الأحد 18 آب (أغسطس) 2013

ابحث عن فلسطين في «ثورات» العرب

الأحد 18 آب (أغسطس) 2013 par نسيم الخوري

كيري يدعو الفلسطينيين للتفاوض رغم الاستيطان . إسرائيل (من دون قوسين بالطبع) تسرّع وتيرة الاستيطان وتستعدّ لإطلاق عدد من الفلسطينيين . “إسرائيل” أطلقت 26 أسيراً فلسطينياً ومفاوضات اليوم أمام تحدّي الاستيطان . سياسة الاستيطان تقود إلى تدمير فرص السلام . واشنطن قلقة جدّاً من استمرار الاستيطان “الإسرائيلي” . تلويح فلسطيني بمقاطعة المفاوضات ردّاً على الاستيطان . الاستيطان يلقي بظلاله على محادثات السلام . . . .الخ .

تلك بعض جملٍ قفزت إلى افتتاحيات الصحف ونشرات الأخبار الإذاعية والتلفزيونية بطبلٍ وزمرٍ يضاهي الضرب على الصنوج ويتجاوزها قطعاً . لماذا؟ ربّما لأنّ الحبر والصوت العربي وقعا في رتابة القتل والقتل المضاد في عواصم “الثورات العربية”، وسرعان ما جنحا نحو رتابة الحبر والصوت في فلسطين التي كانت وما زالت تشكّل المذود والموقد . أين الجديد والمستحدث في المفاوضات التي تنطق بفراغاتها قبل أن تبدأ؟ لا جديد فيها على الإطلاق إذا اتّفقنا بأنّ الجديد هو إضافة شيء إلى القديم . ما هو الجديد في مفاوضات ملّت من نفسها وخرجت من مضامينها الأكاديمية القاموسية، وهي تصرخ لشدّة الرتابة فيها لفظاً وكلماتٍ ومعاني تتكرّر وتتردّد من جيلٍ إلى جيل، وتبدو لمن جايل فلسطين أنّها كلمات لا تقول شيئاً جديداً . فعلاً ما الجديد في إعلان “إسرائيل” موافقتها على بناء 942 وحدة استيطانية جديدة في القدس الشرقية المحتلة عشية استئناف المفاوضات “الإسرائيلية”- الفلسطينية المتوقّفة منذ ثلاثة أعوام؟ فقد أعطت الحكومة “الإسرائيلية” الضوء الأخضر لبناء 1187 وحدة استيطانية في الضفة الغربية المحتلة وأحياء استيطانية في القدس الشرقية التي يريدها الفلسطينيون عاصمةً لدولتهم الموعودة المنتظرة، والمشروع الاستيطاني الجديد الذي أعلن عنه سيكون في جنوب القدس في حي جيلو الاستيطاني وهذه ليست خطة جديدة ولكنها مكابرة لمشروع تاريخي رهيب مدروس ومستمر ويعدّ استفزازاً للفلسطينيين ولبقايا النبض العربي المناهض لتلك الملحمة التاريخية مع أنّ القرار يعد بإمكان بناء 300 وحدة أخرى أيضاً في مرحلة لاحقة .

نعم تلك عينة هزيلة معبّرة مختارة من مئات “مانشيتات” الصحف وعناوين المقالات والتعليقات التي يمكن أن يصادفها القرّاء إن لم يكونوا في طريقهم إلى الانقراض التام بعدما كانوا وما زالوا في حالة العجز القاتل، لا في البحث عن نتائج أو سير الجولة الثانية من المفاوضات التي عقدت في القدس برئاسة وزيرة العدل “الإسرائيلية” تسيبي ليفني، وكبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات تعقبها جولة أخرى في أريحا بالضفة الغربية بل في البحث عن فلسطين .

نعم البحث عن فلسطين؟ فمن يستطيع أن يعطينا رقم جولات المفاوضات التي تبحث عن فلسطين؟ نعم البحث عنها، وأين تقع تلك الدولة أو بقاياها وأين يقع ضحاياها وشهداؤها وأين تقع مخيّماتها وأشعارها وبؤسها؟ أين يقع مستقبلها على هوامش الربيع العربي الذي اصفرّ وجهه مع تقادم الخريف الراكض هذا الصيف فجّاً في بيروت كما في عواصم العرب؟ تتساقط الأوراق والأجساد على الأرصفة العربيّة في صراعات مجانية حافلة بالكيديات والأحقاد والخسائر وتشتدّ المذابح العربية والإسلامية التي لا تشي بأيّ مستقبلٍ منتظر، تماماً كما تتساقط تلك العناوين والجمل والأوراق الفلسطينية وتدور في زوايا الساحات العربية وفوق بلاط أرصفة العالم منذ ال1948 . لا بل قبل هذا التاريخ بزمنٍ طويل تذكيراً بالدعوة الموثّقة في الكتب والموسوعات عن التاجر الدنماركي أوليفربولي الذي أطلق في العام 1765 الفكرة الأولى المطالبة بضرورة وضع خطّة مبرمجةٍ توطّن اليهود في فلسطين، وبعث بها إلى ملوك أوروبا، وانتظرت حتّى العام 1789 ليتلقّفها نابليون بونابرت مقترحاً إنشاء دولة يهودية في فلسطين إبّان حملته على الشرق من البوّابة المصرية . هل يفترض بنا التذكير هنا بأنّه يكفي تناول الكراريس والكتب المدرسيّة بين أيدي أولادنا أو أحفادنا لنقرأ بأنّ تاريخ النهضة العربية مربوط بدخول نابليون بونابرت إلى الشرق؟

لا أعلم على ماذا يتفاوضون، ف”إسرائيل” عنوانها الاستيطان Land Settlement وقلب الفكر الصهيوني يغور في الذهن اليهودي والغربي نحو الجذور الدينية والتاريخية التي وعد بها شعب اليهود وفقاً لزعمهم الذي لم يتغيّر، وخلق حقائق جغرافية وديمغرافية وتحولات تتجاوز بكثير هزلية المفاوضات وتقطيع الوقت لا يمكن لعاقل عربي لم تصبه الرخاوة التاريخية العربيّة أن يجد فيها أيّ معنىً للتعايش أو التحاور ولا حتّى للتجاور . تلك سيناريوهات مملّة تحصل على إيقاعات العنف والطرد والاستئصال والترحيل ملفوظة من أيّ قانون دولي أو عهود أو مواثيق أو اتفاقات دولية والقاعدة الأولى فيها التشجيع العملي على الاستيطان واستمراره وتغذيته لأنّه يعني اكتمال الكيان “الإسرائيلي” ذي الحدود الرخوة المطّاطة المنقولة وفقاً لبرامج وآليات ترسّخ “إسرائيل” وتسخّر دوائر القرار لمصالحها وتسخر من الانهيارات

العربية الضخمة . هكذا نجد الواقع الفلسطيني أسير

مراحل ثلاث من الاستيطان بدأت بالاستملاك وتدفّق المهاجرين اليهود في موجات خمسٍ متلاحقة، ثمّ مرّت وما زالت في مرحلة الاستيلاء بالقوّة والسجون ومصادرة الأراضي وإنشاء المستوطنات حتّى ال،1967 وصولاً إلى المرحلة الثالثة مع توقيع اتّفاق أوسلو 1993 الذي سمح لهذه الدولة العدوّة بالسيطرة على ثلث مساحة الضفّة الغربيّة بعد إقامة جدار الفصل العنصري .

إلى أين من هنا؟ إلى مزيد من الاستنكارات اللفظية بانتظار أن ترسي لعنة المفاوضين على يهودية الدولة كمقدمة لنجاح فكرة ما لطرد العرب أو إعتبارهم أجانب مقيمين إقامة مؤقتة، يمكن سحب حق إقاماتهم وطردهم كل لحظة من جذورهم . يكفينا في هذا المجال العودة إلى العام 1951 لنقرأ عن عملية يوحنان التي تقترح تهجيرهم إلى الأرجنتين، أو إلى العام 1953 لتهجيرهم إلى ليبيا، ثمّ القول في العام 1954 بسلطة تأهيل الفلسطينيين داخل “إسرائيل”، ثمّ المجاهرة بمشروع أبراهام تامير بتوطين مليون فلسطيني في لبنان برعاية تشاوسيسكو رئيس رومانيا في العام نفسه، وصولاً إلى مشروع سيناء في ال1955 بترحيل وتوطين الفلسطينيين هناك حيث تتكفّل مصر بتقديم 300 ألف فدّان يستوعب 300 ألف فلسطيني ثم مشروع إيغال آلون بعد هزيمة 1967 الذي اقترح توطين اللاجئين الفلسطينيين في سيناء محمّلاً دول الجوار وفي رأسها مصر تبعات المشكلة الفلسطينية، وهو المشروع الذي تمّ تجديده بشكلٍ نموذجي مع آرييل شارون في عام 1971 الذي شذّب الكثافة السكانية في قطاع غزة مرحّلاً الأعداد الكبيرة من الفلسطينيين . ولم تغب المشاريع والأفكار المشابهة المتنقّلة في ترحيل الفلسطينيين سواء في العراق 1993 أو غيره في ما بعد، حيث ينمو سوق التبادلية في الأراضي على إيقاعات المفاوضات المفرغة من أيّ نتيجة وتحولات “ثورات العرب”، ولهذا مبحث طويل إذا كانت القراءة واقعة ومفيدة بعد .


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 22 / 565016

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010