الأربعاء 30 حزيران (يونيو) 2010

وساطة بلير تؤكد حالة ذل الأنظمة العربيّة

الأربعاء 30 حزيران (يونيو) 2010 par زهير أندراوس

في الوقت الذي تُعاني فيه الدولة العبرية من حالةٍ عزلٍ دوليةٍ غير مسبوقة، بسبب سياساتها العدوانية ورفضها المطلق للتوصل إلى سلام مع جيرانها العرب، مفضلةً الأرض على حياة الإنسان، في هذا الوقت بالذات نرى أنّ رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، توني بلير، وهو مبعوث الرباعية الدولية (الأمم المتحدة، أمريكا، روسيا والاتحاد الأوروبي) إلى منطقة الشرق الأوسط، تحوّل إلى الناطق الرسمي بلسان أكثر حكومة متطرفة في تاريخ إسرائيل، باعتراف محلليها وخبرائها وصحافييها.

فالمستر بلير يصول ويجول، ويتنقل من استوديو إلى أخر، بالتنسيق التام مع أركان دولة الاحتلال، لتسويق روايات إسرائيل الكاذبة، ويُطلق التصريحات العنجهية، الفارغة من أي مضمون، يتحيّز بشكل واضحٍ وفاضحٍ لحكام تل أبيب، ويحاول قدر المستطاع أنْ يُقنع العالم بأنّ الجلاد، إسرائيل، تحوّل إلى الضحية.

وها هي صحيفة (معاريف) العبرية تُطالعنا يوم الثلاثاء (22.06.10) بنبأ حصري مفاده أنّ السيّد المبعوث، الذي يجب أنْ يكون حياديًا وليس منحازًا لهذا الطرف أو ذاك، لبس قبعته ولحق ربعه، كما نقول بعاميتنا الفصيحة، حيت تمّ الاتفاق بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على أنْ يقوم بالإدلاء بأحاديث صحافيّة لوسائل الإعلام الغربية بهدف تسويق الرواية الإسرائيلية في كل ما يخص ما يُسمى بتخفيف الحصار على قطاع غزة.

والأنكى من ذلك، فقد قام المستر بلير بزيارةٍ إلى معبر كرم أبو سالم على الحدود مع قطاع غزة، وعبّر عن إعجابه الشديد بقرار حكومة تل أبيب بتخفيف الحصار. وزاد أنّ حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مُلزمة، نعم بهذه الكلمات المتعجرفة، مُلزمة بتحرير الأسير الإسرائيلي، غلعاد شاليط، دون قيدٍ أو شرطٍ، متناسيًا عن سبق الإصرار والترصد أنّ قطاع غزة، تحوّل بـ"لطفٍ" من جندي الاحتلال، وحكومته المتطرفة السابقة والحالية، وبتواطؤ مخزٍ من الرجعيّة العربيّة والإمبريالية العالمية إلى أكبر سجنٍ في العالم. وفي هذا السجن يقبع مليون ونصف المليون من أبناء الشعب العربيّ الفلسطيني، هل هؤلاء يا مستر بلير، ليسوا من بني البشر؟ ألا تقولون أنتم في الغرب المتنور للشرق المتخلف، وفق منطقكم، إنّه لا يوجد أيّ فرق بين إنسان وإنسان؟ أين الديمقراطية التي تتغنون بها وتحاولون تسويقها إلى الدول العربيّة الدكتاتورية، التي تتلقى الدعم المادي والمعنوي منكم؟ ولا غضاضة في هذه العجّالة من تذكير بلير ومن لف لفه بالقول المأثور لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتكم أمهاتكم أحرارًا؟".

وماذا يا سيّد مبعوث؟ ماذا مع الأسرى الفلسطينيين الذين يقبعون في سجون الاحتلال الإسرائيلي؟ لماذا لا تُطالب الدولة العبرية بإطلاق سراحهم؟ هل هم ليسوا بشرًا؟ ألا تعرف يا من تدّعي بأنّك تربيت وترعرعت على قيّم الديمقراطية وحقوق الإنسان أنّ إسرائيل، حبيبتك وربيبة بلفورك، ترتكب أكبر جريمة حرب عندما تقوم بأسر هؤلاء الأسرى داخل ما يُسمى بالخط الأخضر؟ ألم تنص المواثيق والمعاهدات الدولية على أنّ المحتل مجبرٌُ وملزمٌ بأسر أسرى الحرية في المناطق المحتلة فقط؟

في إسرائيل يا بلير، هناك أكثر من 8 آلاف أسير فلسطيني يذوقون أبشع صنوف العذاب والتنكيل، ولم نسمع من أيّ مسؤول أوروبي تصريحًا عن هؤلاء الأسرى؟ لماذا، هل الدم العربي أقّل طهارةً ونقاوةً من دم باقي شعوب العالم؟ ثم ما هو سر المعادلة الجديدة في الرياضيات القائلة إنّ واحدًا يساوي 8 آلاف؟ ولكن، نتذكر ونُذكّر العالم بأنّك، يا رئيس وزراء بريطانيا السابق، كنت وما زلت أكبر شريك لمجرم الحرب، جورج بوش، في اقتراف الجرائم في العراق ضدّ الأطفال النساء والشباب والشيوخ؟ قمتم، يا رؤوس الإمبرياليّة، باحتلال بلدٍ عربيّ بهدف تحقيق الأطماع والسيطرة على موارد بلاد الرافدين، وفي مقدمتها النفط؟

وللمعلومات العامة نقول لحضرتك: عندما كان هارون الرشيد حاكمًا في العراق، كانت المصابيح تُنير شوارع بغداد، نعم، يا سيّد بلير، في نفس الوقت الذي كانت فيه عواصمكم، وفي مقدمتها عاصمة الأضواء، باريس، تعيش في ظلمٍ حالكٍ؟ لا نبكي على الأطلال، ولكن نُذّكر في زمن أصبحت فيه الذكرى جريمة؟ نُذكر في عصرٍ غدت فيه الذكرى مذمة ونقول إنّ التاريخ حتمًا سيعود على نفسه، ونحن نؤمن إيمانًا مطلقًا بأنّ الأمّة العربيّة ستنهض من جديد، وستتحرر من نير الدكتاتوريين المدعومين من قبل الغرب، كما أننّا نؤمن بأنّ الإمبراطوريات مهما كبرت وتوسعت، فإنّ مصيرها الحتمي هو الانهيار.

يسود لدينا الاعتقاد بأنّ بلير، يُعاني من ذاكرة انتقائية وقصيرة، وبالتالي نرى لزامًا على أنفسنا لفت انتباهه بأنّ سفير دولته الأسبق في تل أبيب، قام قبل عدّة سنوات بزيارة إلى الضفة والقطاع، قبل تنفيذ خطة فك الارتباط أحادية الجانب، في أب (أغسطس) من العام 2005، سعادة السفير صُعق مما شاهده بأمّ عينيه، الأمر الذي دفعه إلى إطلاق تصريحٍ هامٍ جاء فيه إنّ الأراضي الفلسطينية المحتلة هي أكبر سجنٍ في العالم، ونرى أنّه من الأهمية بمكان التنويه إلى أنّ الزيارة كانت قبل فرض الحصار التجويعي على قطاع غزة، وغنيٌ عن القول إنّ هذا التصريح أثار حفيظة صنّاع القرار في تل أبيب، لأنّه صدر عن سفير دولة، تدعم بشكلٍ مطلقٍ الدولة العبرية، ماديًا ومعنويًا.

والشيء بالشيء يذكر: بلير من أشد المؤيدين والداعمين لما يُسمى بالسلام الاقتصادي، الذي ابتكره خيال نتنياهو، هذا الخيال الذي بات يتفوق على كل حقيقةٍ، وهو السلام الذي يشابه إلى حدٍ ما السلام الذي يقترحه على سورية والمبني على معادلةٍ جديدةٍ في العلاقات الدولية: إسرائيل تواصل السيطرة على هضبة الجولان العربيّة السورية المحتلة منذ عدوان الـ67، وبالمقابل تحصل سورية على السلام، أي السلام مقابل السلام.

والمؤسف والمخجل، لا بلْ المريب، أنّ المبعوث بلير يُستقبل في ديوان رئاسة سلطة رام اله المحتلة وكأنّه المسيح المنتظر، يعقد الاجتماعات مع محمود عبّاس، وينتقل إلى ديوان رئيس وزراء تصريف الأعمال، سلام فيّاض، يعرض المشاريع الاقتصادية، ويُسوّق وهم السلام لأنّه بات كاثوليكيًا أكثر من البابا، وصهيونيًا أكثر من هرتسل.

نقول لبلير إنّ صراخ أطفال فلسطين والعراق وأفغانستان، الذين قُتلوا بفعل الحروب التي شنّها الغرب وربيبته إسرائيل ما زالت تُسمع، دماء هؤلاء الأطفال، التي زُهقت بأسلحة مُحرّمةٍ دوليًا، لن تذهب هدرًا، فقد اغتالتهم آلة الحرب الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية لا لسبب، أنّما لكونهم من العرب والمسلمين، وبالتالي لا نفهم ولا نتفهم كيف يتحول مجرم الحرب بلير، بقدرةٍ غير قادرٍ، من مجرم حرب بامتياز إلى مبعوث سلام منحازٍ؟ وكيف يُوافق العرب على إيداع مهمة التوسط لمنافق أوروبي، أوصل النفاق إلى أعلى درجاته. والقول الفصل: بلير يُمثل حالة الذل والهوان التي تعيشها الأنظمة العربيّة، هذه الحالة التي انتقلت بالعدوى إلى أركان السلطة في رام الله.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 18 / 581070

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010