السبت 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 2013

المفاوضات وتدويل قضية المستوطنات

السبت 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 2013 par نبيل السهلي

بعد زيادة الوعي الشعبي في عدد كبير من دول العالم بشأن عنصرية «إسرائيل» وفاشيتها، فضلاً عن انتشار منظمات المجتمع المدني بشكل ملموس خلال العقدين الأخيرين، يمكن للعرب وفي مقدمتهم الفلسطينيون خوض معركة دبلوماسية وقانونية ضد الممارسات والسياسات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، ومن شأن ذلك تدويل قضية الاستيطان، حيث تعتبر المعلم الأهم للاحتلال «الإسرائيلي» والعقبة في وجه عملية السلام.
فبعد أكثر من عقدين من مفاوضات متعثرة بسبب نشاط استيطاني يفرض التهويد بالقوة على الأرض، بات من الضروري العمل على تهيئة آليات مدروسة لخوض معركة قانونية ضد النشاط الاستيطاني الإسرائيلي، الذي يعتبر غير قانوني وفق غالبية الدول في العالم على المستوى الرسمي والشعبي. وقد تعزز القرارات الدولية التي تعتبر المستوطنات والتغيرات الديموغرافية الناتجة عنها فكرة تدويل القضية.

ومن الأهمية الإشارة إلى نجاح الحركة الصهيونية في إعلان دولة إسرائيل في مايو/ أيار 1948 على 78 بالمئة من مساحة فلسطين التاريخية، وتمكنت العصابات الصهيونية من طرد 850 ألف فلسطيني في العام المذكور بعد أن ارتكبت العديد من المذابح والمجازر، وإثر ذلك تمت عملية تدمير ممنهجة لنحو 418 قرية ومدينة فلسطينية، وأنشأت المؤسسات الصهيونية على أنقاضها مستوطنات تخدم أهدافا أمنية واقتصادية للمجتمع الصهيوني.

ولم تتوقف تلك المؤسسات عند ذلك الحد، بل ابتكرت عديد القوانين الجائرة لمصادرة أراضي الأقلية العربية (1.5 مليون عربي)، ولم يتبق في العام 2013 سوى 2 بالمئة من المساحة التي أنشئت عليها إسرائيل لاستخدامات الأقلية العربية رغم أنها تشكل نحو 20 بالمئة من سكان إسرائيل، وثمة قوانين جائرة استصدرت في السنوات الأخيرة أو تمّ إحياؤها بغية تهويد كافة مناحي حياة الأقلية العربية لفرض يهودية الدولة وتهميش الأقلية العربية، ولهذا يمكن القول إن سياسة ابتلاع الأرض والاستيطان لم تتوقف في المناطق المحتلة عام 1948، حيث تتم تحت مسميات تطوير منطقتي الجليل والمثلث.

واللافت أن شبح الاستيطان والتهويد بات يهدد الأسماء والمعالم العربية في داخل الخط الأخضر، وهناك مخطط حتى العام 2020 لتغيير أسماء الطرق والمحال واللافتات العربية إلى اللغة العبرية، وعلى سبيل المثال لا الحصر تمت عملية استبدال لأسماء القرى العربية. ففي الجليل الفلسطيني تمت تسمية قرية الجاعونة في قضاء مدينة صفد بروشبينا، وفي الساحل الفلسطيني تمت عملية استبدال اسم قرية بلد الشيخ.

لم يتوقف النشاط الاستيطاني الإسرائيلي البتة، ففي الخامس من يونيو 1967 تمت سيطرة الجيش الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية الناجية من الاحتلال الصهيوني عام 1948، ونقصد الضفة الغربية وقطاع غزة، وبذلك تكون فرصة جديدة قد سنحت لإسرائيل لمتابعة مخططات الحركة الصهيونية ووليدتها إسرائيل لتهويد فلسطين عبر النشاط الاستيطاني، وتاليا فرض الواقع التهويدي عبر إنشاء المستوطنات.

ورغم التمايز الطفيف بين الأحزاب الإسرائيلية في الموقف من الاستيطان، لكن الثابت أن ثمة إجماع على ضرورة إنشاء المستوطنات وتسريع وتيرتها في القدس، بغية فرض التصور الإسرائيلي للحل سواء في تبادل الأراضي والسكان بما لا يتجاوز 2 بالمئة من مساحة الضفة الغربية، وهي المساحة التي أقيمت عليها المستوطنات الكبيرة، أو لجهة فرض إبقاء حدود الدولة الإسرائيلية على ما هي عليه الآن.

ومن الأهمية الإشارة إلى أنه رغم تفكيك المستوطنات من قطاع غزة عام 2005، فإن النشاط الاستيطاني لم يتوقف في الضفة الغربية بما فيها مدينة القدس التي تواجه أكبر موجة نشاط استيطاني منذ العام 1967.

وتؤكد دراسات على أن النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية المتواصل منذ عام 1967، أدى إلى بناء 151 مستوطنة إسرائيلية تضم أكثر من ثلاثمائة وخمسين ألف مستوطن إسرائيلي، إضافة إلى 26 مستوطنة تلف القدس بطوقين من جميع الجهات، ويتركز فيها نحو 180 ألف مستوطن إسرائيلي، وهناك مخططات لفرض وقائع استيطانية إسرائيلية في الضفة الغربية وفي داخل الأحياء العربية القديمة من مدينة القدس. وقد صادرت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أكثر من 40 بالمئة من مساحة الضفة الغربية البالغة 5800 كيلومتر مربع لمصلحة إنشاء المستوطنات والطرق الالتفافية التي تربط بينها، ناهيك عن سيطرة إسرائيلية على أكثر من 80 بالمئة من مساحة مدينة القدس. ويعتبر الباحثون في قضايا الاستيطان بأن الجدار العازل هو من أكبر النشاطات الاستيطانية في عمق الضفة الغربية.

وأكدت هيئات دولية عديدة في مقدمتها محكمة العدل الدولية أن الجدار يعتبر عملا إسرائيليا غير شرعي، وهو بذلك مناف للقوانين الدولية. وفي مواجهة القوانين الدولية التي تؤكد عدم شرعية النشاطات الاستيطانية، اتبعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ عام 1967 سياسات محددة للإطباق على الأرض الفلسطينية وشرعنة بناء المستوطنات عليها وذلك بغية رسم جغرافيا سياسية قسرية. فقد استصدرت السلطات الإسرائيلية أمرا عسكريا عام 1967 يتم بموجبه سيطرة إسرائيل بشكل مباشر على أملاك الغائبين، واستحدثت حارسا لأملاك الغائبين، حيث تم من خلاله منع بيع أو تأجير تلك الأملاك دون موافقة السلطات والمؤسسات الإسرائيلية ذات الصلة.

ويشير باحثون إلى أن ثمة أهداف كامنة وراء مصادرة المؤسسة الإسرائيلية لأراضي العرب الفلسطينيين وبناء المستوطنات الإسرائيلية عليها، وفي مقدمة تلك الأهداف طرد أكبر عدد من العرب خارج أرضهم، والقيام بعملية إحلال ديمغرافي لمزيد من المهاجرين اليهود ليصبحوا أمرا تهويديا واقعا يصعب الفكاك عنه.

وبناءً على قرارات المنظمات الدولية وفي مقدمتها، قرار مجلس حقوق الإنسان الذي أشار إلى أن استمرار الاستيطان الإسرائيلي الذي يرسم جغرافيا إسرائيلية قسرية على أراضي الفلسطينيين، هو انتهاك للقانون الدولي بما في ذلك توسيع المستوطنات ومصادرة الأراضي وهدم المنازل والممتلكات الفلسطينية، وطرد الفلسطينيين وشق الطرق الالتفافية لتغيير الطابع العمراني والتكوين الديمغرافي للأراضي المحتلة بما فيها القدس الشرقية، فضلاً عن كون الاستيطان يشكل انتهاكا لاتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب. الأمر الذي يتطلب تبني خطاب سياسي فلسطيني جديد يسعى إلى تطبيق القانون الدولي الداعي إلى تفكيك المستوطنات. وفي هذا السياق أكدت العشرات من القرارات الدولية أن المستوطنات تمثل عقبة رئيسية أمام تحقيق السلام العادل والشامل وإنشاء الدولة الفلسطينية بالمعنى الحقيقي للكلمة، أي السيادة الفلسطينية الكاملة على مفاتيح الاقتصاد الفلسطيني والمعابر والعلاقات مع دول العالم.

وقد تكون عملية الاعتراف بفلسطين عضوا مراقبا في الأمم المتحدة مقدمة لرسم علاقات مع غالبية دول العالم للضغط على إسرائيل وانصياعها للقرارات الدولية. حيث ندّدت غالبية دول العالم بالقرارات الإسرائيلية الرامية لإنشاء مئات الوحدات الاستيطانية في مدينة القدس بعد الاعتراف الدولي بفلسطين عضوا مراقبا في الأمم المتحدة في 29 كانون أول 2012. وتبعا لذلك بات من الضروري تدويل قضية الاستيطان، خاصة وأنها تمثل معلما أساسيا من معالم الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. والأجدى هو رفع شعار تفكيك المستوطنات بدل تجميدها.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 28 / 574135

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010