الأربعاء 30 تشرين الأول (أكتوبر) 2013

ما بعد "جنيف 2"

الأربعاء 30 تشرين الأول (أكتوبر) 2013 par د. عبدالحسين شعبان

لم يستطع النظام السوري، القضاء على المعارضة التي انطلقت شعبياً منذ 15 مارس/آذار العام 2011 والتي تستمر حتى الآن، بصورة سلمية وسياسية وإعلامية، وإنْ أصبح قسمها الأكبر عسكرياً وعنفياً . كما أنها هي الأخرى لم تتمكّن من إطاحة النظام، على الرغم من تحالفاتها الإقليمية والدولية . ولا شكّ في أن الأزمة مستمرة والمأساة متعاظمة، خصوصاً في جانبها الإنساني، سواء عدد الضحايا الذي زاد على 100 ألف أو عدد اللاجئين والنازحين الذي تجاوز 8 ملايين إنسان، إضافة إلى تهديم البنية التحتية والمرافق الحيوية والاقتصادية .

خلال السنتين ونيّف الماضيتين لم يتمكّن أي من الفريقين من فرض شروطه على الآخر، وقد دخل العامل الإقليمي والدولي باعتباره عاملاً مؤثراً سلباً وإيجاباً، فلولاه لما كانت المعارضة، ولا سيّما المسلحة تستطيع الاستمرارية بالزخم ذاته بما فيها الجماعات الإرهابية المختلفة والمتفرعة من تنظيمات القاعدة سواءً “دولة العراق والشام الإسلامية”، أو “جبهة النصرة”، أو غيرها من مسمّيات أخرى، لبعض الجماعات السلفية التي تصبّ في الإطار ذاته، ولولا العامل الدولي والإقليمي أيضاً لما تمكّن النظام من البقاء والاستمرارية، خصوصاً في قمع المعارضة بما فيها الوطنية المدنية السلمية التي تطالب بالتغيير الديمقراطي .

وظلّت مؤسسات الدولة، ولا سيّما العسكرية والأمنية والحزبية والدبلوماسية متماسكة حتى الآن بفعل الدعم الدولي والإقليمي، وإن تعرّضت إلى انشقاقات أو انسحابات أو شهدت تمرّدات، لكنها ظلّت محدودة وأحياناً غير مؤثرة، ولا يزال الطاقم الحاكم مستمراً، حتى وإن انشق رئيس وزراء أو هرب قائد عسكري، لكن الجسم الأساسي للدولة ومؤسساتها ولا سيّما للجيش وقوى الأمن لا يزال هو الأقوى على الرغم من ضعفه .

وبفضل الدعم الدولي والإقليمي استمرّت المعارضة، خصوصاً المسلحة، ولقيت مساندة متنوّعة، من عدد من العواصم الدولية والعربية بما فيها جامعة الدول العربية التي اعترفت بها “بديلاً” عن الحكومة السورية الرسمية، بل إن بعض الدول قَبِلَ سفراء للمعارضة في سابقة دولية جديدة، كان الكثير من الدبلوماسيات الدولية، ولا سيّما العربية تعارضها، بل يتشبث بعضها بميثاق جامعة الدول العربية، الذي يحرّم التدخل بالشؤون الداخلية ويصرّ على احترام مبادئ السيادة، وقد رفض مجلس الجامعة في أوقات سابقة مناقشة أو إدراج أي بند على جدول أعماله يخصّ انتهاكات حقوق الإنسان .

ولكن النظام باعتباره “أقوى الضعفاء” لم يتمكن من الإجهاز على المعارضة أو إسكات صوتها على الرغم من تفوّقه، كما أن المعارضة بمفردها لم تتمكن من إطاحة النظام وظلّت تتطلع، إلى التدخل الخارجي لإسقاطه، بل إن بعضها يدعو إلى ذلك صراحة ومن دون مواربة، بما فيه تشجيع الولايات المتحدة على توجيه ضربة عسكرية إلى سوريا بحجة قيام النظام السوري باستخدام الأسلحة الكيماوية ضد الشعب السوري في الغوطة قرب دمشق .

ولعلّ الكرّ والفرّ يجعل الوضع السوري أقرب إلى مصارعة على الطريقة الرومانية، تلك التي تؤدي في نهاية المطاف إلى إنهاك الطرفين، بحيث يموت أحد الأطراف ويصل الطرف الآخر حدّ الإعياء الذي قد يؤدي به إلى الموت أيضاً .

إن السجال المستمر والتقدم والتراجع لجبهة المعارضة أو لجبهة النظام هو الذي دفع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري للقول “لم يعد الحلّ العسكري في سوريا ممكناً” وهو ما يعكس فشل الفريقين المتصارعين من تحقيق اختراق بحيث يؤدي إلى ترجيح كفة أحدهما، كما أن العنصر الدولي والإقليمي بقدر ما يريد تحقيق مصالحه “المشروعة” وغير المشروعة، فإنه بدأ يفكّر بعد تدهور الوضع الإنساني في سوريا بحل سياسي، عسى أن يضع حدًّا لهذه المأساة من خلال تفاهمات دولية تحرص على “توازن” حقوق الجميع، الدولية والإقليمية، وتطال المعارضة والسلطة في نهاية المطاف .

ولعب الوسيط الدولي ممثل الأمين العام الأمم المتحدة الأخضر الإبراهيمي دوراً في إقناع أطراف دولية وإقليمية وسوريّة بضرورة إجراء جولة أخرى من المفاوضات استكمالاً ل”جنيف 1”، التي تقضي تطبيق بنودها تحقيق انتقال سلمي للسلطة ومشاركة جميع الأطراف على أساس التعددية وإجراء انتخابات ديمقراطية، وبالدرجة الأساسية وقف القتال والعنف .

وافقت روسيا حليفة سوريا على عقد مؤتمر “جنيف 2” ووافقت حليفتها الأساسية إيران أيضاً، مثلما وافقت الحكومة السورية مباشرة، وتوافق واشنطن وقوى غربية وأطراف من المعارضة على اللقاء في جنيف، وهذه الأخيرة افترضت طبقاً ل”جنيف 1”، إطلاق سراح المعتقلين ووضع جدول زمني للانتقال السلمي بتشكيل حكومة انتقالية وتهيئة مستلزمات ذلك بإشراف دولي، لا سيّما من جانب الأمم المتحدة .

وكانت لقاءات وزيري خارجية روسيا وأمريكا لافروف- كيري الأساس في التفاهم الدولي الذي بدأ روسيّاً- أمريكياً، بهدف إبعاد رهان الحرب والتوجه نحو التغيير السلمي وفقاً لمسار جنيف، لا سيّما بعد مقايضة النظام السوري، الأسلحة الكيمياوية، بعدم توجيه ضربة عسكرية إلى سوريا من جانب الولايات المتحدة، التي هدّدت بذلك وأصبحت قاب قوسين أو أدنى، لولا مسارعة الحكومة السورية بقبول تفكيك وتدمير الأسلحة الكيماوية والتعاون مع لجنة التفتيش الدولية، وهو الأمر الذي فعله النظام الليبي الذي كان يقوده معمر القذافي في أواسط التسعينات، مقدّماً تنازلات تتعلق بسلاحه الكيماوي ومشروعه النووي، فانتقل من كونه نظاماً منبوذاً دولياً، حيث كانت ليبيا قد تعرضت لحصار دولي منذ العام ،1993 إلى نظام بدأ يتأهل دولياً ويُستقبل زعيمه في الغرب وفي الولايات المتحدة، إلى أن جاء “الربيع العربي” الذي أطاح به وبنظامه، مثلما أطيح قبل ذلك زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر وفي ما بعد تنحيّ علي عبدالله صالح في اليمن .

وسواء انعقد “جنيف 2” أو لم ينعقد، فإننا سنكون أمام خيارات جديدة ما بعد “جنيف 2”، وهي إما “الرحيل السلس” بتفاهمات دولية وإقليمية، في سيناريو يضم أجزاءً من السلطة والمعارضة وبإشراف دولي، إدراكاً لمخاطر الانفلات الأمني على الجميع، لا سيّما في ظل وجود الانقسام المجتمعي الديني والطائفي والإثني وتأثيراته على دول المنطقة، أو خيار التأهيل الطويل الأمد، وهذا يتطلب أيضاً مشاركة وإصلاحات داخلية، مع ضمانات دولية، وبذلك أيضاً سيتم تجاوز “جنيف 2” .

لعلّ انعقاد أو عدم انعقاد “جنيف 2” سيضع الحكومة والمعارضة أمام هذين الخيارين أو أن المجابهة ستكون أكثر طولاً وأشدّ ضراوة باستمرار الحصار الاقتصادي والعسكري والسياسي وتشظي الوضع المجتمعي وارتفاع منسوب المأساة الإنسانية، خصوصاً أن الحسم لم يعد قراراً داخلياً فحسب، بقدر ما هو قرار إقليمي ودولي، ولعل تأخّر مثل هذا القرار سيجعل سوريا تعيش مصارعة على الطريقة الرومانية بكل معنى الكلمة .


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 43 / 574729

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010