الأربعاء 5 شباط (فبراير) 2014

مفارقة مؤلمة

الأربعاء 5 شباط (فبراير) 2014 par معن بشور

أن تتعاظم حركة المقاطعة العالمية، لاسيّما الأوروبية منها، لمنتجات المستعمرات الصهيونية، وأن تتسع هذه المقاطعة لتشمل جامعات ومصارف وحركات المجتمع المدني، أمر لا يدرك خطورته إلاّ الصهاينة أنفسهم الذي يدركون أكثر من غيرهم دور التعاطف الدولي مع مشروعهم الاستيطاني الاستعماري عشية قيام كيانهم الغاصب وبعد قيام هذا الكيان.
ولقد عبّر الصهاينة، بكبار قادتهم ومعظم أحزابهم، عن مخاوفهم من بروز "حركة عالمية لنزع الشرعية عن كيانهم"، لاسيّما بعد تعاظم دور المتضامنين الأجانب في مقاومة جدار الفصل العنصري، والتي توجها استشهاد المناضلة الأمريكية راشيل كوري بواسطة جرافة صهيونية لم يردع سائقها شباب هذه الفتاة الأمريكية التي حملت مبادئها والقيم التي تؤمن فيها إلى فلسطين لتستشهد على أرضها مدافعة عن بيت فلسطيني، أراد المحتلون هدمه ذات يوم من آذار/مارس 2003، وعشية حرب تدمير العراق التي انطلقت في الشهر ذاته والتي ما زالت مستمرّة لتدمير العراق شعباً ومجتمعاً وجيشاً، بنى تحتية وموارد بشرية وطبيعية.
كما واجه الصهاينة بقلق بالغ تلك الحركة المتنامية ضدّ مشروعهم العنصري الاستعماري الإرهابي التي عبّرت عنها مبادرات كسر الحصار على غزّة من البحر والبر وحتى الجو، كما عبّرت عنها ملتقيات دولية للدفاع عن القدس، وحق العودة، وتحرير الجولان، ودعم المقاومة، ونصرة الأسرى والمعتقلين، والتي انتقلت بين اسطمبول وطهران، وبين دمشق وبيروت والجزائر، وصولاً إلى كل عواصم الاقليم العربيوالاسلامي حتى أن بعضهم وصفها بجيش المقاومة المدنية الذي لا يقل خطراً عن المقاومة المسلحة التي حقّقت انجازات بالغة الأهمية في جنوب لبنان وقطاع غزّة الفلسطيني.
ولم يعد سراً أن يعرف الراي العام بأن خسائر الاقتصاد الصهيوني من هذه المقاطعة قد وصل العام الفائت إلى 20 مليار دولار، وأن 90 مصنعاً إسرائيلياً في المستوطنات قد تمّ إقفاله نتيجة المقاطعة التي باتت تشكّل مع المقاومة ومحاكمة رموز الحرب الصهاينة مأزقاً مثلثاً لهذا العدوعلى الصعد الاقتصادية والامنية والقضائية.
ومع تصاعد المقاطعة العالمية، لاسيّما الأوروبية للكيان الغاصب، وأصلها بالأساس شعبي متصل بالرأي العام في تلك البلدان حيث تشير معظم استطلاعات الرأي أن أكثر من ثلثي من تمّ استطلاعهم يعتقدون أن الكيان الصهيوني هو "الدولة" الأخطر على السلم والأمن العالميين، تليه الإدارة الأمريكية وسياساتها، نجد بالمقابل تراجع، بل تلاشي، المقاطعة العربية لهذا الكيان (بالمناسبة أين باتت مكاتب المقاطعة العربية؟، وأين باتت اجتماعاتها الدورية؟)، بل نرى مسؤولين عرب يهرولون لاسترضاء الكيان الصهيوني والتطبيع معه، وطوي ملف الصراع معه نهائياً، بعد أن اخترع عدواً وهمياً آخراً، هو إيران الإسلامية المناهضة منذ ثورتها قبل 35 عاماً لهذا العدو، وهو "اختراع" يبدو أنه كان ضرورياً للتراجع عن أولوية العداء للصهاينة.
إنها لمفارقة مؤلمة بالفعل أن تتسع المقاطعة العالمية للعدو، فيما تتراجع وتذوي المقاطعة العربية، بل يتحول البعض إلى الترويج لتحالف علني مع تل أبيب على حساب حقوق الأمّة ومقدساتها وكرامتها.
ولكن المفارقة المؤلمة والموجعة هذه هي أيضاً مفارقة كاشفة لجملة حقائق كانت خافية على كثيرين وهي مدى تورط بعض النظام الرسمي العربي في علاقة تحالف ضمني مع العدو الصهيوني ضد حركات وقيادات وحقوق عربية، بل في تحالف معلن ضد إرادة المقاومة في الأمّة.
إن قوى الأمّة الحيّة مدعوة إلى الارتقاء بنضالها وبرامجها ومبادراتها إلى مستوى هذا التحوّل الهام في المواقف الدولية من المشروع الصهيوني، وأن تعيد إلى الصدارة في هذه البرامج والمبادرات القضية الفلسطينية بكل عناوينها، لا لمركزية هذه القضية في حياة الأمّة والإقليم وحتى العالم فحسب، بل لأن في أولوية النضال من أجل فلسطين، قضية وشعباً، تصحيح لمسارات كثيرة، وتدعيم لوحدة مجتمعية بدأنا نحتاج إليها لمواجهة كل ما يحيط بنا من سفك دماء، وتدمير مقومات الحياة، وتمزيق مجتمعات، وفتن قادرة على "اختراع" عناوينها وأدواتها في كل حين.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 28 / 574809

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع أعمدة الموقف  متابعة نشاط الموقع معن بشور   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010