الأحد 1 حزيران (يونيو) 2014

"إسرائيل" تنكل بالمعتقلين الإداريين

الأحد 1 حزيران (يونيو) 2014 par علي جرادات

التنكيل بالأسرى الفلسطينيين سياسة "إسرائيلية" ثابتة تحركها دوافع عدوانية عنصرية، تحيلها إلى سياسة فاشية مكتملة الأركان، عندما يقرر هؤلاء الأسرى، أو بعض منهم، خوْض معارك نضالية دفاعية سلمية الأشكال، في مقدمتها الإضراب المفتوح، أو الجزئي، عن الطعام . لكن التنكيل بنحو 200 معتقل إداري مضربين عن الطعام منذ 24 إبريل/نيسان الماضي، تخطى كل حدود المعتاد أو المألوف في القمع "الإسرائيلي" لإضرابات الأسرى السابقة . كيف؟
بالعادة، وبشكل عام، تتريث "إدارة مصلحة السجون العامة"، الذراع التنفيذية لسياسة القمع "الإسرائيلية"، قبل أن تلجأ إلى الاجراءات الأشد قسوة لكسر إرادة الأسرى المضربين، لكنها لم تفعل ذلك مع إضراب المعتقلين الإداريين الجاري، حيث نقلتهم منذ اليوم الأول للإضراب إلى أقسام العزل في أكثر من سجن . وعلى عكس المعتاد أيضا، لم يجرِ الحوار مع قيادة الإضراب إلا بعد نحو شهر من إعلانه . بل، وهنا الأهم، لم يكن الوفد المحاور من "إدارة مصلحة السجون" بل من جهاز المخابرات "الإسرائيلية"، (الشاباك)، الذي لم يبدأ الحوار، كما جرت العادة، بدعوة الأسرى إلى فك إضرابهم مع وعد بفحص مطالبهم، بل بالقول حرفياً: "مطلبكم بإنهاء اعتقالكم الإداري غير قابل للنقاش بأي حال من الأحوال . . . وإنكم أنتم، (أي أعضاء قيادة الإضراب)، من يتحمل مسؤولية موت أي زميل من زملائكم" . وأكثر من ذلك، فقد كرر الوفد المخابراتي في اللقاء الثاني الإجابة-التهديد- ذاتها، حتى بعد أن أعلن 20 مريضاً من المضربين الامتناع عن تناول الدواء، ما يعني أن احتمال استشهاد بعضهم- على الأقل- صار مرجحاً . والأشد وحشية هو إقدام إدارات أقسام العزل على سحب عبوات المياه المعدنية من زنازين المضربين عن الطعام لإجبارهم على شرب المياه من صنابير المغاسل والمراحيض، ما أدى إلى تردي صحة كثير منهم، ونقلهم إلى المستشفيات، حيث أثبتت الفحوص المخبرية أن تناول المياه الملوثة هو السبب . علماً أن تناول الماء والملح هو ما يمنع تعفن أمعاء المضرب عن الطعام وموته .
وفي خطوة أكثر وحشية قدمت لجنة وزارية بإيعاز من نتنياهو رئيس حكومة المستوطنين، مشروع قانون يتيح ل"إدارة مصلحة السجون"، تغذية الأسرى المضربين قسراً، أي من خلال إدخال "بربيش بلاستيكي" في فم المضرب بعد "تربيط" أطرافه وضبط حركة بطنه وصدره، أو في فتحة أنفه، إن هو أغلق فمه . وللعلم فإن ما يسمى "محكمة العدل العليا" في "إسرائيل"، كانت اتخذت في عام 1980 قراراً يقضي بأن تناول الأسير المضرب عن الطعام لكوب حليب ممزوج بالملح لا يعني كسر إضرابه . وذلك بهدف تجنب اللجوء إلى "التغذية القسرية" التي تسببت في استشهاد أربعة من الأسرى الفلسطينيين، هم: أول شهداء الإضرابات عن الطعام، القائد عبد القادر أبو الفحم، (في إضراب أسرى سجن عسقلان، 1970)، والقادة: راسم حلاوة، وعلي الجعفري، وإسحق مراغة، (في إضراب أسرى سجن نفحة الصحراوي، 1980) . والسؤال: لماذا تلجأ حكومة "إسرائيل" وجهاز مخابراتها وإدارة سجونها، إلى كل هذه الإجراءات الفاشية غير المسبوقة لكسر إضراب المعتقلين الإداريين المطالبين بإنهاء اعتقالهم التعسفي، رغم أن من شأنها، (الإجراءات)، أن تودي بحياة بعضهم؟!
من تجربتي أسيراً سابقاً أمضى-على دفعات- 14 عاماً في الاعتقال الإداري، يمكنني القول: يعلم جهاز المخابرات "الإسرائيلي" أن الاعتقال الإداري هو أكثر حلقات السياسة الأمنية "الإسرائيلية" قابلية للكسر . ليس لأن هذا النوع من الاعتقال أصبح من مخلفات الماضي فقط، على الأقل، منذ نشوء أنظمة "الديمقراطية الغربية" قبل قرون . بل أيضاً، وهنا الأهم، لأن "إسرائيل" المصنفة زوراً بأنها "واحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق المستبد"، تمارس الاعتقال الإداري، سياسةً ثابتةً، وفقاً ل"قانون الطوارئ" البريطاني في عهد الانتداب، بل وتتمادى في ممارسته بصورة تفوق تطبيقاته في جنوب إفريقيا في مرحلة نظام الفصل العنصري البائد، حيث لم يكن متاحاً اللجوء إلى الاعتقال الإداري بصورة واسعة، ولا تمديد مدته تلقائياً، فيما يتم تمديده في "إسرائيل" أوتوماتكيا لسنوات، وبحق المئات من الفلسطينيين، بل الآلاف كما حصل، (مثلاً)، في فترة الانتفاضة الأولى، (1987-1993)، والانتفاضة الثانية، (2000-2004) . وأكثر من ذلك، فإن إصدار أمر الاعتقال الإداري يقع ضمن صلاحيات ضابط المخابرات المسؤول عن قرية أو مخيم أو حي مديني، أما التهمة فجاهزة لكل معتقل إداري، هي: "يشكل خطراً على أمن الجمهور والمنطقة"، بناء على "ملف أمني سري"، لا يحق للمعتقل أو محاميه الاطلاع عليه . ما يعني سيطرة السلطات التنفيذية للاحتلال وأذرعها الأمنية، خصوصاً، على "القضاء"، وهو العسكري أصلاً، بصورة تفوق، أو تساوي على الأقل، ممارسات سلطات الطغم العسكرية الفاشية في بلدان أمريكا اللاتينية في زمانها، ما يفسر لماذا ترفع جهات سياسية وإعلامية ومنظمات حقوقية ومجتمعية "إسرائيلية"، صوتها ضد تطبيقات سياسة الاعتقال الإداري في "إسرائيل" . ماذا يعني هذا الكلام؟
إن حكومة "إسرائيل" وأجهزتها الأمنية تخشى هذه المعركة البطولية التي يخوضها المعتقلون الإداريون، وتعمل على كسرها بكل وسيلة، لعلمها أنه يمكن لهؤلاء المعتقلين أن ينتصروا، ويحققوا جوهر مطالبهم، في حال طرحت السلطة الفلسطينية قضيتهم على مؤسسات هيئة الأمم وطالبتها بتطبيق اتفاقية جنيف الرابعة . ولست أدري لماذا التقاعس هنا، بينما حياة هؤلاء المعتقلين في خطر حقيقي، عدا أنهم جزء من أسرى، (دولة نالت عضوية هيئة الأمم)، تجشموا، ولا يزالون، مشاق الرباط في الخنادق الأولى للنضال الوطني الفلسطيني، وصنعوا، جيلاً بعد جيل، ملحمة نضالية وطنية قل نظيرها في تاريخ حركات التحرر الوطني . بل ملحمة إنسانية نادرة تمتزج فيها صور البطولة والمعاناة، وظلوا، رجالاً ونساء، كباراً وصغاراً، صامدين مقاومين كجبال راسخة ملأتها حقول العطاء، يشقون غبار معارك ممتدة ويومية، كفرسان ما ترجلوا تعباً أو هزيمة، بل ظلت عيونهم المتوقدة ترنو إلى العلا وآفاق انبلاج فجر الحرية لهم ولشعبهم ما انفكوا يرفدونه بأفواج متلاحقة من المناضلين والقادة الأشداء غير المظهريين الذين تسبق أفعالهم أقوالهم، ويصمدون أمام الإغراءات مهما تعاظمت، وأمام المحن مهما اشتدت، فصاروا، بعد الشهداء، ضمير الشعب الذي لا يصدأ، وملح الأرض الذي لا يفسد، وينبوع الثورة الذي لا ينضب، وحارس قيم المقاومة وثقافتها وبنيتها الذي لا يخلي خندقه . وبكلمات: ثمة واجب وطني وقومي وإنساني لنصرة هؤلاء الأبطال وعمل كل ما يمكن عمله لإنقاذهم، فيما أرواحهم معلقة بخيط رفيع بين الحياة والموت .


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 16 / 565081

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع علي جرادات   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010