الجمعة 3 آب (أغسطس) 2012

عندما تُهزم أميركا في سوريا!

الجمعة 3 آب (أغسطس) 2012 par د. سمير كرم

تلوح في أفق الأحداث، التي فجرها الغرب في سوريا، بل التي أقام من أجلها نظاماً استراتيجياً جديداً في المنطقة، بوادر انتصار لسوريا وهزيمة لأميركا ونظامها الجديد في المنطقة.

وتبدو أميركا أكثر ارتباكاً وحيرة من أي وقت مضى في مواجهة هذا الوضع غير المألوف، منذ بدأت دعمها الجديد للمنظمات الدينية التي اعتادت على تسميتها بالمنظمات الإرهابية. فقد انتصرت أميركا بانتصار هذه المنظمات في تونس وليبيا ومصر واليمن، ولكنها واجهت انتكاسة إستراتيجية وسياسية في سوريا حيث يهمها ان تحقق انتصاراً يفوق في أهميته لها ولخططها كل الانتصارات السابقة. ذلك ان انتصار اميركيا في سوريا كان من شأنه ان يفتح الأبواب لهيمنة أميركية كاملة على المنطقة العربية و«الشرق الأوسط»، وكان من شأنه ان يفتح الممرات المغلقة بوجهها في طريق مهاجمة إيران، وبالتالي انهيار كل مقاومة قومية وإقليمية للنفوذ الاستراتيجي والسياسي والاقتصادي على المنطقة والإقليم.

لم يكن ثمة مانع أمام الولايات المتحدة ـ ومعها الاتحاد الأوروبي وتركيا وحلف شمال الأطلسي ـ لأن تفتح عهداً جديداً من الحرب الباردة شبيه بالبدايات القديمة للحرب الباردة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وذلك عندما كان التحالف السوفياتي ـ الصيني لا يزال قائما. لقد أظهرت الولايات المتحدة منذ بداية الصراع على سوريا استعدادا غير مسبوق، لأن تعيد صراع الحرب الباردة مع روسيا والصين، عن طريق الضغط على البلدين غير الغربيين، للرضوخ للخطط الأميركية الأطلسية الرامية الى استخدام مجلس الأمن أداة لإخضاع العالم للنظام الجديد القائم على تحالف غير مألوف بين الغرب ـ والأطلسي أداته العسكرية الأكبر ـ والتنظيمات الإرهابية مثل «القـاعدة» و«الجهاد الإسلامي» والتنظيمات شبه الإرهابية. وأول وأكبر هذه التنظيمات هو تنظيم «الإخوان المسلمين» بأجنحته الدولية الشاسـعة المنتشرة في العالم ابتداءً من مصر، حيث كان التأسيس الأول، الى باقي الأقطار العربية وامتداداً الى أندونيسيا وماليزيا وجنوب الفيلبين، وإن اختلفت الاسماء بين هذه البلدان. ويشمل هذا ايضا التنظيمات الاخوانية المسلحة في بلدان آسيا الوسطى وخاصة أوزبكستان وقرغيزستان قريبا من الأراضي الإيرانية وقريبا ايضا من الأراضي الروسية وغير بعيد عن اراضي الصين.

وصحيح ان الحرب بين الغرب بزعامة أميركا على روسيا والصين بقيت حرباً باردة، ولكن لا يزال من الضروري مراقبة احداث هذا الصراع بعد نتيجة المواجهة في سوريا. فهل يصل الأمر الى حدود حرب حقيقية تدافع فيها روسيا والصين عن مصالحهما الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية في منطقة «الشرق الأوسط» ضد خطط الغرب وأهدافه لتأسيس قواعد في صورة نظم حاكمة عربية وإسلامية تعمل على إغلاق البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والخليج بوجه العبور الروسي والصيني؟

لعل اشد الأخطار لحدوث مثل هذا التحول في المواجهة بين الغرب بزعامة أميركا والشرق، إذا جاز القول تعبيراً عن روسيا والصين وإيران والقوى التي تبدي استعداداً لمقاومة الهيمنة الغربية، يتمثل في إثارة أميركا وأوروبا و«إسرائيل» مشكلة الأسلحة الكيماوية السورية. لقد اعتبرت أميركا و«إسرائيل» ان هذه الأسلحة توفر الذريعة الكافية لتدخل أميركي او «إسرائيلي» ضد سوريا. وظلت التهديدات الأميركية ـ «الإسرائيلية» تتردد حتى عندما اعلنت سوريا تعهدا واضحا وقاطعا بأن مثل هذه الأسلحة لن تستخدم الا في حالة تعرض سوريا لهجمات عدوانية خارجية.

يتضح بشكل جلي ان أميركا وقعت في خطأ التقدير في ما يتعلق بإمكان إضافة سوريا الى جدول البلدان التي سقطت ضحية للتنظيمات الإرهابية. مع ذلك لا بد من القول صراحة ان أميركا بقيت واعية بصعوبة التدخل في سوريا عسكرياً، فيما يتجاوز حدود التمويل والتسليح للجماعات والتنظيمات الإرهابية. لقد أبقت أميركا على ادوار السعودية وقطر والإمارات في تمويل الصراع داخل سوريا لمصلحة التنظيمات الإرهابية، الأمر الذي ساعد على إطالة زمن هذا الصراع. وفي الوقت نفسه فإن الشكوك في مدى جدية اميركا بالنسبة لهذا الصراع في سوريا بالذات قد راودت السعوديين ومساعديهم الخليجيين. بل إن هذه الشكوك راودت «إسرائيل» التي اعتبرت دائماً ان الصراع على سوريا وداخل سوريا هو مسألة وجود بالنسبة إليها بالنظر الى اعتبار الصراع في سوريا مسألة يمكن اعتبارها من المنظور «الإسرائيلي» الرسمي فرصة مواتية لمهاجمة إيران. وفي هذا الصدد فإن «إسرائيل» فشلت في الحصول على نتائج من أي نوع من وراء إطلاق حملة اتهامات زائفة ضد إيران بأنها تشارك في الصراع السوري بمقاتلين من الحرس الثوري الإيراني او من المقاومة اللبنانية ممثلة في «حزب الله».

مع هذا كله فانه لا يمكن الادّعاء أن أميركا، وفي ذيلها «إسرائيل»، قد خرجتا خاويتي الوفاض تماما من الصراع السوري بعد كل الدلائل الواضحة على ان سوريا تملك فرصة اعلى كثيرا للانتصار في هذا الصراع، وأن أميركا وبالتالي «إسرائيل» لقيتا هزيمة. لقد كسبتا ولاء وضمانات النظم التي استولت على الحكم في ليبيا وفي مصر وفي تونس واليمن والسودان بشطريه، بأن لا عداء تجاه «إسرائيل»، وبالتالي فلا نيات معادية عسكرية او سياسية من جانب هذه النظم التي إقامتها تنظيمات ذات طابع ديني متطرف. وتجيء هذه الالتزامات والتطمينات نتيجة للسلام مع «إسرائيل» الذي إقامته دول عربية وإسلامية لها ثقلها الاقتصادي والسياسي في المنطقة مثل السعودية وتركيا وقطر والإمارات. هذا اذا لم نشر الى الوزن الروحي الذي تتمتع به السعودية في العالم الإسلامي ككل.

وبالنسبة للموقف الأميركي فان الكاتب الأميركي بول كريغ روبرتس يقول في مقال نشر له في موقع «كاونتربنش» (27-29 تموز/يوليو 2012) ان (الرئيس الأميركي باراك ) «أوباما لم يقل لماذا تستميت حكومته من اجل إسقاط الحكومة السورية». ويجيب على ذلك السؤال بأن «الأول بين الدوافع هو التخلص من القاعدة البحرية الروسية وبالتالي حرمان روسيا من قاعدتها البحرية الوحيدة في البحر الأبيض المتوسط. وثمة دافع ثان هو إزالة سوريا كمصدر أسلحة ودعم لـ«حزب الله» من اجل ان تتمكن «إسرائيل» من ان تنجح في محاولاتها لاحتلال جنوب لبنان والاستيلاء على مصادره المائية. وقد ألحق مقاتلو «حزب الله» الهزيمة مرتين بمحاولات «إسرائيل» العسكرية لغزو الجنوب اللبناني واحتلاله. وثمة دافع ثالث هو تدمير وحدة سوريا بصراع ديني على النحو الذي دمرت به واشنطن ليبيا والعراق، وترك سوريا للفصائل المتحاربة من اجل تمزيق البلد وبالتالي إزالة عقبة أخرى أمام هيمنة واشنطن».

ولا يكتفي الكاتب الأميركي بهذا التحليل الدقيق لأهداف واشنطن في الصراع السوري. انه يضيف إشارة بالغة الأهمية الى الغطاء الأخلاقي الذي تقدمه واشنطن لاستخدامها العنف في إسقاط حكومات أخرى، إذ تتحدث عن «جلب الحرية والديموقراطية وعن إسقاط دكتاتوريات فظة وحماية حقوق المرأة».

والأمر الذي لا شك فيه ان الإدارة الأميركية وأجهزتها المخابراتية قد انغمست في التفكير وفي الإعداد للخطوات التي يتعين عليها اتخاذها عندما تنجح القوى التي تحارب باسمها داخل سوريا في تحقيق الانتصار على الحكومة السورية. ولكنها لم تفكر ـ او بالأحرى هي اخفت عن العالم، التفكير في ما يمكن ان تفعله حينما ينتهي الصراع السوري الى انتصار النظام على معارضيه، على الرغم من كل ما يحظون به من دعم في صورة أسلحة ومقاتلين وأموال من مصادر تدعم الخطة الأميركية. فهناك دائما أفكار أميركية بشأن ما يحدث بعد إسقاط النظام السوري، ولا شيء عما يحدث بعد انتصار النظام السوري (...)

هذا هو الموقف الحرج الذي تواجهه إدارة أوباما الآن بعد ان أصبح بادياً لكل مراقب خارجي او داخلي ان سوريا تحقق انتصاراً على خصومها وبالتالي على الولايات المتحدة والسعودية وقطر والإمارات ...الخ. وربما يحق لنا ان نعتبر ان النظم العربية - الإسلامية التي بذلت اقصى جهودها من اجل إنجاح خطط واشنطن في سوريا كانت اكثر واقعية في نظرتها الى نتائج هذا الصراع. فهي من ناحية لم تكف عن مطالبة اميركا بالتدخل المباشر في سوريا عسكرياً على النحو الذي تم في السيناريو الليبي باستخدام قوات حلف شمال الأطلسي، تدعمهـا قوات «عربية» من قطر والإمارات. وهي من ناحية أخرى، توقعت ان يطول الصراع السوري زمنياً. فضلاً عن توقعها ان تربط «إسرائيل» حربها ضد سوريا و«حزب الله» بما تهدد به الدولة الصهيونية باستمرار من توجــيه ضربات جوية واسعة النطاق ضد إيران مستهدفة منشآتها النووية. ولم يعد خافياً ان المملكة السعودية تعتبر ان إيران هي مصدر إزعاج لها اكثر خطورة من اي مصدر آخر، وبالتالي انها تفضل ان تتولى «إسرائيل» الشأن الإيراني عسكرياً اذا كان التدخل في الصراع السوري مستبعداً، وبصرف النظر عن الأسباب. ولكن هذا لا يمنع السعودية من إعطاء كل المبررات للولايات المتحدة لمواصلة الصراع السوري عن طريق توفير المقاتلين من اي بلد كان واستمرار إمدادهم بالمال وبالأسلحة.

ما تعنيه هذه الهزيمة لـ«إسرائيل» فإنه يتمثل في استمرار النخبة الحاكمة «الإسرائيلية» في تحريض الجانـب الأميركي على أداء دور أكثر هجومية لحماية «إسرائيل» وباقي الحلفاء العرب وأنظمتهم. ولهذا فإن اول التوقعات من سلوك «إسرائيل» إزاء مثل هذا التطور في الصراع السوري سيظهر في صورة اشتداد حدة التحريض «الإسرائيلي» للولايات المتحدة على مهاجمة إيران. وهو ما ثبت حتى الآن ان «إسرائيل» لا تملك القرار بشأنه وتترك القرار للولايات المتحدة. مع ذلك فان «إسرائيل» تستغل فترة الأشهر الثلاثة الباقية على موعد انتخابات الرئاسة الأميركية في الثلاثاء الأول من شهر تشرين الثاني / نوفمبر القادم لممارسة أقصى ما يمكنها من ضغط انتخابي على المرشحين في هذه الانتخابات أوباما الديموقراطي ورومني الجمهوري. والأخير قد أبدى اقصى درجات الاستعداد لإظهار ولائه لـ«إسرائيل»، ولكن أوباما لم يترك الساحة «الإسرائيلية» خالية لمنافسه.

ستكون هزيمة اميركا في الصراع السوري جزءاً أساسياً في حملة انتخابات الرئاسة الأميركية بمضمونها الأميركي و«الإسرائيلي» على حد سواء طوال الأشهر الباقية على موعدها. يتقدم على كل الموضوعات في هذه الحملة ما إذا كانت اميركا و«إسرائيل» تستطيعان الرد على هذه الهزيمة بهجمة عسكرية على إيران.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 13 / 565588

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010