الفلسطينيين، والاحتكار غير المتوقف مع سكان معادين، والآلية الهائلة التي عبرها تخلد الإدارة المدنية والمستوطنون السيطرة على الأراضي والموارد ـ لكل هذا ثمن باهظ. حتى أن الوزير أوري أرييل، الشارة اليمينية في الحكومة، اشتكى هذا الأسبوع من الظروف القاسية في الحواجز، التي يعاني فيها العمال الفلسطينيون الذاهبون للعمل في إسرائيل.
وفي السنوات الأخيرة ينشغل صحافيون في جهد يبذل لإخفاء وتضليل معنى استمرار السيطرة الإسرائيلية على المناطق. من هنا ينبع الذعر القومي الذي أثارته شهادات «يكسرون الصمت» والتكرار لعبارة «الجيش الإسرائيلي هو الأكثر أخلاقية في العالم» (وهي العبارة التي تجنّب معظم رؤساء الأركان الأخيرين تردادها). لذلك فإن إصرار الادعاء العسكري على عدم قبول صفقة مخففة مع الرقيب أزريا ومواصلة محاكمته ينطوي على قيمة شعبية هامة. ومحاكمة الجندي من الخليل قد تكون موازية لمحاكمة مدير مقر رئيس الحكومة.
هل الاحتلال إلزامي أمنياً، في الظروف الراهنة؟ ربما. لكن يستحيل تجاهل عواقبه الأخلاقية، التي تبدت بكامل قبحها في الخلاف حول الجندي. وهذه الرائحة لا يمكن إزالتها بأي مطهّر جو. مَن يعلم ربما مهمة كهذه ستكون كبيرة حتى على محامٍ كبير مثل يوسي كوهين، المحامي الدؤوب لسارة نتنياهو.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 0 / 14774

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع أخبار  متابعة نشاط الموقع أخبار العدو   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للموقف- تشرين ثاني -2010