الثلاثاء 17 أيلول (سبتمبر) 2013

الفخ القطري في سيناء

الثلاثاء 17 أيلول (سبتمبر) 2013 par أحمد أبو دوح

يبدو أن الخلافات بين تميم بن حمد أمير قطر الجديد وحمد بن جاسم رئيس الوزراء السابق انحصرت داخل إطارها الشخصي، ولم تتطرق إلى السياسات العامة للدولة، ونظام وشكل الحكم فيها بوجه عام.
الأمير الشاب لم ينجح بعد في إضفاء بصماته على الملفات الشائكة التي تركها والده، بالشكل الذي توقع معظم المتابعين للشأن القطري أن تتطور إليه، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الإقليمية التي اختار الوالد بأن يكون لقطر يدا فيها، سواء إذا ما كانت هناك مصلحة ستعود على الدوحة من جراء ذلك، أو لم تكن هناك أية مصلحة.

فالإطاحة بحكم الإخوان، وبالتالي انهيار المشروع القطري في مصر، جعل حمد بن خليفة يضع كل إمكانياته المالية والنفطية، في سبيل الانتقام من أرض الكنانة، بشعبها وجيشها وحكومتها وأجهزتها، من خلال التعامل مع الجماعات الإرهابية المسلحة التي تحاول ضرب الاستقرار في سيناء.

بدأت قطر تنتهج نفس السياسة التي اتبعتها مع طالبان من قبل، عندما قررت السماح للحركة بافتتاح مكتب سياسي لها في الدوحة، وفي تعاملها مع الملف السوري أيضاً، قبل أن يسحب منها وتتولى إدارته الرياض. كان القطريون يحرصون على الحفاظ على قنوات اتصال مباشرة مع جماعة الإخوان السورية، بالإضافة إلى التنظيمات والفصائل التكفيرية في صفوف المعارضة أكثر من تلك الفصائل الأخرى التي كانت الدوحة تشعر بأنها ربما تحمل ميولاً مدنية، لكن التفات أميركا إلى الهاوية التي يقود القطريون القضية السورية إليها، وقرارها بإبعادهم عن هذا الملف الشائك بدا متأخرا. السيناريو نفسه يتكرر الآن في سيناء، ولكن بشكل أكثر توغلا عن الأدوار التي لعبتها قطر في كل المناطق الساخنة بالمنطقة، ربما بسبب قرب الموقع الجغرافي لشبه الجزيرة من قطاع غزة، الذي تسيطر عليه حماس أحد أذرع الدوحة وطهران، وذراع كل من يدفع في سبيل الإبقاء على قادتها في حكم القطاع المنعزل.

فعندما قال القيادي الإخواني محمد البلتاجي بعد الإطاحة بالتنظيم من الحكم أن الهجمات التي تستهدف الجيش والشرطة المصريين في سيناء سوف «تتوقف في اللحظة التي يعود فيها مرسي إلى الحكم» لم يكن يمزح، وإنما بدا ذلك التصريح وكأنه رسالة ضمنية إلى الشعب، اتسمت بالوضوح وتبلورت فيها كل مفاهيم التهديد، وظهر أنه يستند في ذلك إلى قوة أخرى تدير الأحداث من خلف الكواليس، نتيجة لحالة الضعف التنظيمي والعجز السياسي التي كانت تبدو عليها الجماعة وقت إلقاء البلتاجي لتصريحه. لم يكن النمو السريع في عدد هذه التنظيمات، وفي قدراتها التسليحية والقتالية معتمدا فقط على التمويل المحدود الذي تتلقاه من مركز جماعة الإخوان في القاهرة، في وقت أعلن فيه قادة الجماعة حاجتهم إلى تبرعات الأعضاء، وذكرت تقارير حكومية أنهم بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة بشكل خاص فقدوا القدرة على الحشد، والأهم هو أنهم لم يعودوا قادرين على تأمين مصادر تمويلهم الداخلية وسط رقابة محكمة على كل ما يضخ من أموال، سواء لحساب هذا التنظيم أو لحساب غيره.

المصدر الأساسي لتوفير الأسلحة الثقيلة والمتطورة والتدريب والإيواء لكثير من الجماعات التكفيرية في سيناء لم يكن يبعد كثيراً عن حركة حماس التي كانت (ومازالت) تعتمد في بقائها على رأس سلطة القطاع على الدوحة، بعد صعود الإخوان في مصر إلى الحكم، والاقتراب بشكل أكبر من القاهرة على حساب علاقتها بالنظام في طهران.

أما إجابة السؤال الذي يطرح نفسه الآن: وما هي مصلحة تنظيم الإخوان في أن يجعل من المنطقة الأهم استراتيجياً والأكثر حساسية في مصر بؤرة لهذه الجماعات التكفيرية؟ هي أن الإخوان، الذين كانوا على قناعة دائمة بأن ثمة صدام بينهم وبين الجيش المصري من شأنه أن يعيد سيناريو 1954 ويذكرهم بما فعله عبد الناصر بهذا التنظيم، بدأ يلوح في الأفق، بعدما قرر مكتب الإرشاد أن ينتهج سياسة التهميش لجميع القوى السياسية الأخرى والسيطرة على مفاصل الدولة، على نحو أثار حفيظة المؤسسة العسكرية، قبل أن يساهم في الدفع بالقوى المدنية والثورية للنزول إلى الشوارع والميادين والمطالبة بإسقاط نظام الإخوان.

هذه المعطيات جعلت التنظيم يفكر في الاحتفاظ بملف الأمن في سيناء كورقة ضغط يمكن استخدامها لابتزاز الجيش، كما ارتأى قادته أن تحويل هذه المنطقة إلى بؤرة خارج السيطرة من شأنه أن يساهم في فك الحصار الإسرائيلي بالكامل عن حركة حماس عملياً وبقاؤه فقط قائماً من الناحية النظرية.

انهيار المشروع القطري في المنطقة المتزامن مع القضاء على تنظيم الإخوان، الذي كان يستخدم أداة لتنفيذ هذا المشروع، إضافة إلى نجاح العمليات العسكرية ضد الجماعات التكفيرية في سيناء، مثلت عوامل لها دور هام في قرار الدوحة بتحويل المسار نحو العمق الأفريقي، وفتح قنوات جديدة للاتصال مع دول حوض النيل، المتحكمة في سريان النهر الذي ينظر إليه المصريون على أنه شريان الحياة بالنسبة إليهم.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 25 / 574809

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010