الخميس 26 تموز (يوليو) 2012

تعوّد الموت

الخميس 26 تموز (يوليو) 2012 par د. حياة الحويك عطية

لماذا تتبرع «واشنطن بوست» بالحديث عن دور جماعات «القاعدة» في سورية؟ صحيح ان «القاعدة» موجودة، ولكن ما هو معروف أيضاً انه سواء كان الأمر «قاعدة» او غيرها، فقد بات من الواضح ان أكثر من يقاتلون، يفجرون ويدمرون هم من غير السوريين، وهذا ما يرفع نسبة التدمير والوحشية لأن من يقاتل غرباء يكون أقسى عليهم، ومن يدمر بلاداً ليست بلاده لا يرحم عمرانها ولا ناسها، ومن جاء مشحوناً بحقد مذهبي او طائفي هو غير الذي يقاتل لأجل الإصلاح او التغيير.

من جهة ثانية، لماذا لا تذكر «بوست» مقاتلي الشركات الأمنية، وقد ترك منهم الأمريكيون بعد الانسحاب من العراق ما يزيد على مئتي الف في المنطقة، من مثل «بلاك ووتر» وغيرها. ليطرح السؤال : من الذي يمول (وبالتالي يدرب ويسلح) كل هؤلاء؟

وإذا كانت «بوست» تربط ذلك بالجهاديين القادمين من العراق، فإنها لا تلبث وان تقول ان باب الهوى تحول الى تجمع لهؤلاء، بعد ان حاولت الحكومة العراقية منع تسللهم من العراق عبر إقفال الحدود وزيادة ضبطها؟ وهنا يبرز ارتباط التفجيرات الدموية التي حصلت في بغداد خلال الأيام السابقة بعملية المنع هذه وبموقف العراق في مؤتمر وزراء الخارجية العرب. ومن هنا يبرز سؤال آخر : لماذا أصبحت التفجيرات التي تحصل في العراق أمراً مقبولاً وعادياً، يمر في الإعلام وكأنه لم يمر على الأرض ويحصد آلاف الضحايا؟ لماذا يموت مئات العراقيين كل يوم ولا نأبه لهم؟ هل تعودنا موت العراقيين وبات علينا تعود موت السوريين، كما تعلمنا قبلها وعلى مدى ستة عشر عاماً تعود موت اللبنانيين؟ وهل أن ما يحضر لسورية «ما بعد الأسد»، وفق التعبير المستعمل بشكل متكرر، تطبيقاً لنظرية الدق على المسمار حيث يتعمق أكثر مع كل ضربة جديدة، هو عراق جديد او لبنان جديد، او انه سيكون جزائر جديدة؟

«ما بعد الأسد» تعبير عادي عندما يأتي في سياق حياة سياسية طبيعية، لأن لكل رئيس مرحلة، وما بعدها ولكل برنامج سياسي مدة وما بعدها. غير ان الأمر هنا لا يعني تغير الرئيس كما ينتقل الأمر من ساركوزي الى هولاند، ولا يعني إصلاحاً سياسياً ينقل البلد من حالة قانونية وسياسية معينة، الى حالة تتحقق فيها إصلاحات مطلوبة، تقود البلاد الى مرحلة جديدة. بل انه يعني انتقال البلاد من حالة سيادية الى حالة من دون سيادة، ومن خط قومي عربي الى خط تابع للغرب، ومن ايديولوجية عداء مع «إسرائيل» الى استسلام وتطبيع. والاهم وبالتلازم، تدمير الجيش العربي عبر تغيير عقيدته العسكرية، بحيث تنتزع منها مركزية العداء لـ«إسرائيل»، وتخفيض عدته وعداده، وتحويله الى قوات امن وعملاء لأمريكا. انه يعني انتقال البلاد من اقتصاد إنتاج يعزز الاستقلال الغذائي والاقتصادي الى اقتصاد استهلاك، وبرامج صندوق النقد الدولي، ودخول البلاد في أغلال الديون الخارجية. ومن برامج تنمية تسير ببعض الأخطاء الى برامج تدمير كلي كلها خطأ، ومن طاقات نفط قليلة وطاقات غاز كبيرة قادمة سواء إنتاجاً أم ممراً، الى حرّاس لصوص على هذه الثروات يحرسونها لصالح الشركات الغربية والمتعددة الجنسيات، ويأخذون نسبتهم الضئيلة لقاء عمولة او عمالة. من ثقافة عربية أصيلة الى ثقافة مضعضعة ومدمرة، ومن ثقافة شبه علمانية في تعدديتها واحترامها للأديان في إطار المواطنة، الى ثقافة مذهبية وطائفية صدامية رافضة للآخر. وأخيراً وصولاً الى تدمير وحدة الدولة وسيادتها وتحويلها الى كانتونات، ان لم يعلن تقسيمها رسمياً ودولياً، فهي إنما تصبح كذلك بفعل الأمر الواقع. وعندها لا بأس من مسرح دمى تدور عليه مسرحية ديمقراطية بكل إجراءاتها، اللهم إلا احترام المعنى الأول للديمقراطية : المواطنة، والسيادة. مسرحية تبدأ من الدراماتورغ الذي يضع تصور النص ومعناه وسيناريوهاته، وتنتقل الى المخرج الذي يترجم رؤيته هو بتحريك الدمى (وحتى الممثلين) ولكنهم جميعاً يظلون محكومين بالمنتج، صاحب المال الذي يدفع للجميع .. وكلهم من خارج المسرح.

نعم نريد ديمقراطية لسورية، ولغيرها. وبشكل تفصيلي، نريد حرية التعبير، وحرية الأحزاب، وبعدهما حرية الانتخابات، وتداول السلطة، نريد تصحيح السياسات الاقتصادية .. ولكن نحو مزيد من السيادة، ومزيد من الوطنية، ومزيد من القومية، ومزيد من صلابة المواجهة مع الأعداء والطامعين، ومزيد من الوحدة الوطنية .. لكننا لا نريد أبداً نقل الإخراج العراقي او الليبي الى عاصمة الأمويين في حين نرى ان الحراك الشعبي السوري بدأ سوريا لأجل تلك الأهداف الوطنية، ثم تم إقصاء المخلصين والصادقين و...السوريين، لتصبح الأهداف وما يحصل على الأرض نقيضاً كاملاً لكل ما ذكرنا.

الإصلاح قوة، ولا احد يريد القوة لسورية سواء في الغرب أم في «إسرائيل» أم لدى العرب الذين يرون في سورية والعراق نموذجاً يقصرون عنه، ولن يبلغوه، لأنه تحدي التاريخ والجغرافيا وما صنعاه من إنسان.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 17 / 566682

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010