الأربعاء 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 2013

الخطأ التاريخي لأوباما

الأربعاء 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 2013 par عاطف الغمري

عقب انتهاء الحرب الباردة عام ،1989 توقف الصراع الدولي بين الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي، والذي كان قد بدأ عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية عام ،1945 وإعلان استراتيجية الاحتواء الأمريكية، وقيام حلف الاطلسي، يقابله على الجانب الآخر حلف وارسو . وكان كل منهما يعتبر وجود الآخر تهديدا لأمنه القومي .

ومنذ بداية التسعينات حدث تعديل لدى القوى العالمية، في تحديد مصادر تهديد الأمن القومي، والتي شملت العديد من المصادر في مقدمتها الإرهاب، والجريمة المنظمة، والأمراض الفتاكة، والكوارث الطبيعية، والاقتناع على أنه لا يمكن مواجهة هذه التهديدات من دون مشاركة وتعاون من مختلف الدول .

أحد هذه المصادر وهو الإرهاب، صعد في ترتيب الأهمية ليسبق بقية أشكال التهديد، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول ،2001 وما ظهر من أن تنظيم القاعدة هو المخطط والمنفذ لها، وأن التنظيم يتصرف بطريقة يمد فيها نشاطه الإرهابي إلى مناطق مختلفة من العالم، شملت دول عربية، وأوروبية، وإفريقية . وهو ما دفع إدارة جورج بوش إلى الإعلان عن أن الولايات المتحدة في حرب مستمرة ضد الإرهاب، لكنه وسّع مفهومه للإرهاب بوصفه إرهاباً إسلامياً، وليس من صنع جماعات منشقة على مجتمعاتها، لها تفسيرها الذي يخصها للإسلام، وكان هذا المفهوم سببا في خلق مشاعر عدائية للولايات المتحدة، في كثير من الدول الإسلامية، وهو ما رصده مركز “بيو” الأمريكي لاستطلاعات الرأي العام، وعرف باسم Anti Americanism أو العداء لأمريكا .

لكن الإرهاب كخطر على الأمن القومي بشكل عام، أخذ يكتسب ملامح واضحة وخطرة في العالم العربي، باستهدافه الدولة، وهويتها، واستقرارها، ومصيرها ذاته، وهو ما وضعه في صورة التهديد الرئيسي للأمن القومي للدول العربية .

وقد وصلت التغييرات في توجهات السياسة الخارجية للرؤساء الأمريكيين في عهد أوباما، إلى حالة من التناقضات في إدارة هذا الجانب من جوانب السياسة الخارجية، ما أوجد الفجوة الحالية بين تعامل أمريكا مع هذا المصدر للتهديد، وبين الرؤية العربية له .

ومن المعروف أن أسس السياسة الخارجية للولايات المتحدة، قد تطرأ عليها ملامح تتفق مع شخصية الرئيس الجديد، وانتماءاته السياسية والحزبية، وإن كانت لا تخرج عن القواعد الثابتة للاستراتيجية العالمية للولايات المتحدة . وذلك حسب ما يقوله الخبراء هناك من أن عوامل الاستمرارية في الاستراتيجية الأمريكية، أكثر من عوامل التغيير . ويمكن أن نلاحظ ذلك من مبادئ المدرستين الرئيسيتين للسياسة الخارجية في الولايات المتحدة، وهي المدرسة المثالية التي ينتمي إليها المحافظون الجدد، وتيارات سياسية أخرى، والتي ترى أن تكون لأمريكا السيادة المطلقة على العالم، ولو باستخدام القوة .

والمدرسة الثانية “الواقعية” التي تضم شخصيات جمهورية وديمقراطية منها مثلا جورج بوش الأب، وبيل كلينتون، والتي ترى بالسيادة النسبية بمشاركة آخرين . أي أن الهدف واحد، لكن الوسائل تختلف .

من ناحية أخرى نرى برنت سكوكروفت أحد المنتمين للمدرسة الواقعية، والذي شغل منصب مستشار الأمن القومي للرئيس بوش الأب، يقول إن الولايات المتحدة لا تستطيع النجاح، من دون العمل مع أصدقاء . وهو رأي يختلف عن أفكار المحافظين الجدد، الذين قللوا من أهمية الأصدقاء، بل وحتى الحلفاء التقليديين .

وحين جاء أوباما إلى الحكم أظهر في البداية توجهات واضحة، للابتعاد عن المفاهيم الأساسية لجورج بوش، خاصة إنهاء وصف الإسلام بالإرهاب، وبدا أنه يريد مصالحة مع العالم الإسلامي كله .

لكن سرعان ما أخذت سياسات أوباما، تصاب بالغموض والارتباك معا، وقد فسر الخبراء الأمريكيون ذلك بأن سببه ما أحدثته الثورات ضد أنظمة الرؤساء الدكتاتوريين، من فقدان القدرة على التأكد من مسارات الأحداث، وهو ما كان يمثل في السابق ميزة لاستقرار الولايات المتحدة على نهج سياسي لا يتغير . ونتج عن كيفية التعامل مع هذا التطور، انقسام داخل الدائرة المقربة من أوباما، في البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي .

وظلت سياسة أوباما تتسم بالارتباك، إلى أن حدث ما أسموه بالخطأ التاريخي، الذي وقع فيه أوباما، ووضعه في موقف من ازدواجية المعايير، تجاه الإرهاب، الذي كان قد أصبح منذ انتهاء الحرب الباردة، ثم من بعد الحادي عشر من سبتمبر، يتصدر كل أشكال التهديد للأمن القومي .

وهذا الخطأ التاريخي انعكس في موقفه من ثورة 30 يونيو 2013 في مصر، والتي جسدت إرادة المصريين في إسقاط نظام يرفضونه، ويرون أنه لا يعبر عنهم وطنا وشعبا .

ذلك أن الولايات المتحدة، ويمثلها أوباما كرئيس، تعتبر الإرهاب، وأبرز نماذجه تنظيم القاعدة، العدو الرئيسي لها، ومع ذلك إنحاز أوباما بشكل كامل، لحكم الإخوان، حتى بعد إسقاطه، بالرغم من أن علاقته بالقاعدة ليست خافية، وكانت عناصر من القاعدة تشارك في اعتصام رابعة، وظهروا على شاشات التلفزيون، وهم يرفعون أعلام القاعدة . فضلا عن نشاطهم في سيناء، مستخدمين نفس أساليب القاعدة في أفغانستان، من تفجيرات القنابل، والسيارات المفخخة .

ويتساءل عدد ليس قليلا من الخبراء الأمريكيين، عما إذا كان موقف أوباما مما جرى في مصر، يعبر عن تغيير في التوجه السياسي للولايات المتحدة تجاه العالم العربي، أم أنه وليد الارتباك الذي أصاب إدارة أوباما، حين وجدت نفسها لا تفهم حقيقة ما يجري في مصر؟

الأمر المؤكد أن الفترة القليلة المقبلة، سوف تظهر حقيقة هذا السلوك الأمريكي، ونواياه، وبواعثه، وهو ما يثير حالياً جدلاً بين عدد كبير من الساسة، والكتاب، والخبراء في الولايات المتحدة .


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 19 / 575042

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010