السبت 15 آذار (مارس) 2014

"يهودية الدولة": إسقاط الحق في القدس والعودة

السبت 15 آذار (مارس) 2014 par د. عصام نعمان

ينطوي شعار "يهودية الدولة" لدى الصهاينة على مدلولات عدّة، لعل أصرحها وأخطرها اعتراف الفلسطينيين والعرب والعالم بأن ""إسرائيل" دولة الشعب اليهودي" . هذا يعني أنها وقف على اليهود من دون غيرهم، وأن اليهودية هي هوية الدولة ومواطنيها . أما غير اليهود فيمكن أن يكونوا مجرد أشخاص مقيمين في الدولة اليهودية . حتى لو أعطي غير اليهودي صفة المواطنة في الدولة اليهودية فإنه يكتسب تابعيتها وليس هويتها . وسيكون من "حق" الدولة، في نظر الصهاينة، إسقاط مواطنها غير اليهودي من تابعيته للدولة اليهودية لأسباب أمنية، أو لتسهيل عملية تبادلية يجري بموجبها "مقايضة" عرب يهود بعرب فلسطينيين .
ل "يهودية الدولة"، على المدى الطويل، مفاعيل أخرى أشد خطورة . فهي تعني، بل تتطلب، إلغاء حق العودة . ذلك أن مجرد إقرار السلطة الفلسطينية بأن "إسرائيل" هي دولة "الشعب اليهودي" فإن ذلك يعطيها "الحق" بأن تبقى وقفاً على هذا الشعب وبالتالي منع شعب آخر من تعطيل هذا الحق بإنكار حقه في أرضه ووطنه .
تزداد حاجة "إسرائيل" إلى التهويد مع تعاظم نسبة توالد العرب الفلسطينيين في الأراضي المحتلة العام 1948 كما في سائر أراضي فلسطين التاريخية . فمن دراسة أعدها الخبير "الإسرائيلي" الاختصاصي في موضوع القدس والأماكن المقدسة شموئيل كوفيتس (صحيفة "هآرتس" 10-3-2014) يتضح "أن الفلسطينيين يشكّلون 36 في المئة من سكان القدس (الكبرى) الذين يبلغ عددهم 815300 شخص (سنة 2012) . وبالاستناد إلى توقعات الخبراء، فإن العرب في سنة 2020 سيشكلون نصف سكان المدينة" .
كيف يفكر الصهاينة في مواجهة التكاثر الديمغرافي العربي؟
يقترح الخبير كوفيتس أنه "يجب عدم التنازل عن السيادة "الإسرائيلية" على جميع الأحياء العربية في القدس الشرقية لأسباب أمنية خالصة، ولكونها مندمجة مع الأحياء اليهودية، لكن يمكن التنازل عن جزء من هذه الأحياء، سواء لاعتبارات أمنية أو ديمغرافية، مثل حي راس خميس وقرية عقب ومخيم شعفاط للاجئين . لهذا السبب لا شيء يمنع أن يقيم الفلسطينيون هناك عاصمة دولتهم العتيدة" .
الصهاينة المتطرفون يرفضون هذه الاقتراحات التسووية . زعيم هؤلاء هو بنيامين نتنياهو تحديداً . فقد نشرت صحيفة "هآرتس" قبل شهر أنه شدد أمام وزرائه من حزب "الليكود" وشخصيات أخرى في الجهاز السياسي على أنه لن يوقع "اتفاق إطار" يأتي ولو بصورة عامة على ذكر عاصمة فلسطينية على أراضٍ مقدسة حتى لو أدى ذلك إلى تفجير المفاوضات .
لا يكتفي نتنياهو بالتشديد على عدم تقديم أي تنازل بشأن القدس بل يدعم تشدده بالقول علناً إنه لا مجال لأي "اتفاق إطار" ما لم يتخلَ الفلسطينيون نهائياً عن حق العودة . أكثر من ذلك، يثابر نتنياهو على التأكيد بأنه لم يعطِ الرئيس أوباما أي وعد بوقف الاستيطان يوماً واحداً .
لماذا يحرص المسؤولون "الإسرائيليون"، إذاً، على القول إن "إسرائيل" ترغب في متابعة المفاوضات إلى أن تتوصل مع الفلسطينيين إلى "اتفاق إطار"؟
الجواب: كي يستدرجوا المسؤولين الفلسطينيين إلى تقديم المزيد من التنازلات فوق تلك التي تبرعوا بها في اتفاقات أوسلو العام ،1993 بغية "إغراء" "إسرائيل" بالموافقة على "اتفاق إطار" أكثر مراعاة لحقوقهم .
يبدو أن هذه السياسة "الإسرائيلية" الخبيثة قد فعلت فعلها وأخذت تعطي ثمارها . ها هو الرئيس محمود عباس يقترح مخرجاً للخروج من مأزق الاعتراف ب "يهودية الدولة" بقوله إن باستطاعة "إسرائيل" أن تسمي نفسها دولة "يهودية"، وإن الفلسطينيين يمكن أن يعترفوا بهذه الصفة التي تعطيها لنفسها، شريطة أن تعترف بها جامعة الدول العربية والأمم المتحدة! كذلك يُنسب إلى الرئيس أبو مازن اقتراحٌ بإيجاد مخرج من مسألة حق العودة يقوم على أساس التوصل مع "إسرائيل" إلى تسوية بشأن حق العودة قوامه أن يُترك الأمر للفلسطينيين أنفسهم، فقد يختار البعض عدم العودة مقابل تعويضات يتقاضونها لقاء تنازلهم هذا، وقد يختار البعض الآخر العودة ضمن حدود دنيا يُتفق بشأنها مع المسؤولين "الإسرائيليين"، شريطة توقيع اتفاق نهائي لتسوية قضية فلسطين بكل جوانبها .
إذ يستمر بعض المسؤولين الفلسطينيين في التسوّق من بازار التنازلات المتدرجة، يثابر المسؤولون "الإسرائيليون" على ابتزازهم والضغط عليهم تارة، وإغرائهم ببعض التسويات الملتبسة تارة أخرى، في وقت تستمر "إسرائيل" في قضم الأرض واقتلاع أشجار الزيتون، وقصف المخيمات والمنازل، واقتناص القادة والكوادر الفاعلة، وتقطيع أوصال الضفة الغربية، والتجّذر في أغوار الأردن .
كل ذلك والفلسطينيون متروكون لمصيرهم، وسط انشغال سائر العرب بأنفسهم وانحدارهم، بلا هوادة، من حال التجزئة إلى مزيد من الفُرقة والشرذمة والانحطاط .


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 16 / 574809

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010