الجمعة 23 أيار (مايو) 2014

التسوية السياسية.. والسلام الموعود

الجمعة 23 أيار (مايو) 2014 par فاروق القدومي

لقد قيل أن من يحكم الشرق الأوسط يحكم العالم، ومن له مصالح في العالم يتوجب عليه ان يهتم بالشرق الأوسط.
مع نهاية الحرب الباردة وتفكك المنظومة الاشتراكية، وضعت الولايات المتحدة استراتيجية جديدة لمنطقة الشرق الأوسط، لمواجهة خطرين يهددان استمرار الهيمنة الأمريكية في العالم العربي، أولهما فقدان السيطرة على نفط العراق وثانيهما تهديد أمن واستقرار «إسرائيل»، وهذا يؤدي إلى اختلال توازن القوى في المنطقة.
فكانت حرب الخليج الأولى، الحرب الطاحنة التي دارت بين أكبر قوتين عسكريتين آنذاك العراق وإيران، حيث لعبت الولايات المتحدة دور المحرض الرئيسي بالتنسيق مع دول خليجية في مقدمتها السعودية التي أصابها الهلع من قيام الثورة الإسلامية في إيران، إذ رأت في هذه الثورة الإسلامية خطراً محدقاً ستؤثر ولا شكّ على دول الخليج وتشكل تهديداً حقيقياً لأنظمة الحكم القائمة المرتبطة عضوياً بأمريكا والدول الغربية الاستعمارية، وكذلك تنامي القدرات العسكرية والاقتصادية لدى العراق، هذان البلدان سبباً هاجس الخوف والرعب لدى حكام الخليج، فسعوا وفق مخطط أمريكي- صهيوني لتدميرهما وخلق روح العداوة بين الشعبين الشقيقين الجارين ومحاصرة الثورة الإسلامية لكي لا تحقق الهدف المنشود ونصرة شعبنا الفلسطيني، فكانت الحرب الضروس التي دامت أكثر من ثماني سنوات سقط فيها مئات الآلاف ودمرت البنى التحتية لكليهما واستنفذت كل إمكاناتهما ومواردهما فهُزم الاثنان معاً وتمزقت اللحمة الإسلامية، وتراجع النمو الاقتصادي واستغلت« إسرائيل» الفرصة ودمرّت المفاعل النووي العراقي.
وجاءت الخطيئة الثانية عندما دخل جيش العراق العربي إلى دولة شقيقة هي الكويت، بتشجيع أمريكي مستتر لخلق الانقسام العمودي والأفقي في الوطن العربي، وأيقنّا حجم المؤامرة ودور المتآمرين لضرب العراق. وتعود بنا الذاكرة إلى العقد الستيني من القرن الماضي حيث استطاع المغفور له جمال عبد الناصر أن يلجم الزعيم عبد الكريم قاسم ومنعه من دخول الكويت بوضع قوات عربية رمزية على الحدود بين البلدين.
شتّان بين الزمنين، زمن الوعي القومي والكبرياء العربي، والزعامة البصيرة المدركة لأبعاد المخاطر التي يمكن أن تجر أمتنا وأقطارنا العربية إلى ما لا يُحمد عقباه، وفي زمن ضاعت فيه كل المعايير وضعفت الروح القومية، زمن التشرذم والتبعية والهروب إلى الأمام، والمشاركة في ضرب قوانا القومية إرضاءً لرغبة الحلف الصهيوني- أمريكي، ضُرِب العراق وحُوصِر شعبه العربي ونُهبَت خيراته والكل يتفرج والبعض يتشفى.
شنّت الولايات المتحدة وحلفاؤها حرباً على العراق، وعملت على تفكيك جيشه الوطني، ومارس الغرباء النهب والسرقة لخيراته النفطية وآثاره التاريخية، ومارست اغتيال علماءه وقادته، وحاولت إثارة النزعات الطائفية والمذهبية ولكنها لم تنجح في النهاية.
حروب ثلاث ونحن نعيش في خنوع وازدراء الآخر لنا كعرب، ونرنو إليه كأنه المنقذ والحامي، الاستعانة بالعدو ضدّ الشقيق، فلمصلحة من؟ ألم نكتوِ بجرائم الاستعمار وسلخ الأوطان؟ ألم يكفي ما أصابنا من نكبات ونكسات وجرائم؟ واليوم جاء دور الإرهاب، الصناعة الغربية بامتياز وبتمويل عربي خليجي.
نحن شعب فلسطين، شعب المقاومة والصمود حامي المقدسات والقدس، خُذلنا وأصابنا الضعف والضيق، لكننا نُحيي الأمل من العدم ولا نرضخ او نستسلم.
لقد قبلنا مع إخواننا العرب مبادرة “الأرض مقابل السلام” التي طرحها الرئيس الأمريكي الأسبق بوش الأب بُعيد حرب الخليج الثانية المدمرة وشاركنا في مؤتمر مدريد للسلام المزعوم، وأجرينا مفاوضات ماراثونية مع العدو الإسرائيلي في واشنطن ولم تتقدم قيد أنملة، وخرج علينا من الخفاء اتفاق أوسلو الذي يقضي بحكم ذاتي محدود وتقسيم أرض الضفة الفلسطينية إلى أقسام ثلاث (أ- ب- ج) وكأننا في وطن للغير، ولكن كعادتها رفضت «إسرائيل» أية تسوية عادلة وتنكرت لمبادرة الأرض مقابل السلام، لأن «إسرائيل» ترفض السلام بالأساس وتسعى باستمرار لقضم واحتلال كل فلسطين وأراضٍ عربية لإسكان قطعان القادمين تحت اسم المهاجرين.
أذعنت القيادة الفلسطينية لمطالب الولايات المتحدة وإسرائيل لإلغاء البنود الأساسية في الميثاق الوطني الفلسطيني في “تجمع الهرج والمرج” الذي عُقد في غزة عام 1996 بحضور الرئيس الأمريكي الأسبق كلينتون على امل الوصول إلى حل عادل لقضية فلسطين، وخاب الأمل ولم تتزحزح «إسرائيل» عن مواقفها ولا قامت الإدارة الأمريكية بأي ضغط عليها، واتخذت الدول العربية في مؤتمر القمة بالقاهرة عام 1996 قراراً بتبني استراتيجية جديدة هي استراتيجية السلام، وكان ذلك بمثابة النأي بالنفس والتنصل من واجباتهم القومية، والرضوخ للإملاءات الأمريكية-« الإسرائيلية،» ومع هذا لم يتحقق أي تقدم في المسرة السياسية.
وتفتّق العقل العربي وتقدم الأمير عبد الله بن عبد العزيز (ولي العهد آنذاك) بمبادرة تبناها مؤتمر القمة العربي الذي عُقد في بيروت عام 2002 بعد ان أضاف إليها الرئيس اللبناني السابق العماد إميل لحود بنداً رئيسياً خاصاً بقضية اللاجئين، لكن رئيس وزراء «إسرائيل» في ذاك الوقت “شارون” أحرقها على أبواب مخيم جنين بعد ان ارتكبت القوات «الإسرائيلية» الغازية لمنطقة السلطة القائمة جريمة نكراء بحق أبناء شعبنا الذين كبدوه خسائر فادحة رغم قلة السلاح والمدد، وما زال إخواننا العرب متمسكون بمبادرتهم وإستراتيجيتهم رغم ما تقوم به دولة الاغتصاب من جرائم وإرهاب منظم ضدّ شعبنا في فلسطين.
ثم قام الرئيس الأمريكي السابق بوش الابن بترجمة رؤياه وقدم “خريطة الطريق” التي استطاع شارون إفراغها من جوهرها بتحفظاته الأربعة عشر ورسالة التي قدمها الرئيس بوش المؤيدة لما طرحه شارون بدون أي تحفظ.
أمام ذلك، علينا أن نتعلم دروساً من التجارب المتتالية والتي تؤكد أن إنهاء الاحتلال واستعادة الحق والأرض المغتصبة وعودة اللاجئين إلى أرضهم فلسطين لا يتمّ بالوسائل السياسية وتقديم المبادرات لأنها في نظر «إسرائيل» والدول التي تساندها وسيلة للمماطلة وإتاحة المزيد من الزمن لتنجز أهدافها الاستيطانية والتوسعية، بل بالمقاومة المسلحة والعصيان المدني والوحدة الوطنية، فالمقاومة المدعومة بجماهيرها وجماهير امتها العربية والإسلامية تصنع النصر وتحقق العودة.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 17 / 566251

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع أعمدة الموقف  متابعة نشاط الموقع فاروق القدومي   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010