الثلاثاء 17 حزيران (يونيو) 2014

حوار مع صديق عشية انعقاد الدورة “25″ للمؤتمر القومي العربي في بيروت

الثلاثاء 17 حزيران (يونيو) 2014 par معن بشور

سألني صديق ونحن على أبواب انعقاد الدورة “25″ للمؤتمر القومي العربي في بيروت يومي 20 و21 حزيران الجاري : “ما سر صمود مؤتمركم طيلة ربع قرن من زمن كان مليئاً بالعواصف والزلازل، بالارتدادات والتحولات، بحروب الخارج واحتراب الداخل”.
ابتسمت وأنا أجيب على السؤال الصعب:” يا صديقي إن بنيان هذا المؤتمر يشبه الابنية في اليابان والتي هي مصممة لمواجهة الزلازل مهما بلغت قوتها، فهو يقوم على “خلطة” لا تتوفر للكثير من أطر العمل في بلادنا، خلطة مركبة من شفافية تحصن الاستقلالية، وحكمة تمكنه من معالجة أصعب الاختلالات، ورصانة في الخطاب تمنعه من الانزلاق في التوترات العصبية التي ترافق عادة التطورات العصيبة، وحسن تقدير للموقف تتيح له قراءة دقيقة ومتوازنة للأحداث من كل جوانبها، وتغليب لمنطق الحوار بين أعضائه على ما بينهم من تباين يبعده عن اعتماد نهج الإقصاء والانفراد وإلغاء الآخر”.
وأضفت شارحاً لصديقي :” لقد تعرض المؤتمر القومي العربي منذ لحظة تأسيسه، وما يزال، لشتى أشكال الضغوط، ولمختلف أنواع التهم، ولكل صنوف التجني، لكن لحسن حظه كانت هذه الضغوط تختزل بعضها البعض، والاتهامات المتناقضة ترد على بعضها البعض، وبات الرأي العام العربي يدرك إن الهجوم على المؤتمر واستهداف رموزه هو جزء من الهجمة المتواصلة منذ عقود على فكرة العروبة الجامعة الحاملة لمشروع نهوض وحدوي تصغر أمامه كل الصراعات والحزازات المريضة، بل العروبة الجامعة التي إذا ما تم تدميرها فان الباب يصبح مشرعاً لكل المشاريع والمخططات التي تستهدف تفتيت الأمة وتمزيق كياناتها الوطنية ومجتمعاتها المتنوعة وفي مقدمها مشروع الشرق أوسط الكبير الذي كان المؤتمر القومي العربي من أوائل الذين نبهوا إلى مخاطره وسعى إلى مجابهته ومقاومة كل محاولات التطبيع مع العدو الصهيوني المرتبطة به، بل ومقاومة كل المخططات الرامية إلى احتلال إرادة الأمة بعد احتلال أراضيها”.
واستطردت قائلاً:” يا صديقي: إن الحرب على العروبة هي حرب على هوية تتسع لكل أبناء الأمة وتياراتها ومكوناتها، بل هي حرب على العروبة التي بتكاملها مع الإسلام كمضمون حضاري وثقافي لها إنما تتسع أيضاً لكل مكونات الوطن العربي الكبير ، الأثنية والعرقية والدينية، على قاعدة المواطنة والمساواة والاعتراف بخصوصية كل مكون وثقافته، فلا لا يمكن أن تكون قومياً عربياً وتمنع على ما يساكنك الأرض ذاتها، ويشترك معك في الحضارة عينها، أن يجاهر بانتمائه القومي وبثقافته وتراثه الحضاري المشترك معك.”
“لذلك يا صديقي فانك تجد نفسك في اجتماعات المؤتمر القومي العربي أمام كل الأفكار والآراء الموجودة في وطننا الكبير، إسلامية كانت أم يسارية عروبية، أم ليبرالية وطنية، أو قومية كلاسيكية شريطة التزام أصحاب هذه الأفكار والآراء بعناصر المشروع النهضوي العربي، قولاً وفعلاً، رؤية وممارسة، لا سيما إن مفكرين ومثقفين من كل التيارات ساهموا في صياغة هذا المشروع…” وهو ما يسمح للمؤتمر أن يكون بمعنى من المعاني برلماناً للأمة يتيح لكل عضو فيه أن يفصح عما يختزنه من مكنونات، بل أن يتعرف أيضاً على مكنونات أخيه في الأمة وشريكه في الوطن الكبير، فينطلق الجميع من المشتركات التي تجمع بينهم، وهي كثيرة، ويدخلون منها إلى مساحات الاختلاف، وهي محدودة، لمعالجة نقاط التباين في إطار من الحوار الحضاري المتحرر من الأحكام المسبقة والعصبيات الضيقة على أنواعها، فالفكر هنا يحصّن الممارسة، والثقافة ترتقي بالسياسة، ومنطق التكامل يرتفع فوق لا منطقية الانقصام بكل أنواعها ومستوياتها.
هنا قاطعني صديقي قائلا:” ألا تعتقد انك ترسم لنا عالماً أفلاطونياً مثالياً لا مكان له في الواقع…. ثم ألا تظن أن ما تعتبره تجميعاً لمتناقضات ليس إلا نوعاً من “التوفيقية الساذجة” التي تجعل من مؤتمركم بلا طعم ولا لون ولا رائحة ولا حتى أي تأثير.
هنا أجبت صديقي بشيء من الحزم:” لو كان الأمر كذلك لماذا يزداد كل عام عدد الراغبين بالانضواء تحت لواء المؤتمر، ولماذا هذه الحرب عليه بعد كل انعقاد، وأحيانا قبله، بل لماذا استهداف رموزه ومؤسساته بالتشهير حيناً، وبالحصار دائماً، بل وبإدراجهم على لوائح المطلوبين من أعداء الأمة، لو كان المؤتمر عديم التأثير؟”.
واستطردت موضحاً :”ألا يقول الجميع إن هناك مؤامرة لتفتيت الأمة وتمزيق كياناتها ومجتمعاتها، فهل يمكن إسقاط هذه المؤامرة إلا بخطاب جامع، وإطار حواري يتسع لكل من يلتزم أهداف الأمة دون أن يغرق في صراع مكوناتها الاجتماعية أو العقائدية أو الفئوية أو الحزبية التي تتناحر طويلاً لتكتشف إنها جميعاً كانت خاسرة”.
“ثم أليس من حق جمع من مثقفي الأمة ومناضليها وناشطيها أن يقدموا لشعبهم واحة تلاق وسط صحاري التناحر وكوابيسه الرازحة على الصدور، بل أن يقدموا لأمتهم نموذجاً للتفاعل والتكامل وسط عواصف الإقصاء وإلغاء الآخر.. صحيح أننا نلتقي أحيانا على الحد الأدنى من الأمور، ولكن أليس هذا اللقاء أفضل من الانسياق إلى الحد الأقصى من الصراع الذي يأخذ هذه الأيام أبشع أشكاله دموية ووحشية قسوة وإرهابا”.
“ثم ما الذي يمنع أن يلتقي من خلال المؤتمر أعضاء يوفر المؤتمر لهم فرصة للتعارف واللقاء، فيجتمعون على ما هو أكثر من الحد الأدنى، بل يشكلون فيما بينهم أطراً للعمل بالحد الأقصى، فإذا تجمعوا يرتقون بالمؤتمر الذي وصلوا إليه بعملهم، وإذا فشلوا، كما كان حال البعض، يضيفون تجربتهم إلى خبرات زملائهم في المؤتمر وكل أطر العمل القومي، خصوصاً إن المؤتمر منذ تأسيسه قد أكد انه ليس حزباً جديداً ينافس الأحزاب القائمة، فيه حزبيون من كل المدارس الفكرية النهضوية، وهو ليس مركز أبحاث يضاف إلى مراكز الأبحاث الأخرى وينافسها في عملها، ولا حتى اتحاداً نقابياً أو جمعية متخصصة، بل هو محاولة لبعث روح جديدة في الأطر القائمة ليخرج الترهل منها من ترهله، ويساعد المرتبك منها في ابتداع رؤية تخرجه من ارتباكه، وتؤكد للجميع، داخل المؤتمر أو خارجه، انه ما زال هناك في الأمة إطار جامع يلتقي فيه نهضويون مسكونون بهموم الأمة من كل الأقطار والأفكار والأجيال والبيئات يعلنون بكل بساطة انه إذا كان ممكناً لجمع من أبناء الأمة أن يلتقوا، فما الذي يمنع الأمة كلها من التلاقي والتكامل على طريق وحدة الأمة كلها”.
وختمت حواري مع صديقي قائلاً:” لا تظن إنني لا أعرف حجم العوائق والمعوقات التي تحيط بالمؤتمر، وتحاصره سياسياً ومادياً وإعلاميا، ولا تظن أنني جاهل بما يعتور المؤتمر من ثغرات وشوائب ونواقص وسلبيات، فلقد تكشّف معظمها لي من خلال مشاركتي بكل دورات المؤتمر الخمس وعشرين – دون استثناء – ومن خلال مواكبتي اليوم لمسيرته، وقد سعيت، وما أزال، مع إخواني، وعبر الحوار والعمل والمتابعة الدؤوبة، تحت سقف المؤتمر، إلى معالجتها وتجاوزها لكي نقول للذين ينعون العروبة كل يوم ومنذ عقود، إن عروبتنا ما زالت حية تنبض في العروق، بل هي أبقى من كثير من الذين عاشوا أو تعيّشوا على العداء لها، وأعلنوا وفاتها باسم هذا الشعار أو ذاك”.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 93 / 565016

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع أعمدة الموقف  متابعة نشاط الموقع معن بشور   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010