الاثنين 28 أيار (مايو) 2012

مصر على موعد مع حمدين صباحي

الاثنين 28 أيار (مايو) 2012 par د. مصطفى اللبّاد

مثلت النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية 2012 صدمة مفجعة لقطاعات واسعة من المصريين، إذ قادت إلى أحد أسوأ السيناريوهات الممكنة بوصول مرشح النظام السابق أحمد شفيق، الذي حلّ ثانياً بحوالي 23% من الأصوات؛ ومرشح الإخوان المسلمين محمد مرسي، الذي حل أولاً برصيد حوالي 26% من الأصوات، إلى جولة الإعادة. وبالمقابل فقد حل مرشحا الثورة حمدين صباحي ثالثاً (22% من الأصوات) وعبد المنعم أبو الفتوح رابعاً (18% من الأصوات)، فيما حل عمرو موسى خامساً برصيد 12% من الأصوات. وحتى كتابة هذه السطور، ما زالت اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية تنظر في الطعون التي قدمها حمدين صباحي على نتيجة الانتخابات بعدة مسببات وجيهة. في وقت تعيش قطاعات الشباب والمؤيدين للثورة في حالة من الإحباط منذ إعلان النتيجة الأولية، لأنه من مساخر الأقدار أن تسقط الثورة المخلوع حسني مبارك ونظامه، بمن فيه أحمد شفيق آخر رئيس وزراء في عصره، ثم تعود لتنتخب رئيس الوزراء المخلوع، بعد الثورة، رئيساً للجمهورية في انتخابات تنافسية تعددية! ومن نكد الدنيا على المصريين أن يصعد مرشح «الإخوان المسلمين» إلى جولة الإعادة وليس مرشح الثورة، بالرغم من صفقات «الإخوان» مع السلطة الحاكمة وإدارتهم الظهر للثوار ومطالبهم، والتخندق حول مصالحهم الحزبية الضيقة. وبالرغم من قتامة المشهد على السطح، إلا أن نظرة أكثر تفحصاً ربما تقود إلى نتيجة مختلفة وتلقي الضوء على الأبعاد المختلفة للأزمة التي خلقتها النتائج الأولية لانتخابات الرئاسة.

حصل مرشحا الثورة الكبيران (صباحي وأبو الفتوح) على أكثر من أربعين في المئة من الأصوات، وإذا أضفنا إلى تلك النسبة الضخمة أصوات كل من: محمد سليم العوا، وخالد علي، وأبي العز الحريري، وهشام البسطويسي، وكلهم من مرشحي الثورة أيضاً، لوصلنا إلى أكثر من هذه النسبة. وتفتح هذه النتيجة - الحقيقة النوافذ أمام رؤية جديدة للانتخابات، مفادها أن أصوات مؤيدي الثورة تفوق عددياً ما سواها من أصوات! إذاً ملخص النتيجة الحالية هو تشتت أصوات المرشحين الثوريين، وليس لأن التركيبة النفسية للمصريين «تميل إلى الاستقرار»، على حسب وصف مؤيدي أحمد شفيق. ظهر واضحاً أن الناخب المصري صوّت عقابياً ضد «الإخوان المسلمين» لمحاولتهم الهيمنة على الدولة ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية، فحصلوا في انتخابات الرئاسة على حوالي 5,5 ملايين صوت، مقابل 15 مليوناً حصلوا عليها قبل شهور في الانتخابات البرلمانية. كما برز للعيان أن الدعم غير المسبوق والمواكبة الرسمية والإعلامية المنقطعة النظير فضلاً عن المال السياسي الهائل إلى جانب أحمد شفيق، كلها لم تفلح في إيصاله إلى منصب الرئاسة من الجولة الأولى، أو حتى دخول دورة الإعادة من موقع صاحب أعلى الأصوات في المرحلة الأولى، بل بفارق ضئيل نسبياً من الأصوات عن مرشح الثورة حمدين صباحي. فلنتأمل قليلاً في النتائج الأولية قبل إصدار أحكام التشاؤم والإحباط، حيث لم يحصل مرشحا النظام السابق إلا على حوالي 36% من الأصوات على الأكثر (إذا حسبنا أصوات أحمد شفيق 24% سوياً مع أصوات عمرو موسى 12%)، في مقابل 64% تعادي الفلول وتريد الوصول بالثورة إلى أهدافها وإن بوسائل مختلفة. وكذلك فقد خاصمت الكتلة الناخبة «الإخوان»، الذين لم يحصلوا إلا على 26% من الأصوات في مقابل 74% من الأصوات لم تتبن أطروحاتهم وممارساتهم السياسية.

اتجه النقاش العام منذ إعلان النتائج الأولية الصادمة إلى «حديث الصدمة» والخيارين المرين المتاحين أمام المصريين، أي دعم أحد مرشحي جولة الإعادة. هنا أخذت وسائل الإعلام المصرية المملوكة لرجال الأعمال الكبار المرتبطين بالنظام السابق، والممولين خليجياً، زمام المبادأة ووجهت النقاش العام من وقتها إلى «حديث الصفقة». ويعني «حديث الصفقة» توجيه رسالة إعلامية متكررة إلى الرأي العام والكتلة الثورية في مصر مفادها أن الاحتجاج على النتائج لا يفيد، وأن العقل يقول ان الأفضل استدراج عروض من طرفي جولة الإعادة لمصلحة «مطالب الثورة». يبدو «حديث الصفقة» عقلانياً وبارداً في الظاهر، ولكن يراد به في العمق هدفاً مرحلياً تكتيكياً يتمثل في نزع الجانب الأخلاقي من المسألة عبر مساواة مرشح الفلول بمرشح «الإخوان». وبالرغم من أن «الإخوان» لم يقدموا للحركة الوطنية المصرية ـ حتى الآن - سوى الخيبات والمرارات، إلا أنهم برغم الاختلافات العميقة معهم لا يمكن مساواتهم بفلول النظام، فخيار الإخوان «مكروه»، أما خيار الفلول فهو حرام أخلاقياً وثورياً وشرعياً حتى. كما أن الدخول في «حديث الصفقة» في هذه اللحظات التاريخية، وهو أمر مشروع وجائز في السياسة عموماً في الظروف الطبيعية، فلن يؤدي إلا إلى إدخال الكتلة الثورية، صاحبة الأفضلية الأخلاقية والأغلبية العددية، في عملية شكلية «لتقاسم سلطة» من الموقع الأضعف تحصل فيها على الفتات. بمختصر العبارة، تريد وسائل الإعلام هذه، مواكبة التسهيلات الرسمية والمال السياسي الداعم والتأثير المعنوي على المصريين الذي جرى خلال الانتخابات وما قبلها لمصلحة مرشح الفلول، عبر توجيه النقاش العام إلى حيث تصل بشفيق إلى منصب الرئاسة ولكن بتأييد شعبي ومؤازرة الكتلة الثورية أيضاً!

يتمثل الهدف الأبعد من التأثير الإعلامي والمعنوي ذاته، في تغييب اللحظة التاريخية الراهنة، وحجب القوى الوطنية والثورية عن رؤيتها. فاللحظة التاريخية القائمة حبلى بظاهرة لا تتكرر كثيراً في السـياسة، أي ما يطلق عليه الزخم Momentum. أفلت الثوريون المصريون الزخم وتاريخية اللحظة من أيديهم بعد 11 فبراير/شباط 2011 وتنحي حسني مبارك، فتركوا السلطة وذهبوا إلى بيوتهم وتركوا السـلطة في يد المجلس العسكري. ومن ساعتها تحاول السلطة الحاكمة، بمجهود واضح وتخطيط دقيق، إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وإنتاج النظام القديم في شكل جديد. ولأن ذلك يسير على العكس من حركة التاريخ، فإن مهمتها صعبة إن لم تكن مستحيلة، فالشرط الأساس للمضي في مهمتها المستحيلة هو إبقاء الكتلة الثورية في حالة من التشرذم السياسي والضياع التنظيمي. على المقلب الآخر، وصل «الإخوان» إلى طريق مسدود بسياسات الصفقات مع المجلس العسكري على ظهر الثورة، ويستشعرون الآن أن وصول شفيق إلى الرئاسة سيعني لاحقاً حل البرلمان العديم الصلاحيات الذي يملـكون أغلبيته، ومن ثم إطاحتهم نهائياً من هياكل السلطة بعد وصول النظام القديم إلى موقع الرئاسة. وبالرغم من امتلاك «الإخوان» تنظيماً يضم حوالي مليون عضو، إلا أنهم مع ذلك أقلية سياسية وعددية واضحة بين المصريين، نظرياً على الأقل. ربما تبدو نسب الأصوات «الإخوانية» مرتفعة، ولكنها تبدو دوماً أكبر من حجمها بسـبب تدني نسبة المشاركة في الانتخابات، كما حدث في انتخابات البرلمان وانتخابات الرئاسة. ومع استشعار «الإخوان» خطراً داهماً بعودة الفلول إلى منصب الرئاسة وبالانتخاب حتى، نراهم الآن يستعيدون حديث «الجبهة الوطنية» التي تضم كل القوى في مواجهة الفلول، وهو ما يعني استدعاء رصيد الكتلة الثورية وتجييره لمصلحتهم وتحت قيادتهم. إذاً قراءة الواقع الراهن في مصر تقول إن طرفي معادلة القوة قبل الانتخابات (السلطة والإخوان) يستمران بوصفهما كذلك، فقط لأن الكتلة الثورية، الأكثر عددياً والأفضل أخلاقياً، لا تنضوي تنظيمياً وفكرياً في تيار واحد متجانس.

تقتضي الحصافة اقتناص اللحظة التاريخية الراهنة، والشروع في تنظيم هذه الكتلة الثالثة في مواجهة الفلول بعيداً عن عباءة «الإخوان»، لا حصر التفكير في «حديث الصفقة» المشبوه في الوقت الراهن. هنا يبدو حمدين صباحي القيادة الأكثر تأهيلاً لهذه المهمة في اللحظة التاريخية، فحمدين صباحي بعد الانتخابات الرئاسية ليس الشخص ذاته الذي خاض الانتخابات قبلها. كان حمدين صباحي مناضلاً عروبياً سجن واعتقل مرات عديدة، وفاز بمقعد برلماني في معارك انتخابية شرسة ضد رموز السلطة «المباركية» وبالرغم من تزييفها للانتخابات البرلمانية وقتها، شق حمدين صباحي - مرشح الثورة الأبرز - طريقه الانتخابي كحصان أسود، قافزاً فوق قلة الإمكانات المالية والإعلامية، ومنافساً في موقعة شرسة أمام مال سياسي تجاوز عدة مليارات من الجنيهات، وحل بأصوات الكتلة الثورية أولاً في محافظات القاهرة، الإسكندرية وكفر الشيخ وبورسعيد والبحر الأحمر. جعلت الانتخابات الأخيرة والأداء شبه الأسطوري الذي قدمه حمدين خلالها، رمزاً للكتلة الثورية والتواقة إلى مضامين الحرية والعدالة الاجتماعية. نجح حمدين صباحي في تجديد الحركة الناصرية في مصر، عبر تأسيس «حزب الكرامة»، في قطيعة مع الحزب الناصري ـ التقليدي - ووسائله وبرامجه العتيقة. لم يتخل صباحي عن الأفكار المؤسسة للناصرية مثل العروبة والعدالة الاجتماعية، ولكنه ذهب خطوة أبعد في الانفتاح على شخصيات وتيارات جذبها إلى حزبه، لا تنتمي بالضرورة إلى التجربة التاريخية التي قادها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ولكنها تشترك معها في قيمها المؤسسة. تشرع اللحظة التاريخية النوافذ أمام حمدين صباحي للانفتاح على كتلة ثورية أكبر عدداً بتلاوين أكثر تعدداً: ليبرالية ووطنية ويسارية، ولكنها تتطلب العمل على مشروع سياسي أطول نسبياً من الانتخابات الرئاسية الراهنة، لبلورة كتلة ثورية قائمة فعلياً ونظرياً، ولكنها غير موجودة حتى الآن جبهوياً وسياسياً. فهل يفعلها حمدين صباحي؟


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 29 / 565588

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع أقلام في الموقف   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010