الثلاثاء 23 تموز (يوليو) 2013

قيود على تقييد تجارة السلاح

الثلاثاء 23 تموز (يوليو) 2013 par غسان العزي

الطبيعة العالمية لتجارة الأسلحة وحساسية المصالح التي تحركها، فضلاً عن تكاليفها البشرية الباهظة وتهديدها للاستقرار والسلام، هي تحديات مطروحة على الأمن العالمي، لذلك تعهدت الأمم المتحدة بالعمل على قوننة انتقال الأسلحة التقليدية (وليس أسلحة الدمار الشامل بالطبع)، بين الدول عبر معاهدة دولية بشأن تجارة السلاح كادت تخرج إلى النور في يوليو/تموز 2012 أي بعد ست سنوات على اقتراح تقدمت به المملكة المتحدة .

خلال مؤتمر الأمم المتحدة في نيويورك في التاريخ المذكور اتفقت أغلبية الدول على مشروع نص للمعاهدة المذكورة، لكن الولايات المتحدة، مدعومة بعدد قليل من الدول، أعاقت تبنيه، رغم ذلك لم يتم دفن المشروع أو رفضه نهائياً، ففي 7 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي تم الاتفاق على مواصلة السعي إلى صياغة نص قبل عرضه على الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول المقبل، وهكذا لا يزال الامل قائماً بالتوصل إلى اتفاق دولي لمراقبة انتقال السلاح التقليدي بين الدول، وهو ما تطالب به أكثرية دول العالم لاسيما تلك التي تتأثر حكوماتها بضغوط المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني .هذه المنظمات تنشط منذ العام 2003 في ائتلاف يحمل شعار “اضبطوا السلاح”، ويسعى إلى فرض مراقبة استيراد وتصدير ومرور الأسلحة بين الدول (وليس بيعها أو انتقالها داخل هذه الدول)، وذلك عبر وضع معايير مشتركة وأنظمة مراقبة وطنية .

من ضمن هذه المعايير أن تُرفض صفقة السلاح إذا كان هناك خطر جوهري في أن تسهم بخرق الحقوق الإنسانية والقانون الدولي الإنساني أو أن تعيق التطور السوسيو-اقتصادي لدولة ما عبر دعم المافيات والجماعات المسلحة .

لكن بسبب ضبابية سوق الأسلحة وندرة وعدم مصداقية المعطيات المتوافرة، فمن الصعوبة بمكان تقدير حجم الأموال والصفقات، هناك بعض المؤسسات الدولية التي تقدّر حجم الأموال المتداولة في سوق الأسلحة العالمي بأكثر من خمسين مليار دولار، وهو رقم يرتفع عاماً بعد عام .

ولا يتعلق الحجم الأساسي من هذا السوق إلا بعدد قليل من البائعين، فبين العامين 2007 و2011 تقاسمت خمس دول مصدرة للسلاح، من بينها أربعة أعضاء دائمين في مجلس الأمن، 57% من الصادرات العالمية: الولايات المتحدة(30% ) وروسيا (24% ) وألمانيا (9% ) وفرنسا (8%) وبريطانيا (4%) .

بالنسبة إلى الحكومات فإن الرهانات، السياسية والاقتصادية والجيواستراتيجية التي تمثلها مبيعات الأسلحة التقليدية، الخفيفة والثقيلة بالغة الأهمية، رغم أن هذه الأسلحة تتسبب بمقتل 500 ألف إنسان سنوياً في العالم بفعل العنف المسلح بأشكاله كافة (حروب، إرهاب، قتل واغتيال . .) بحسب إعلان جنيف عن العنف المسلح والتنمية الذي وقعته 108 دول .

وغياب قاعدة قانونية ملزمة لتأطير التحويلات الدولية للأسلحة يسهّل التحويلات غير المسؤولة التي تشعل الصراعات وتخرق قرارات الحصار الصادرة عن مجلس الأمن الدولي . وهكذا، فليس من النادر أن تنتقل أسلحة تم تبّادلها بشكل شرعي بين دولتين إلى شبكات مافيوية وإرهابية .

وبسبب المصالح الوطنية التي تعلو على الاعتبارات الإنسانية، فإن التوصل إلى توافق بين الدول يبدو أمراً صعب المنال رغم أن الخطاب الرسمي لهذه الدول يؤيد فكرة المعاهدة، فهناك دول مؤيدة، مثل إيران وروسيا والهند والصين وفنزويلا وباكستان، تمتنع عن التصويت وتسعى في المباحثات التحضيرية إلى إفراغ النصوص من محتوياتها الجوهرية بذريعة عدم التدخل في شؤون الدول وحقها الشرعي بالمتاجرة بالسلاح، وليس من قبيل المصادفة مثلاً الموقف الأمريكي المتصلب من موضوع الألغام الأرضية . فالولايات المتحدة هي المنتج الأول في العالم للألغام الفردية والمضادة للآليات . وحتى في مجال الأسلحة التقليدية الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، فإن الولايات المتحدة التي يعجز رئيسها أوباما عن الوقوف في وجه لوبي السلاح في بلاده حيث ينتشر السلاح ويشرى ويباع بشكل عادي، تقف حجر عثرة أمام تبني معاهدة تحد من تنقّل السلاح بين الحدود الدولية، الأمر الذي لا يزعج ألبتةَ دولاً مصدرة للسلاح مثل روسيا وكوريا الشمالية وغيرهما .

رغم ذلك، فإن أكثر من تسعين دولة في العالم، مدعومة من منظمات غير حكومية ومن الأمم المتحدة، لا تزال تصر على الاستمرار في المفاوضات بغية التوصل إلى معاهدة قبل نهاية العام الجاري، تضع حداً لمفارقة غريبة جداً هي أن الأسلحة لا تخضع لما تخضع له أتفه المنتجات والسلع في العالم من اتفاقيات تراقب إنتاجها وتصديرها وحركتها بين الدول .

وهذه المنظمات تستمر في الضغوط مدفوعة بالأمل بالنجاح كما فعلت في مسألة الألغام الأرضية والذخائر العنقودية التي لم تعد تباع في العالم، إلا سراً ونادراً، بفضل اتفاقية أوتاوا (2008) التي أبرمتها، بعد جهد جهيد، أكثر من مئة دولة خارج رعاية الأمم المتحدة تلافياً للرفض الصيني والروسي والأمريكي .


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 32 / 565500

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010