السبت 19 حزيران (يونيو) 2010

إسرائيل.. هل حانت ساعتها؟!

السبت 19 حزيران (يونيو) 2010 par سري سمور

دعوة نابليون لليهود كي يستوطنوا فلسطين بحجة «العودة للوطن» في حملته أواخر القرن الثامن عشر الميلادي لم تكن سوى أحد امتدادات حلقات الصراع الطويل المتجذّر المتقطع عسكريا، المتواصل ثقافيا وعقائديا، والذي ابتدأ منذ معركة مؤتة وغزوة تبوك في عهد النبوة ،وإلى أن تمكّن خالد بن الوليد وأبو عبيدة الجراح وغيرهم من القادة،رضي الله عنهم وعن جندهم ، من سحق دولة الروم في المنطقة وطرد هرقل من الشام،وتسلم عمر بن الخطاب ،رضي الله عنه،لبيت المقدس،ودخول عمرو بن العاص إلى مصر.

فالصراع والكر والفر لم يتوقف منذ تلك الأيام وإن لم يأخذ طابعا عسكريا في فترات زمنية معينة، فالحضارة الرومانية التي تنقلت من بيزنطة إلى روما حتى واشنطن اليوم ، اختارت أن تكون في حالة من الصدام والعداء المتواصل مع الحضارة الإسلامية،ولم تكف مائتا سنة من الحروب الصليبية،ولا سحق العثمانيين للإمبراطورية الرومانية الشرقية في القسطنطينية أو بيزنطة (إسلامبول واستانبول لاحقا) وتوغلهم في أوروبا تزامنا مع الطرد النهائي للمسلمين من الأندلس،لوضع حد لهذا الصراع الذي كان يتجدد ويتصاعد ويثور كلما تصوّر البعض أنه انتهى أو حسم لصالح طرف من الطرفين.

من الناحية الإجمالية فإن الصراع في العصر الحديث أي خلال القرون الثلاثة الأخيرة قد كسب فيه الاستعمار الغربي،وهو أحد وجوه الحضارة الرومانية في عصرنا،كثيرا من الجولات والحروب،إضافة إلى هيمنة الثقافة الغربية وتعميم مظاهر الاستهلاك ،وظلال إفرازات اقتصادية واجتماعية مختلفة على مجمل العالم الإسلامي ، والمنطقة العربية بشكل خاص.

صحيح أن الاستعمار بشكله العسكري قد اندحر بفضل المقاومة الباسلة لشعوب العرب والمسلمين،لكن التقسيمات الجغرافية المصطنعة من هذا الاستعمار، والآثار السياسية والاقتصادية له مازالت قائمة وتتفاعل حتى يومنا هذا!

إنشاء الكيان العبري

ومن أهم مظاهر السيطرة والتحدي الكبير إنشاء إسرائيل فوق أرض فلسطين حلقة الوصل بين آسيا وإفريقيا،مع ما لها من قداسة كبيرة،واستمرار هذا الكيان بالنمو السرطاني وتفوقه النوعي على المحيط العربي والإسلامي ، ولقد كان نابليون بونابرت بدعوته قد بدأ أمرا تبلور في الغرب مع الزمن ؛ التخلص من اليهود وتواجدهم في أوروبا مع سيطرتهم على فلسطين لتكون رأس حربة وقاعدة متقدمة للمشروع الكولونيالي الغربي في المنطقة ، ولهذا لا نستغرب أن معتنقي الفكر الصهيوني كانوا في البداية بمعظمهم من غير اليهود في أوروبا.

تمدد وتمرد

إلا أن اليهود في فلسطين والغرب وبفضل الدعم والرعاية الغربية المتواصلة وبفعل إتقانهم للكثير من الحيل والألاعيب السياسية والمالية،ووجود نخب علمية مميزة في صفوفهم ومخلصة في خدمة أهدافهم، وذكائهم في استثمار كل ما بيدهم من أوراق رابحة في العالم ، مثل اللوبيات الاقتصادية والسياسية وتغلغلهم الرهيب في أهم المؤسسات الإعلامية حول العالم،أصبحوا يتحكمون في الكثير من القرارات في أوروبا وأمريكا،خاصة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وانتصار الحلفاء،إضافة لإحكام سيطرتهم القوية على فلسطين تدريجيا.

وقد باتوا يمسكون بناصية الحكومات والبرلمانات وقطاعات أهلية لا يستهان بها في الغرب،وباتت القوانين الغربية مفصلة على مقاسهم ، وأصبح من غير المستغرب تملق الرئيس الأمريكي سواء أكان من الحزب الديموقراطي أو الجمهوري لهم أو حتى اعتناقه أفكارهم ورؤاهم بشكل يظهرهم كمسيطرين على العالم فعلا!
تململ مؤكد

بفعل صمود ومقاومة الشعب الفلسطيني واللبناني،والرفض الوجداني للعرب لوجود الكيان،وارتفاع فاتورة استمراره وحمايته على دافع الضرائب الأمريكي والأوروبي،وانعكاسات متعددة للصراع على الغرب،مع غضب مكتوم من رغبة إسرائيل في الخروج عن كينونتها كدولة وظيفية لا أكثر ولا أقل،شهد العالم ومنه الغرب بداية تململ متصاعد من إسرائيل ، وتفكير جدي بجدوى دورها،خاصة وأن الفكرة العامة تقول بأن إسرائيل ليست من احتل العراق بل أمريكا،ولو أوكلت المهمة لإسرائيل لما تمكنت من احتلال ولو محافظة عراقية صغيرة، حتى لو تم تزويدها بأحدث التقنيات العسكرية الأمريكية،كما أن إخفاقات إسرائيل المتعددة طرحت سؤالا ممزوجا بالتململ حول مستقبلها وصل إلى درجة التفكير بالأمر بصوت عال ، وبالمناسبة فإن هناك يهودا،خاصة من النخب المثقفة،يتبنون وجهة النظر المضادة لإسرائيل، من منطلق تفكير رأسمالي بحت يرى خطر إسرائيل على اليهود وعلى الحضارة الغربية المتمثلة بالفكر الرأسمالي،وبالطبع من شعور بخسارة اليهود في ظل وجود إسرائيل أكثر مما يربحون.

ربح يتحول إلى خسارة

الغرب يقيس كل شيء بمقياس الربح والخسارة كما نعلم ، وإسرائيل في جوانب متعددة تنتمي عضويا إلى الغرب، وحين وجدت إسرائيل أن الخسارة في وجودها في الجنوب اللبناني تتجاور الربح بشتى الأشكال خرجت من هناك،وهذا انسحب على قطاع غزة لاحقا.

وينبغي الأخذ بالحسبان أن هذه الانحدارات كانت بالنقاط والتراكم وليس بالضربة القاصمة،لأنه ومنذ حرب رمضان عام 1973م وتمكن المصريين من عبور القناة وتحطيم خط بارليف وتمكن السوريين من استعادة مناطق محتلة من الجولان، لم تحدث مواجهة تحسم وتحقق نتائج في أيام معدودة بل بصراع واستنزاف طويل تظهر نتائجه المتراكمة بعد سنين، لكن المواجهة القادمة أو الحرب المرتقبة التي ستقع كما قلت في مقال سابق في حد أقصاه سنتين من الآن،ستكون فيها نتائج تظهر خلال أيام،مثل اندحار من مناطق واتباع قاعدة «اضرب واحتل وتمركز»بدل قاعدة «اضرب واهرب» التي كانت سائدة خلال القرن الماضي وجزء من مواجهات القرن الحالي.

لن يسمحوا بشطب إسرائيل نهائيا

وعلينا أن نتذكر أن عمليات استعادة المناطق في الحروب الصليبية بدأت بالكر والفر وجهاد آل زنكي باستعادة قلعة هنا وحصن هناك وصولا إلى استعادة مدن كبيرة،ومواصلة الناصر صلاح الدين الأيوبي الجهاد وتوحيده البلاد حتى معركة حطين الحاسمة التي مهدت لتحرير القدس،بل إن تحرير القدس (1187م) لم ينه الوجود الصليبي بل استمر وجودهم حتى عهد الأشرف قلاوون المملوكي(1292م) ،ناهيك عن كون التقنيات العسكرية آنذاك كانت متشابهة كثيرا لدى الطرفين،كما أن الغزو الصليبي وإن انتصر عسكريا لفترة ما،فإنه كان صفرا من الناحية الثقافية والحضارية.

وقبل عقد من الزمن على الأقل لن يسمح الغرب ،أمريكا وأوروبا، بشطب إسرائيل من خريطة المنطقة،وليكن هذا واضحا ، حتى لو اضطرت الجيوش الأمريكية والأوروبية لشن حملات صليبية جديدة واستخدام السلاح النووي ضد تجمعات سكانية كبيرة في المنطقة،فأوروبا ليس لديها استعداد لاستقبال جموع اليهود في هذه المرحلة،لأسبا نعرفها جميعا.

لكن الغرب سيتقبل هزيمة كبيرة أو ضربة قاصمة غير قاضية لإسرائيل تسفر عن قصقصة أجنحتها وانكماشها،وهذا تطور في حلقات الصراع ، لأن إسرائيل لم تصبح هكذا في يوم وليلة ولن تتحطم في يوم وليلة.

وعليه فإن المواجهة القادمة ستشهد تقهقرا جديدا للمشروع الصهيوني في فلسطين ولكنه كبير وحاسم مع ظهور للنتائج خلال أيام قليلة، وهذا ليس وهما أو حلما أو سقوطا في حسابات خاطئة،بل إن إرهاصات ذلك بادية لكل عين ناظرة وقلب بصير،ولهذا تسعى إسرائيل حاليا لإنهاء ملف القدس بتهويدها بشكل كامل مع تمدد استيطاني رهيب في الضفة الغربية ،كي تثبت وتخلق واقعا جديدا على الأرض يستعصي على الحل،كما تتصور.... والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 71 / 581665

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010