الجمعة 18 حزيران (يونيو) 2010

رحمة بالعروبة

الجمعة 18 حزيران (يونيو) 2010 par د. حياة الحويك عطية

أنظر إلى لبنان فأرى أمريكا، أنظر إلى لبنان فأرى “إسرائيل”، انظر إلى لبنان فأرى إيران، أنظر إلى لبنان فأرى السعودية، لكنني لا أرى لبنان . بهذه الجمل عبر العلامة السيد محمد حسين فضل الله عن ألمه خلال الأزمة التي عصفت بلبنان ما بين العامين 2004 و2008 .

ولعل قوله هذا هو أبلغ ما ينطبق على العرب اليوم، فنحن ننظر إلى العالم العربي لنرى أمريكا، بالطبع، ولكن إقليمياً: لنرى إيران ونرى تركيا ونرى “إسرائيل” لكن من دون أن نرى العرب، لكأننا في القرن الرابع الهجري . فهل يكون أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى أول من انتبه من الرسميين إلى هذا الخطر وبادر إلى زيارة متأخرة جداً إلى غزة . لكن ثمة مثل فرنسي شهير يقول “خير لك أن تصل متأخراً من ألا تصل أبداً” .

المشكلة الوجودية ليست مشكلة غزة بحد ذاتها، ولا مشكلة فلسطين كلها وحدها . المشكلة أن ثمة وجوداً عربياً، هوية عربية معرضة للانقراض، ليس فقط بخطأ مسؤوليها المتخاذلين الموكلين مسؤولياتهم إلى غيرهم، بل وأماناتهم إلى غير من هو مؤتمن عليها، بل وذاك هو الأخطر بخطأ جمهورها، بما فيه النخب التي تدعي أنها تقود الرأي العام . هذه النخب التي تتوزع الآن، بين يائس مستسلم يدعو إلى لقمة سخية ونومة هنية، وبين متحمس يلعن العروبة والعرب صباح مساء ويتعلق باكياً مهووساً برقبة إيران أو تركيا .

وإذا كانت اللقمة والنومة لدى القسم الأول وهم وسراب لأنها عبارة عن لقمة مسمومة ثمنها الكرامة، ونومة مخدر ثمنها الوعي والمستقبل، فإن الهروب الكامل إلى الحضن الإيراني والتركي، إن هو إلا تخل عن الكرامة أيضاً وعن الاستقلالية وعن الذات، وتباه مجنون تمارسه “ القرعة بشعر بنت الجيران” . هذا ان لم يكن فيه خيانة لذكرى آلاف بل ومئات آلاف الشهداء والمناضلين في حركات التحرر العربية منذ مطلع عصر النهضة وحتى اللحظة . وإذا كان المسؤولون العرب متقاعسين لأسباب نعرفها جميعاً، فإن ذلك لا ينسحب على الشعوب التي تقاتل بصبر وبطولة في فلسطين وفي العراق وفي لبنان .

أوليست المقاومات العربية هي من هزم المشروع الأمريكي للشرق الأوسط الجديد؟ أوليست المقاومة العراقية هي من منع أمريكا من متابعة سيرها إلى طهران؟ أوليست المقاومة اللبنانية هي من أسقط المشروع في عام 2006 . بدعم إيراني؟ حسناً، ولكنه دعم ثمنه حماية إيران من “الإسرائيليين” عبر تهديد “حدودهم الشمالية” (أي حدود فلسطين المحتلة، وذاك ما ضمن سلامة المفاعل النووي الإيراني) .

والآن تأتي تركيا، فيها حكومة تدعمنا، أجل! وهي مشكورة لكل ما تفعل، ولكنها في الواقع إنما تنفذ على الأرض ما فهمته الرؤيا السياسية لحزب العدالة والتنمية حول مصالح تركيا . فقد أدرك هذا الخط السياسي أن أبواب أوروبا لن تفتح له، فاستعاد ذاكرة التاريخ الإسلامي وأدرك أن مجده الوحيد كان يوم اتجه نحو العالم العربي، وأن الفراغ الحاصل في هذا العالم، والحساسية المذهبية إزاء المد المذهبي، يهيئان له الأرض بشكل ممتاز، ليستعيد نفوذاً يجعل الغرب يحسب له ألف حساب، بدلاً من أن يعامله كمتسول اعتراف . كذلك أدرك أن أسواق أوروبا لم تعد ساحة تصدير ومنافسة مع الاكتفاء الذاتي ومع الاجتياح الصيني ومع الأزمة المتفاقمة، وبالتالي فإن الأسواق النموذجية هي السوق العربية، وهذا ما تحقق بالفعل، وها نحن نشهد إغراقاً تركياً للأسواق العربية وإقبالاً مذهلاً يجعل الاقتصاد التركي يعيش حالة نمو في وقت يعيش فيه العالم كله حالة أزمة .

لا شك في أن رؤية كهذه تفرز دعماً تلقائياً للقضايا العربية، وهذا جيد، ولكن هل أدى ذلك إلى إلغاء أية اتفاقية استراتيجية مع “إسرائيل”؟ بل هل ادت حادثة مرمرة إلى اكثر من الغاء مناورة عسكرية واحدة؟ ألم يقل المسؤولون الاتراك : لولانا لم تكن “إسرائيل”، ولا مشكلة لدينا معها بل مع حكومة نتنياهو؟

أهي إدانة منا؟ لا أبداً، وليس المطلوب من أية دولة حليفة أكثر من ذلك . فالشعب التركي انتخب أردوغان وغول ليحققا مصالح تركيا وهذه أمانتهم . كما أن الشعب الإيراني انتخب نجاد ليحقق مصالح إيران وهذه أمانته . ولو كان لنا أن ننتخب رؤساء لأوكلنا إليهم أمانة تحقيق مصالح العالم العربي، وذاك ما يتطلب الآن دعم تركيا وإيران، لأنهما حليفان قويان وصادقان، وتجمعنا بهما عرى الجغرافيا وعرى الثقافة الإسلامية .

غير أن ذلك لا يجوز أن يجرنا إلى جلد العروبة وانكارها، فتلك جريمة لا تغتفر، جريمة بحق الذات القومية والمستقبل .

ألم يسأل هؤلاء الذين يشتمون العرب صباح مساء، خاصة من الكتاب والسياسيين: ما الذي حمل المطران كبوجي إلى متن السفينة وهو يعبر فوق الثمانين؟

ألم يسألوا أنفسهم عن خطورة تحويل قضية فلسطين، عبر حصار غزة، إلى قضية إنسانية فحسب؟ وماذا عن الأرض؟ وماذا عن اللاجئين الذين يتمكنون من الوصول إلى لقمة الخبز؟ ماذا عن الوطن؟


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 16 / 566415

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010