الأربعاء 30 تشرين الأول (أكتوبر) 2013

فضائح التجسس . . حرب أمريكية ناعمة

الأربعاء 30 تشرين الأول (أكتوبر) 2013 par د. محمد السعيد ادريس

أسئلة كثيرة فرضت نفسها بعد انكشاف أمر تجدد فضائح التجسس الأمريكية على دول حليفة وصديقة منها: ما الذي يدفع دولة مثل الولايات المتحدة ما زالت تصنف باعتبارها الدولة الأقوى في العالم اقتصادياً وعسكرياً والأكثر تقدماً علمياً إلى مثل هذا السقوط الذي يعكس الضعف أكثر مما يعبر عن قوة؟ فالدولة القوية يفترض أن يكون لديها رصيد كاف من الثقة في النفس تغنيها عن التنصت على الأفراد والدول على النحو الذي يتكشف يوماً بعد آخر منذ أن فجّر إدوارد سنودين، الذي كان يعمل موظفاً فنياً سابقاً في وكالة الاستخبارات الأمريكية وعمل في وكالة الأمن القومي، قنبلته المدوية لصحيفتي “واشنطن بوست” الأمريكية و”الغارديان” البريطانية في يونيو/حزيران الماضي بخصوص عمليات التجسس والمراقبة التي تقوم بها وكالة الأمن القومي الأمريكي للاتصالات الهاتفية وبيانات الإنترنت من شركات كبيرة مثل غوغل وفيسبوك .

من هذه الأسئلة أيضاً، كيف يمكن لدولة مثل الولايات المتحدة تتصدر قائمة الدول صاحبة الدعوة إلى الحرية والديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان أن تسمح لنفسها بانتهاك حرمة الحريات الخاصة للمواطنين، ليس فقط في دول عدوة ومنافسة ومنظمات وتنظيمات معادية، بل أيضاً للدول الصديقة والحليفة بمؤسساتها ومواطنيها، وكيف يمكن أن يمتد هذا الاعتداء على الحريات الخاصة إلى مواطني الولايات المتحدة نفسها، وكيف يمكن أن تمتلك الولايات المتحدة بعد الآن إعطاء نفسها حق التدخل في الشؤون الداخلية للدول وممارسة التسلط على سياساتها بحجة الدفاع عن حقوق الإنسان في هذه الدول؟

أحدث ما تكشف من عمليات التجسس هذه يخص ألمانيا وفرنسا حيث نشرت صحيفة “لوموند” الفرنسية يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول الجاري أن وكالة الأمن القومي الأمريكية اعترضت أكثر من سبعين مليون اتصال في فرنسا في غضون ثلاثين يوماً فقط حسب الوثائق التي تم الحصول عليها من إدوارد سنودين (من 10 ديسمبر/كانون الأول 2012 إلى 8 يناير/كانون الثاني 2013)، وأكدت الصحيفة أن فرنسا تمتلك الآن أدلة دامغة على استهداف مصالحها بشكل دوري . وفوراً قام وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس باستدعاء السفير الأمريكي في باريس وصرح بأن “هذا النوع من الممارسات بين الحلفاء، الذي يحمل جانباً من المس بالحياة الشخصية، أمر غير مقبول بالمرة”، وأضاف أنه “يجب التأكد، في أسرع وقت، من أنه لن تتم إعادة مثل هذه الممارسات”، مبيناً أن باريس قد تفاعلت مع هذه المسألة حتى الآن، لكن أضاف: “من الواضح أن علينا الذهاب بعيداً” .

كلام غامض وضعيف لم يقنع الفرنسيين الذين أحسوا بالعدوان على كرامتهم الوطنية، كما شعروا بأنهم طعنوا في تحالفهم مع الولايات المتحدة ما دفع الرئيس الفرنسي إلى إجراء اتصال هاتفي مع الرئيس الأمريكي بهذا الخصوص معرباً عن “استنكاره الشديد” لما أثير حول التجسس على عشرات الملايين من المكالمات الهاتفية لمواطنين فرنسيين معتبراً أنها “ممارسات مرفوضة” .

في الوقت نفسه قلّل البيت الأبيض على لسان المتحدثة باسم الرئاسة كاثيلين هايدن من شأن الجدل الناجم عن كشف أنشطة التجسس الأمريكي في فرنسا، مشيرة إلى أن واشنطن تجمع من الخارج معلومات استخباراتية مثل كل الدول، مشيرة أيضاً إلى ما ورد في خطاب الرئيس الأمريكي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول الفائت من أن واشنطن بدأت مراجعة الأسلوب الذي تجمع به المعلومات الاستخباراتية بهدف الموازنة الصحيحة بين المخاوف الأمنية المشروعة لمواطنيها ومواطني الدول الحليفة من جهة، والمخاوف من انتهاك الخصوصية .

حديث أوباما عن تلك المراجعة جاء إثر ردود الفعل الغاضبة من جانب ألمانيا خاصة والاتحاد الأوروبي بصفة عامة بعد تكشف فضائح التجسس الأمريكية في يونيو/حزيران الماضي، خاصة ما نشرته مجلة “ديرشبيغل” الإخبارية الألمانية عن وثائق أمريكية سرية تؤكد أن الولايات المتحدة تتنصت على نصف مليار من الاتصالات ورسائل البريد الإلكتروني والرسائل النصية في ألمانيا شهرياً من بينها الهاتف المحمول للمستشارة ميركل، وأن ألمانيا مصنفة لدى أجهزة الاستخبارات الأمريكية بأنها هدف استخباري مماثل للصين رغم أنها تعتبر أهم حلفاء واشنطن في أوروبا . وكانت وكالة الصحافة الفرنسية قد نشرت تقريراً مهماً بخصوص التصنيفات الاستخباراتية الأمريكية للدول حيث جاءت ألمانيا مع كل من فرنسا والنمسا وبولندا وبلجيكا في المرتبة الثالثة . أما المرتبة الثانية فتضم دولاً أقرب إلى الولايات المتحدة تاريخياً وهي الدول الأنجلوساكسونية خاصة بريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، أما المرتبة الأولى فهي لأجهزة الاستخبارات الأمريكية التي يبلغ عددها 16 جهازاً .

وعلى أثر ما نشرته مجلة “ديرشبيغل” الألمانية وتأكيدها أن وكالة الأمن القومي الأمريكي تستخدم برنامجاً للتجسس الإلكتروني يحمل اسم “بريزم” وأنها استطاعت عبر هذا البرنامج استهداف مؤسسات ودول في الاتحاد الأوروبي، أصدرت المفوضية الأوروبية بياناً طلبت فيه من واشنطن تقديم تفسيرات بهذا الخصوص . ووصف رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولز

معلومات التجسس تلك بأنها تمثل “فضيحة كبرى” في حال تأكدها .

اللافت بهذا الخصوص أن عدداً من كبار المسؤولين الأمريكيين الحاليين والسابقين في الإدارة الأمريكية حرصوا على تبرير كل هذا التجسس الأمريكي على العالم وعلى الحلفاء وعلى الأمريكيين أنفسهم، قالوا ذلك في برامج حوارية وتلفزيونية وتصريحات صحفية . وكان على رأس هؤلاء دينس ماكدونو كبير موظفي البيت الأبيض، وديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي السابق، ومايكل هايدن الرئيس السابق لوكالة المخابرات المركزية ووكالة الأمن القومي الذي اعتبر أن قيام الحكومة بجمع البيانات عن الأمريكيين والرعايا الأجانب “كان دستورياً”، وتم الإشراف عليه من قبل السلطات التنفيذية والتشريعية، ومثل هذا الاعتراف يزيد الكارثة هولاً ويؤكد أن المسألة ليست أزمة أجهزة استخباراتية بل أزمة النظام الأمريكي كله، بدليل ما سبق أن نشرته صحيفة “واشنطن تايمز” في مقال للسيناتور رون وايدن، وقالت فيه انه “تبين لاحقاً أن وكالة الأمن القومي الأمريكي لم تكن تجمع المعلومات عن المواطنين فحسب، ولكنها كانت تعرف المعلومات التي يحتويها هاتف كل مواطن أمريكي عن سابق عمد وإصرار” .

ماذا يعني هذا كله، وكيف تقبل الدول أن تعيش تحت رهبة برنامج “بريزم” الأمريكي للتجسس الذي يعمل بمثابة “مخبر عالمي” قادر على الاختراق الإلكتروني وهو الأكفأ والأنشط في الالتقاط والتنصت واعتراض الهواتف والإنترنت، وكيف يمكن الثقة في الشركات الكبرى التي تتعاون مع أجهزة الاستخبارات الأمريكية بهذا الخصوص التي وقعت اتفاقات مع تلك الشركات خاصة “ياهو” و”مايكروسوفت” و”غوغل” و”يوتيوب” و”فيسبوك” و”أبل” وغيرها؟

ما يحدث ليس أقل من “حرب أمريكية ناعمة” يشنها الأمريكيون على كل العالم دون تمييز، وعلى الأخص الدول الإسلامية والعربية التي تأتي في مقدمة قائمة التنصت الأمريكية، لكن الأخطر أن الأمريكيين يتقاسمون معلوماتهم بشكل خاص مع ثلاثة أجهزة استخبارات: البريطانية والألمانية و”الإسرائيلية” .

هي حرب حقيقية لا يستطيع الأمريكيون إخفاءها أو الدفاع عنها لأن هذه وبتلخيص شديد هي “أمريكا” وعلى المتضرر أن يدافع عن نفسه ويراجع سياساته .


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 31 / 575526

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010