الأحد 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2013

مصر وروسيا والعودة إلى المستقبل

الأحد 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2013 par هاشم عبد العزيز

لم تكن زيارة وزيري الخارجية والدفاع الروسيين لمصر مناسبة للحديث عن علاقة البلدين الثنائية وحسب، بل كانت حدثاً وصف ب "التاريخي" و"الاستراتيجي" . واللافت أن القراءة لهذا الحدث تعددت واختلفت لتكون في الحصيلة تعبيراً عن أهمية الزيارتين .
في القراءات كانت هناك النظرة العمياء والعدائية التي رأت الزيارة "لعبة أمريكية"، أحد "فطاحلة" هذه النظرة قال: "يبدو أن الأمريكان أعجبهم حجم الغفلة التي يعيشها قطاع كبير من المصريين وبراعة السيسي ووسائل إعلامه في تلبيس العمم على العقول "فراحت تأمر السيسي" - نعم تأمر - لأن أمريكا لا تطالب السيسي باستكمال اللعبة والمضي قدماً في أضحوكة تشبيهه بعبدالناصر وأن يتجه لموسكو - قبله عبدالناصر وكل قادة التحرر في زمن الحرب الباردة - وبالتالي يتم تثبيت تلك الصورة النمطية في عقول المغفلين"، حد تعبيره .
النظرة "الكهفية" هذه هي من مخزون أصحابها الذين يعيشون على "العقدة" و"العقيدة" الأمريكية، لأن مختصين في الشؤون الروسية والمصرية والشؤون الاستراتيجية الدولية عندما توقفوا أمام هذه التطورات في العلاقات المصرية - الروسية كان تساؤلهم: هل الأمر يعود إلى ضعف السياسة الأمريكية، أم إلى تداعيات الأحداث في المنطقة العربية، أم إلى أسباب أخرى؟
وكان الأقرب إلى الإجماع مع الأخذ في الاعتبار الأسباب الأخرى، ومنها طبيعة السياسة الأمريكية، إضافة إلى تطورات المنطقة وأزماتها، أن ثمة عاملين رئيسيين قادا إلى هذه التطورات في العلاقات المصرية والروسية، الأول تعاظم قوة السياسة الروسية التي لم تعد خافية في مساريها: الثنائية بعلاقات مع الدول، وهي تشمل المجالات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية، والدولية في شأن الأزمات وما يهم عالمنا الدولي بأسره، أما العامل الثاني فيتمثل في التطور والتحول الذي أطلقته انتفاضة 30 يونيو التاريخية باستعادة مصر سيادتها وامتلاكها لإرادة خياراتها ومنها علاقتها الندية وليس التبعية .
وهناك كانت أيضاً قراءة عاطفية اتكأت على ما كانت عليه علاقة مصر والاتحاد السوفييتي التي خلفت إرثاً إيجابياً بعد أن تحولت إلى علاقة صداقة بكل تعنيه الكلمة، لكن هؤلاء غاب عن قراراتهم ما جرى منذ 1978 من محاولات محمومة لتقويض هذه العلاقة وما حدث من تغيرات هائلة كان من أبرزها غياب الاتحاد السوفييتي من على وجه البسيطة بما ترتب عليه من معطيات وتطورات جديدة .
بين هذه وتلك كانت هناك القراءة الموضوعية التي ترى أن ما جرى من تطور راهناً ليس نبتة شيطانية ولا قفزاً في الهواء، إذ يرجع تاريخ العلاقة بين القاهرة وموسكو إلى نهاية القرن السابع عشر كأقدم علاقة في تاريخ السياسة الدولية التي حفلت بمحطات عدة، كان الأبرز والنوعي منها بعد ثورة 23 يوليو بقيادة الزعيم العربي الخالد جمال عبدالناصر حيث شكلت العلاقة الثنائية مساراً جديداً من التعاون المصري - السوفييتي في المجالات الاقتصادية والعسكرية، وشكلت القاهرة وموسكو آنذاك تحالفاً قوياً في السياسة الدولية .
وبدأ انطلاق هذه العلاقة بعد رفض البنك الدولي تمويل بناء مشروع السد العالي في تجاوب مع موقف الدول الغربية في ممارسة مهينة وابتزازية؛ فضلاً عن كسر احتكار السلاح في الصفقة التشيكية المعروفة لمصر برعاية سوفييتية لتشكل بداية جديد لإطلاق علاقة التعاون بين البلدين والشعبين، وكان أهم مجالاتها التعاون الاستراتيجي الوثيق في المجال العسكري الذي توج ببناء حائط الصواريخ عقب نكسة 5 يونيو/ حزيران ،1967 وكان من ثمارها بقاء العقيدة العسكرية السوفييتية تدريباً وتسليحاً قائمة حتى اليوم لجيش مصر الذي حطم أسطورة "خط بارليف" بعزيمة الإرادة المصرية وكفاءة الأسلحة السوفييتية .
من هذه الخارطة تستعيد مصر وروسيا علاقتهما على قاعدة الثقة المتبادلة والرغبة في التعاون في المجالات كافة بما يلبي المصالح المشتركة، وهما يتوجهان نحو هذه المصالح ولا يواجهان أحداً، لأن روسيا كما قال وزير الخارجية المصري "ليست بديل أحد وهي لا تقبل أن تكون بديلاً لأحد لأنها بذاتها قائمة بإمكاناتها ومكاناتها ومبادئها في احترام حق الشعوب في الحرية والديمقراطية والعدالة والحياة الكريمة، ولكن بسياستها النابذة للتدخل في شؤون الداخلية للدول الأخرى"، وهذا ما كان واضحاً خلال الأحداث والتطورات التي مازالت متداعية في هذه المنطقة وإلى هذا غدت مصر حرة في خيار علاقاتها ولا تقبل في هذا الشأن ابتزاز المقايضة الرخيصة، خصوصاً بعد ثورة 30 يونيو .
وأهم من كل هذا أن عودة مصر وروسيا إلى المستقبل تنطلق من دون حساسية أي منهما في علاقة الآخر مع الأطراف الدولية الأخرى، وهذا ما كان تأكيده بصورة واضحة ومشتركة وجميلة .


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 24 / 581635

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010