الثلاثاء 4 كانون الأول (ديسمبر) 2012

كلمة إلى بعض أصحاب العمائم!

الثلاثاء 4 كانون الأول (ديسمبر) 2012 par سليم سعدو سالم

عنوان اليوم كتبته ثم غيّرته، كان «كلمة إلى بعض رجال الدين»، فجعلته «كلمة إلى بعض أصحاب العمائم»، لأنني على قناعة بأنّ رجل الدين الحقّ لا يمكن أن يدعو إلى العنف والبطش وأن يلجأ إلى إثارة المشاعر، وأن يدفع الناس إلى التهلكة، لأنّه يفترض برجل الدين أن يشرح للناس معنى الآية الكريمة التي تقول: «ولا تلقوا بأنفسكم في التهلكة» وأبعادها، ويلحقها بالآية الكريمة التي تقول: «وجادلهم بالتي هي أحسن»، وهي تعني بالمفهوم الفقهي والديني والأخلاقي أن تقابل الشرّ بالحسنة، بالتي هي أحسن... وكلمة أحسن هي من باب أفعل التفضيل في اللغة يا من تظنّون أنّكم ببعض كلمات تمتلكون الحقّ بإرسال الناس إلى الموت وراء شعارات أنتم أنفسكم لا تتّبعونها وقد لا تؤمنون بها حرصاً على حيواتكم أو مصالحكم .
مناسبة هذا الكلام، حادثة الشباب اللبنانيين الذين قيل إنّهم قُتلوا داخل الأراضي السورية وهم في طريقهم إلى «الجهاد»، وبتخصيص أكثر، هي بعض ردود الفعل من قبل أهالي أعضاء تلك المجموعة من الشباب وأصدقائهم وجيرانهم. لا يكفي أن نقفز فوق الكلام، بل يجب التمعّن والدراسة في كلّ ما يقال. ثمّة شبه إجماع في منطقة «المنكوبين» في طرابلس على تحميل مسؤولية ما حدث لبعض رجال الدين الذين يحرّضون الشباب على العنف ضدّ سورية.
هذا كلام واضح قيل منذ اللحظة الأولى لانتشار خبر مقتل أولئك الشباب. لم يقله واحد أو اثنان أو عشرة، بل جموع كبيرة من الناس، وهو تعبير عن حقيقة ما حدث.
الذين حرّضوا وأثاروا حماسة الشباب مذهبياً وطائفياً من أجل الذهاب والقتال في سورية، لجأوا إلى الحيلة والتنصّل من المسؤولية بكثرة ترديد عبارات تشير إلى الاستشهاد، وأنّ الشهيد محتسب عند الله. الذين حرّضوا لجأوا إلى المكر ثانية والاحتماء ببعض ما له علاقة بالدين من حيث الشهادة والثواب. إذا كان سبحانه وتعالى يقول للمؤمنين: «لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة لأنّها معصية»، فما هو توصيف من يحرّض الناس على إلقاء أنفسهم في التهلكة ويزين لهم الأمر على أنه جهاد في سبيل الله؟! إنه إنسان، إمّا جاهل بأحكام القرآن ومتآمر يضلّل الآخرين، أو غبيّ مأجور يردّد ما يقول لقاء أجر مهما اختلفت تسميات ذلك الأجر: إكرامية، تكريم، معاش، مساعدة... أو...أو...
نعرف ـ أو كنّا نعرف ـ أن رجل الدين يجب أن يكون ملمّاً بالأحكام وبالشريعة، دارساً القرآن، وملمّاً بالفقه بكلّ فروعه من الحديث إلى الإجماع ثم الاجتهاد. فأين هؤلاء من أولئك؟ ثم، أين هي مسؤولية المراجع الدينية الرسمية في مكّة والأزهر والنجف وقم والقيروان؟ وكان يجب أن يكون المرجع الأكبر في القدس ـ أولى القبلتين .
تنصّل رجال العمائم في طرابلس ممّا فعلوا وارتكبوا، شبيه بتنصّل السياسيين الذين يقتلون لبنان بكثرة محبتهم ويقتلون الشعب اللبناني ويقسّمونه بغرامهم المسموم. هم أيضاً تنصّلوا من المسؤولية فراح واحدهم يقول إنّ الشباب تحمّسوا من تلقاء أنفسهم، وآخر يقول إنّهم لا ينتمون إلى تيّار أو حزب، وثالث يقول إنّهم وقعوا في فخّ أو خيانة، ورابع... وخامس وعاشر... ثلاثون شاباً تجمّعوا وعيّنوا مكان لقاء ونقطة عبور الحدود وتزوّدوا بكلّ ما حملوا، هكذا من دون أن يكون هناك من يخطّط ويرسم ويقرّر، ومن دون أن يكون هناك من يشجّع ويحدّد الساعة والمكان والغاية والطريق، فيا سبحان الله. بينما نحن نرى أنّ اثنين في لبنان لا يتّفقان على موعد ولو كان موعد غرام أو مشواراً إلى السينما. إنّهم أيضاً يتنصّلون من المسؤولية ويرفعون شعارات هم قبل غيرهم يعرفون أنّها لم تعد تجدي، ولا تقنع أحداً، لكنّها لا تزال قادرة ـ تلك الشعارات - على التضليل وسوق الآخرين إلى الموت فقط لإرضاء شهوة الانتقام، أو لملء الجيوب بالعملة الخضراء من أميركا .
ولو تركنا موضوع تضليل الشباب في طرابلس وغيرها، ألم يفكر أولئك الأشاوس بنتيجة ما يقترفون وكيف تكون على لبنان؟ لا بدّ من سؤال آخر: هل كانت الغاية من إرسال الشباب هي الجهاد المعلن، أم جرّ سورية إلى ردّة فعل دفاعية لنصرخ ونطالب العالم بأن يحمينا من سورية؟ وبهذا نجرّ لبنان والمنطقة كلّها إلى الهاوية؟
في يد سورية اليوم ورقة قانونية، حجّة دامغة تقول فيها إنّ مسلّحين من لبنان دخلوا حدودها، وأنّ لها الحقّ في الدفاع عن نفسها. سورية ستجد نفسها في حِلّ من كلّ اتفاق أو معاهدة أو ميثاق، لأنّ حقّ الدفاع عن النفس مشرّع عالمياً وقانونياً وأخلاقياً، فماذا سيقول الأشاوس يا ترى؟ من المرجّح أنّهم سيرفعون قاماتهم متباهين بأنّهم جرّوا سورية إلى إسقاط كلّ الضوابط، فهل بمثل هذا التصرّف يحمون لبنان؟ إحّم لمثل هؤلاء الحماة !


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 39 / 566503

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010